قال الله تعالى في سورة المائدة حكاية عن عيسى بن مريم عليه السلام: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
فإنك أنت العزيز الحكيم هنا أحسن من أن يقول إنك أنت الغفور الرحيم لماذا؟ لأن معنى العزيز الحكيم أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة وهي كمال القدرة وعن حكمة وهي كمال العلم، فمن غفر عن عجز وجهل لا يكون قادراً حكيماً، ولا يكون ذلك إلا عجزاً، فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة، وعلم تام، وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها .
فهذا أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها وقد فاتت، فإنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها، لاسيما والموقف موقف عظمة وجلال، وموقف ممن انتقام جعل لله ندا، أو اتخذ إلهاً من دونه، فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة . وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام في سورة إبراهيم واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب انهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ولم يقل، فإنك عزيز حكيم .
لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي أن تغفر له وترحمه، بأن توفقه للرجوع من الشرك إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة، كما في الحديث الشريف اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
ولا عجب بعد هذا إذا سمعنا أن أحد الأعراب سمع قارئاً يقرأ قول الله تعالى في سورة المائدة: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم، وختمها بقوله: والله غفور رحيم فقال الأعرابي: ما هذا فصيح . فقيل له: ليست التلاوة كذلك، وإنما هي والله عزيز حكيم فقال: بخ بخ، عز، فحكم، فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع .