الصادح الشادي

رأي ثقافي
05:49 صباحا
قراءة 3 دقائق

غمامة بيضاء تظلل الوادي، وأيكة غناء للصادح الشادي، في مولد الهادي، بهذه الكلمات افتتحت الجوقة المنشدة أوبريت مولد أمة، والذي نظمته دولة الكويت احتفالاً بدخول القرن الخامس عشر الهجري في عام ،1980 هذا الاحتفال قد جمع عدداً من كبار فناني الكويت والعالم العربي، قص الأوبريت الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات والتسليم وتركت أثراً لا ينسى إلى يومنا هذا، وقليل ما كان يقدم على خشبة المسرح ما يشبه هذا الاحتفال، نقلت الإذاعة المصرية في ذكرى المولد النبوي إنشاد لتحقيق البردة تسجيلات هذا النقل مازالت موجودة ولم يغادر الذاكرة وهو في أوج مجد الإذاعات عندما كان الصوت هو الصورة التي نرى من خلالها . قدم للحفل الإذاعي الراحل عبدالعال الهنيدي، وكان الأداء المسرحي لعمالقة الأداء التمثيلي عبدالوارث عسر والغيثين عبدالله وحمدي ومحمد الطوخي، والإنشاد لعلي الحجار، هذه القصيدة التي نظمها شرف الدين محمد البوصيري يقول في مطلعها: امن تذكر جيران بذي سلم/ مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم لم تلق قصيدة قيلت في مدح النبي صلى الله عليه وسلم كما لقيت قصيدة البردة هذه من المعارضات والأخذ والرد، ورغم أنها قصيدة ليست بالقصيرة إلا أنها كانت وما زالت في كثير من بقاع العالم الإسلامي تحفّظ للأطفال من نعومة أظفارهم وتلقى في المناسسبات الاجتماعية ويجتمع عليها في الاحتفالات الدينية، بل ومن أجمل ما غنته أم كلثوم معارضة نسجها أحمد شوقي على غرار البردة هي قصيدته نهج البردة والتي مطلعها ريم على القاع بين البان والعلم .

والبردة أيضاً هي لامية كعب بن زهير بانت سعاد القصيدة التي كساه النبي عليه الصلاة والسلام إثرها بردته وبقيت البردة في ولده حتى اشتراها معاوية وتداولها الخلفاء، في تراث الإمارات عرف ما يسمى بالمالد وهو احتفال يقام في مناسبة المولد النبوي وليلة النصف من شعبان وامتد إلى الأفراح والمناسبات الاجتماعية كالختان والزواج وغيرها، حيث يصطف جلوساً فريقان من المنشدين يرددون خلف المنشد الرئيس سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقصيدة البردة أو نهج البردة لشوقي .

واستلهام هذا الشكل من الفنون الأدائية والإنشادية مسرحياً طرق بأشكال متعددة، وكما يروي المخرج الراحل قاسم محمد في معرض حديثه عن إخراج مسرحيته المستلهمة عن رسالة الطير لابن سيناء أنه خرج من شكل العلبة الإيطالية إلى الاصطفاف والأداء الأقرب للإنشاد الجماعي، لكن هذا لم يجمع للمسرح الإماراتي مضموناً أو شكلاً يتقارب مع المسرح في الإمارات إلا بعدد قليل من الأعمال المسرحية على ما أذكر منها مسرحية صلاح عبدالصبور مأساة الحلاج التي قدمها المسرح الحديث في الشارقة والتي أخرجها القدير يحيى الحاج عام ،1986 وربما قبر الولي لجمال مطر وهي طروحات اجتماعية في مجملها .

وإذا استثنينا الحفلات الإنشادية فإن الاحتفالية المسرحية بأحداث الهجرة والسيرة النبوية أو أية أحداث تتعلق بالقرن الأول الهجري ما زالت تلقى كثيراً من التحفظ في الكتابة أو الإنتاج المسرحي لاعتبارات كثيرة بغض النظر عن الشكل الذي قد نخرج به أو نوافق عليه، فالدراما التاريخية أيضاً ما زالت تعاني الإشكال ذاته وتثير اختلافات كبيرة على الساحة الإعلامية . لكننا وكما يقول محمد إقبال صاحب حديث الروح: لابد أن تمتلئ أنفاس الدرّاج بحرارة العشق، فنتجاوز إلى جمال الحضور إلى المناسبة، حضور من أجل الذات، والاحتفاء بها يتشكل مع تشكل حياتنا كل لحظة، فإن حضور هذا البعد في المنتج الثقافي ما كان يقتصر على الأداء المسرحي أو الشكل الاحتفالي، بل ويتصل ويظل موجوداً عندما نراه في التراث في تهويدات ومناغاة الأمهات لأطفالهن عند النوم أو كما تسمى في الإمارات المهاواه، أهزوجة جميلة تحضر كل ليلة إلى قلوبهن فلا يجدن أجمل تحناناً ولا أوصل للطمأنينة منها، فيها ذكر النبي عليه الصلاة والسلام مديحاً وكأنها تعويذة خاصة وأحاديث للروح تستجلب بها الأم إلى المكان الوسن وتطرد منه منغصات الأرق إذ تقول:

هوّا هوّا يا الهادي

محمد ساكن الوادي

لا ماي(ن) ولا زادي

محمد شفيع العبادي

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"