الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد. الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد (ابراهيم: ،2 3).
وقفنا في المقالتين السابقتين أمام قوله تعالى: ألر كتاب أنزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (ابراهيم: 1).
وقد بينا - بعون الله - آراء المفسرين في الحروف المقطعة التي افتتحت بها السورة، كما بينا سر تعدية الفعل انزل بإلى وعلى في البيان القرآني، وسر جمع الظلمات وإفراد النور، ووجه ايثار صفتي العزة والحمد في الآية الكريمة، كما بينا سر اختلاف بعض الألفاظ في الآيات المشابهة لآية ابراهيم، وهذا أبرز ما وقفت عليه في المقالتين السابقتين، واحببت التذكير به.
اسم الجلالة
ونتدبر الآن قوله تعالى: الله الذي له ما في السموات وما في الأرض فقد قرأنا مع ابن عامر وابو جعفر برفع اسم الجلالة الله على الاستئناف، أي على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أي: هو الله الموصوف بالذي له ما في السموات وما في الأرض واسم الموصول بناء على هذا التقدير صفة الخبر. وقراءة الرفع على الاستئناف فيها دلالة على التفخيم المناسب لاسم الجلالة، والمناسب كذلك مع دلالة صدر الآية الكريمة على كمال ملكيته سبحانه الذي له ما في السموات وما في الأرض.
وموضع الاستئناف من المواضع التي يكثر فيها حذف المبتدأ المسند اليه، وذلك عندما يذكر موصوف ببعض صفاته ثم يدعى الكلام الأول، ويستأنف كلام آخر اعظم مما تقدم ذكره، ليكسب ذلك الاستئناف تقريراً للغرض، ومن شواهده قول عمرو بن معد يكرب:
رآني على ما بي عُميلة فاشتكى
إلى ماله حالي أسر كما جهر
غلام رماه الله بالخير مقبلاً
له سيمياء لا تشق على البصر
التقدير: هو غلام، والسيمياء: الخلقة.
ونعود إلى الآية الكريمة حيث قرأ الباقون إلا رويا الله بالجر على البدل أو عطف البيان من قوله تعالى: العزيز الحميد وعلى كل فكلتا الطريقتين تفيد ان المنتقل اليه أجدر بالذكر عقب ما تقدمه، فإن اسم الجلالة اعظم من بقية الصفات، لأنه علم الذات الذي لا يشاركه موجود في اطلاقه ولا في معناه الأصلي المنقول منه إلى العلمية. ورأى ابو السعود- رحمه الله - أن القراءتين - الرفع والجر - بيان لكمال فخامة شأن الصراط واظهار لتحتم سلوكه على الناس قاطبة. وتجويز الرفع على الابتداء بجعل الموصول خبرا مبناه الغفول عن هذه النكتة أي اللطيفة ولم يبين لنا أبو السعود وجه أو علة تفويت اللطيفة التي اشار اليها - كمال فخامة شأن الصراط - في قراءة الرفع، كما احب أن اشير في هذا الصدد إلى معارضتي الشديدة للمفسرين الذين يفضلون قراءة على قراءة مادامت القراءتان متواترتين، ويصفون قراءة بأنها ابلغ أو اقوى أو ادق من الأخرى، أو ما شاكل ذلك من اوصاف.
ووجه اعتراضي ان كلتا القراءتين قرآن، وبالتالي فإننا لا يجوز لنا أن نفضل قراءة على أخرى، لأن القرآن واحد، ويبقى على المفسر ان يجتهد في بيان بلاغة كل قراءة لا أن يفاضل بين القراءات المتواترة، لأن لكل قراءة اثراً في أداء المعنى.
المهابة الإلهية
وأما حكم الوقف على قوله تعالى - في نهاية الآية الأولى - الر كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، فالوقف تام لمن قرأ اسم الجلالة الله بالرفع. أي تقف على قوله تعالى الحميد- ثم تبدأ بقوله الله والوقف التام هو الوقف على كلام يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده. ولا وقف على قوله الحميد لمن قرأ لفظ الجلالة الله بالجر لتعلقه بما قبله ولننظر في صدر الآية الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.. حيث صدرت بلفظ الجلالة، لقذف المهابة في نفس القارئ، كما ان في ذلك تناغماً مع مضمون الآية - كما اشرت آنفاً - الدال على كمال سلطان الله تعالى. وقد تسألني عن سر آخر لإيثار لفظ الجلالة في هذه الآية الكريمة ويمكن أن يقال في سر إيثار اسم الجلالة: إنه سبحانه لما أضاف طريق النجاة إلى وصفين العزيز، الحميد يجوز اطلاق كل منهما على الخلق بينهما باسمه الشريف العَلَم، لأنه جرى مجرى الاسماء الاعلام، لاختصاصه بالمعبود بحق، ووصفه بما اقتضى توحيده فقال: الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ووصف لفظ الجلالة باسم الموصول إنما كان من أجل زيادة المهابة والفخامة، وليس من أجل التعريف، لأن ملكه - سبحانه - المطلق لما في السموات والأرض صفة لا ينازعه فيها أحد من خلقه ولا يدعيها، فهو سبحانه معروف بها عند المخاطبين. ونشم في صلة الموصول له ما في السموات وما في الأرض رائحة التقريع والتوبيخ والتعريض بالمشركين الذين اتخذوا من دون الله انداداً لا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم نفعاً ولا ضراً وتركوا عبادة ملك الملوك الذي له ملك الوجود كله بما فيه من أجرام وأحياء عاقلة وغير عاقلة، وبما فيه من انداد، وهذا يدل على انها - الانداد - وعُبّادها تحت سطوة ملكه - سبحانه - وأنها في قبضته، وفي ذلك برهان ساطع على أنها غير جديرة بالعبادة. وهذا هو وجه التسفيه والتقريع لهؤلاء المشركين وانت ترى ان تلك الاشارة لم ينص عليها في الآية، وانما لمح التعريض من خلال سياق الدلالة على كمال ملكه - سبحانه - وهذا ما يسمى في البلاغة بالادماج. وللتأكيد على عموم ملكه - سبحانه - لسائر الوجود اعيد الموصول مع صلته فقيل: وما في الأرض.
تهديد صريح
وتختم الآية الكريمة بتهديد مباشر ووعيد صريح لمن اشرك بالله تعالى شيئاً من السموات والأرض أو فيهما فقيل: وويل للكافرين من عذاب شديد ونشير أولا إلى الارتباط المحكم بين خاتمة الآية الكريمة وصدرها - وهذا عهد القرآن الكريم كله - فبداية الآية يشير إلى سلطان الله تعالى المطلق في الوجود كله، وفي خاتمة الآية ذكر بعض مقتضيات هذا السلطان، وهو الحكم بكفر من عبد ما ليس له السموات والأرض وتهديده ووعيده. والويل مصدر بمعنى الهلاك وهو لا فعل له، ويعامل معاملة المصادر ويرفع رفعها، ويفيد في الآية الكريمة بأن الهلاك ثابت للكافرين. وهذا دعاء من المولى سبحانه بالعذاب والهلكة على الكفار الذين لم يهتدوا بما انزله على رسوله فبقوا منغمسين في ظلمات الكفر، ولم ينتفعوا بنعمة ارسال الرسول اليهم بالكتاب المبين ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فهنا تهديد بالويل والثبور لكل من لم ينتفع بتلك النعمة الكبرى والمنة العظمى، والعطف في جملة وويل للكافرين من باب عطف الانشاء - لأنه في معنى الدعاء - على الخبر وقوله من عذاب شديد المراد به عذاب جهنم والجملة في موضوع الصفة ل ويل، ومن بيانية، فهي بيان لصفة العذاب وشدته. واشار الزمخشري في كشافه إلى ان وجه اتصال قوله من عذاب شديد بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون: يا ويلاه. وكلام الزمخشري فيه اشارة إلى أن الاتصال بين القولين معنوي، حيث جعل تلفظهم بكلمة التلهف من شدة العذاب والتعبير باسم الفاعل للكافرين فيه اشارة إلى رسوخهم في الكفر وتمكنه منهم، لأنهم لم ينتفعوا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا برسالته، ولا بالكتاب الذي انزل عليه لإخراجهم من الظلمات إلى النور. وفي الآية التالية للآية السابقة بيان لصفات الكفار الذين تُوعدوا بالعذاب الشديد، قال تعالى: الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (ابراهيم: 3) وفي هذه الآية يصف الله تعالى الكفار بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة أي أنهم يقدمون الدنيا ويعملون من أجلها ويفضلونها على الآخرة التي نسوها وتركوها وراء ظهورهم نتيجة انغماسهم في الدنيا. ويستحبون بمعنى يحبون والسين والتاء للطلب، لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه ان يكون ذلك الشيء عنده احب من الآخر، اذن يمكن القول إن طلب حب الدنيا يكون بالرغبة الشديدة فيها، والالحاح في طلبها، والحرص عليها. وفي التعبير بالفعل المضارع يستحبون دلالة على استمرار انغماسهم في الدنيا الفانية وايثارها على الآخرة الباقية. وقوله يستحبون مجاز مرسل عن الاختيار والتفضيل بعلاقة اللزوم. ولم يكتف تعالى بذكر استحبابهم الحياة الدنيا بل جمع بينها وبين إيثارهم إياها على الآخرة، ليبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموماً إلا ان يضاف اليه ايثارها على الآخرة، وأما من احبها ليتوصل بها من خلال أعماله الصالحة إلى نعيم الآخرة فذلك غير مذموم.
والله أسأل ان يجعلنا ممن يجعلون الدنيا في ايديهم ولا يجعلونها في قلوبهم. والله أعلى وأعلم بمراده. والحمد لله رب العالمين.