العزوف عن الزواج . . خطر يهدد المجتمعات الإسلامية

تعددت الأسباب وأهمها البعد عن الدين
03:06 صباحا
قراءة 5 دقائق

تؤكد الدراسات الاجتماعية تنامي ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج والتي ترتبت عليها زيادة نسبة العنوسة في المجتمعات العربية، وتشير الأرقام التي كشفتها الإحصاءات في الدول العربية المختلفة إلى تفاقم الظاهرة بصورة مخيفة وهو ما يتطلب الوقوف على أسباب المشكلة وسرعة حلها حتى لا تطغى آثارها السلبية وتتسبب في تفكك المجتمع وانتشار الرذائل وضياع نواته ألا وهي الأسرة الآمنة المستقرة .

في البداية يشدد الدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية على أن التقاليد الاجتماعية التي يتبعها الأهالي في تزويج بناتهم لا تمت إلى الإسلام بصلة حيث إن الفتاة ليست سلعة تباع وتشترى كي يغالي الآباء في تكاليف الزواج خاصة أن الشباب يتقاضون مرتبات متدنية لا تحقق ما يريده أي أب من متطلبات . وأهم الأسباب التي أدت إلى انتشار العزوبية البعد عن القيم الإسلامية خاصة البعد عن الأخلاق فأكثر الشباب الآن بعد أن يجدوا أنفسهم فريسة لمشاكل المجتمع المادية ومتطلبات الزواج الكثيرة بما يفوق قدراتهم المادية يلجأون للعزوبية وهو ما يترتب عليه درجات الانحلال المختلفة التي انتشرت في المجتمع تحت غطاء شرعي كاذب ومزور مثل الزواج العرفي وغيره من المسميات المستحدثة للعلاقة غير الشرعية .

غريزة فطرية

ويشير د . المهدي إلى أن عزوف الشباب عن الزواج وانتشار ظاهرة العنوسة سوف يفتح الباب أمام الممارسات غير الشرعية ويغلق باب الحلال خاصة في ظل انتشار الفضائيات التي من شأنها نشر ثقافة التبرج بين الفتيات اللائي يلجأن إلى ذلك من أجل لفت نظر الشباب إلى مفاتنهن وزينتهن على أمل أن يقوم الشباب بخطوة إيجابية تجاه الرغبة في الارتباط الرسمي إلا أن ما يحدث هو العكس فتلك الممارسات يمكنها زيادة حالات الزنى والاغتصاب .

ويضيف: إن الزواج غريزة فطرية فرضها الله عز وجل على بني الإنسان حيث قال ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وعليه فإنه يجب تسهيل أمور الزواج حتى تكون ممارسة تلك الأمور الغريزية داخل إطار الشرعية ولا ينتشر الفساد الاجتماعي الذي نراه واضحا في الغرب من خلال انتشار نمط العلاقات غير الشرعية وغير المقننة والتي تعود بالعديد من العواقب الوخيمة على المجتمع ككل .

على المسلمين جميعا أن يعوا أن المهر ما هو إلا هدية ومنحة تعبر عن رغبة وتقدير الرجل لهذه المرأة فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: التمس ولو خاتما من حديد وعندما أتاه أحد الصحابة ليزوجه ولم يكن يملك المال حتى يستطيع الزواج زوجه الرسول بما يحفظ من كتاب الله . . ولذا لابد لأولياء أمور الفتيات أن يراعوا البعد الاجتماعي والاقتصادي للشباب وألا يغالوا عليهم في الطلبات .

طلبات ثقيلة

ويرى د . طه حبيشي أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر أن من الأسباب التي أدت إلى الأرقام المفزعة لعزوف الشباب عن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة في عالمنا العربي الوضع الاقتصادي المتردي للشباب وعدم توفر فرص العمل الملائمة التي تؤهله لتكوين أسرة آمنة تعيش على حد الكفاية إضافة إلى الطلبات التي تثقل كاهل العريس من مهر مبالغ فيه وسكن وأثاث من أفخم الأنواع وشبكة باهظة الثمن إلى جانب تكاليف حفل الزفاف الذي لا يكون إلا في فندق 5 نجوم وفرقة مشهورة تغني وترقص وتفرح المعازيم على حساب الزوج .

ويضيف: إن الإسلام حث على الزواج لأنه الخطوة الأولى على طريق بناء الأسرة السليمة وقال صلى الله عليه وسلم: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة . . وقد حدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المعيار الذي يجب أن يقيم على أساسه الزوج فقال في حديثه الشريف: إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . . ومن هنا يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر معيار الدين والأخلاق والأمانة هو ما يجب أن يقبل على أساسه الشاب فهو لم يقدم المعيار الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي رغم أهميته وتأثيره في الزواج والاستقرار الأسري وحين تقدم هذه المعايير على معيار الدين فإن النتيجة ستكون وقوع الفتنة والفساد على صعيد الأفراد والأسرة والمجتمع بدليل انتشار الخلافات الأسرية وارتفاع حالات الطلاق بسبب إهمال الدين والأخلاق في أغلب حالات الزواج وتفضيل الجوانب المادية والكماليات .

على الجانب الآخر حدد الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم معايير اختيار الزوجة فقال: تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك . . وهناك من يقول إنه عليه الصلاة والسلام قدم معايير المال والحسب والجمال في حديثه الشريف وهذا يعود إلى أن هذه المعايير الثلاثة هي السبب الرئيسي لكل المشكلات الأسرية في حال انعدام التكافؤ في أي منها بين الزوجين إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن معيار الدين هو ما يجب أن يتم الاختيار على أساسه .

ويؤكد د . حبيشي أن الحل يكون عن طريق تفعيل دور وسائل الإعلام المختلفة لتوضيح موقف الإسلام من الزواج والأسس التي يجب أن تبنى عليها الأسرة والمعايير التي يجب أن يختار على أساسها الشباب شريكة أو شريك الحياة، وكذلك توعية المجتمع بالمخاطر الأخلاقية والاجتماعية المترتبة على انتشار ظاهرتي العنوسة والعزوف عن الزواج من خلال البرامج المتنوعة والملصقات والنشرات والحملات الإعلامية والمواقف المعبرة والهادفة . . إلى جانب عقد محاضرات وندوات تثقيفية للأسر والأهالي .

أسباب اقتصادية

يرى د . حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أن المشكلة في الأساس اقتصادية إلى أبعد الحدود ففي ظل حالة البطالة المستشرية في المجتمعات العربية يصعب على الشباب إيجاد أي فرصة عمل وإذا وجدت فلا يحصل من خلالها الشاب على العائد المادي المناسب الذي يمكنه من تحمل تكاليف الزواج ففي مصر على سبيل المثال فإن أقل ميزانية ترصد للزواج تبلغ نحو 50 ألف جنيه وهو ما يدفع الشباب إلى العزوف عن الزواج كلية وبالمقابل ترتفع نسبة العنوسة بين الفتيات فضلا عن أن هناك إهمالا تاما من المجتمع في مواجهة هذه المشكلة .

ويضيف: إن الشباب في العصر الحديث في أمس الحاجة لتطبيق سنة الزواج لما يواجهه من تحديات في وسائل الإعلام كالفضائيات والإنترنت المملوءة بالتبرج والسفور والعري إضافة إلى تزايد معدلات الانحراف الاجتماعي والتحلل الأخلاقي لكن للأسف هناك معوقات تقف في طريق تطبيق هذه السنة أكبر من طاقات وقدرات الشباب ويأتي في مقدمتها غلاء المهور وعدم القدرة على تأمين متطلبات الزواج إضافة إلى ارتفاع الأسعار وسهولة الحصول على الملهيات التي من خلالها يمكن إشباع الحاجات الجنسية بصورة غير مشروعة كالمواقع الإباحية والصور الخليعة والأقراص المدمجة التي تروج للأفلام الإباحية ما يعني إمكانية استغناء الشباب عن الزواج وتكاليفه المرهقة .

ويؤكد د . شحاتة أنه لكي يتم التغلب على هذه المشكلة فلابد من توفير فرص عمل للشباب يستطيعون من خلالها أن يؤمنوا حياتهم وممارستها بشكل طبيعي فهذا سوف يؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض نسبة العنوسة وارتفاع معدل إقبال الشباب على الزواج فالمشكلة اجتماعية بالدرجة الأولى بعدها الأساسي اقتصادي ودور الدين يقتصر على التوعية بمخاطر ارتفاع معدل العنوسة من حيث الممارسات الخاطئة والأساليب غير الشرعية التي قد يلجأ إليها بعض الشباب لإشباع رغباتهم . . كما يمكن تشجيع قيام مؤسسات اجتماعية تتبنى قضايا تيسير الزواج من خلال توفير القروض الحسنة والمنح والمساعدات المالية حتى تخفف عن كاهل الشباب بعضا من تكاليف الزواج الباهظة والمساهمة في إقامة مشروعات للشباب مع دعوة رجال الأعمال إلى توجيه جزء من أموالهم للمساهمة في الإكثار من وحدات الإسكان لمحدودي الدخل لتخفيف معاناة الشباب في الحصول على عش الزوجية المناسب .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3b3yf5u