أكد العلامة الشيخ محمد الراوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن خلافات المسلمين وصراعاتهم ونزاعاتهم أكبر معصية لله ورسوله، فالإسلام أمرنا بالتضامن والعمل الجماعي لخدمة ديننا وأوطاننا، والله عز وجل أعزنا بالوحدة، ولكننا بخلافاتنا والاستسلام لمؤامرات خصوم ديننا ووحدتنا جلبنا لأنفسنا الذل والهوان .
وحذر الشيخ الراوي في حواره مع الخليج من استمرار النزاعات والخلافات والصراعات داخل الأوطان المحررة من الأنظمة الفاسدة وقال: ما يحدث الآن من خلافات وصراعات ومعارك داخل هذه الأوطان، وخاصة مصر ينذر بخطر داهم ولا بد من أن يتحرك علماء الأمة ومفكروها وأصحاب الرأي المؤثر فيها لإنقاذ هذه الأوطان العزيزة من الصراعات التي يغذيها خصوم الإسلام في كل مكان .
في البداية يتحدث الشيخ الراوي: عن الصورة في البلاد العربية وخاصة مصر بعد الثورة؟
- الصورة محزنة ومؤلمة لكل إنسان حريص على وحدة وطنه فلا يوجد غير الخلافات والصراعات والاتهامات المتبادلة والكذب على الشعب، وفي ظل استمرار هذا الوضع المؤسف لن تقوم لأوطاننا قائمة وسنكون فريسة سهلة لأعدائنا، وأنا هنا أذكر الجميع بقول الحق سبحانه ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . وما يحدث الآن ينذر بخطر داهم، ولابد من أن يتحرك علماء الأمة ومفكروها وأصحاب الرأي المؤثر فيها لإنقاذ هذه الأوطان من الصراعات .
الثقة بنصر الله
التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية كثيرة . . كيف نعيد المسلمين إلى طريق الوحدة والتضامن لمواجهة هذه التحديات؟
- لا سبيل للمسلمين بمواجهة هذه التحديات إلا بالوحدة والتضامن والعمل المشترك، فطريق الوحدة والتضامن بين المسلمين هو السبيل الوحيد لتحقيق عزتهم واستعادة قوتهم وقدرتهم على الدفاع عن دينهم ومقدساتهم وأوطانهم، وقبل أن نسلك هذا الطريق علينا أن نخلص النية لله، وأن نتخلص من كل أشكال الحقد والغرور والكبرياء، وأن نرحب بكل ما يحقق العزة لديننا وأوطاننا، فقد أعزنا الإسلام بالوحدة والتضامن وجلبنا لأنفسنا الذل والهوان بخلافاتنا وصراعاتنا .
إن سبيلنا إلى الوحدة الإسلامية والوطنية الكلمة الطيبة الصادقة التي تخدم الدين وتخدم الفضائل ومكارم الأخلاق، والقرآن الكريم يأمرنا في كثير من آياته بالتعاون على البر والتقوى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وإلى التضامن والاعتصام بحبل الله المتين في كل المواقف خاصة في أوقات الشدائد فيقول سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .
من هنا يجب على كل المسلمين حكاما ومحكومين أن يعملوا على توحيد كلمة المسلمين والوقوف في وجه كل من يحاول إشاعة روح اليأس والإحباط بين المسلمين، فالمسلم مهما كان حجم مشكلاته والهموم المحيطة به يجب أن يكون واثقاً بنصر الله له، والحياة صراع بين الحق والباطل، بين الفضائل والرذائل، بين الخير والشر، وتلك سنة الله في كونه وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى، حيث قال الحق سبحانه: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .
وإذا كانت الحملة ضد الإسلام والمسلمين قد اشتدت هذه الأيام فلا ينبغي أن يدفعنا ذلك إلى اليأس أو الاستسلام للأمر الواقع، فلو قرأنا التاريخ جيداً لوجدنا أن أعداء الإسلام موجودون في كل عصر وفي كل مكان، ومع ذلك ظلت كلمة الله هي العليا وظلت راية الإسلام عالية خفاقة، فيجب أن تتضاعف ثقتنا بنصر الله لنا وعلينا ونحن أصحاب حق وفضائل أن نتعاون ونتضامن لمواجهة كل التحديات التي تقف في طريقنا.
هرم مقلوب
أفتى بعض العلماء بأن توفير احتياجات الفقراء في بلادنا العربية أولى من أداء العمرة وحج التطوع . . هل تتفق مع هؤلاء العلماء؟ وماذا تقول للمسلمين الذين يحرصون على السفر سنوياً لأداء الحج والعمرة ويهملون حقوق الفقراء في أموالهم؟
- للأسف الشديد هرم الأولويات لدينا مقلوب في كثير من جوانب حياتنا، فالهامشيات أصبح لها الأولوية، والضروريات توارت وراء المظاهر الخادعة التي تتخذ لنفسها مظهراً دينياً زائفا، ومن هنا يأتي هذا الخلل الواضح في أولويات أفعالنا وتصرفاتنا .
وإذا كنا نؤمن بالله حقا ونتبع تعاليم الدين صدقا فإن علينا أن نعيد النظر في أوضاعنا وتصرفاتنا، واضعين مصلحة المجتمع نصب أعيننا، فالله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، ومن فرج عن امرئ كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب الآخرة، كما ورد في الأحاديث النبوية الصحيحة .
ومشكلة الفقر التي تتزايد في كل بلاد المسلمين هي في حقيقة الأمر عار في جبين الأمة الإسلامية التي حباها الله بكل الخيرات والثروات، ولا ينبغي أن نطالب الحكومات وحدها بمواجهة هذه المشكلة، فكل إنسان أنعم الله عليه بالمال مسؤول أمام الله عن معاناة فقير أو أكثر حسب قدرته وإمكاناته، وأنا على ثقة أن أغنياء المسلمين لو دفعوا زكاة أموالهم بحرص وإخلاص، ووجهوها للمحتاجين المستحقين للزكاة ما بقي فقير واحد في بلادنا الإسلامية، ولاستطعنا توفير فرص عمل جيدة لمئات الآلاف من الشباب العاطل الذي لا يجد ما يفي بمتطلباته المعيشية، وبالتالي لا يجد فرصة للزواج والاستقرار وإفادة مجتمعه .
أما ما ينفق على مناسبات دينية أو شعائر غير مطالب بها المسلم فهذا من أبرز جوانب الخلل في حياتنا، فالحج مثلا فرض على المسلم مرة واحدة في العمر للقادر عليه ماديا وبدنيا، والعمرة واجبة لمرة واحدة، وعند أداء الحج نؤدي في الوقت نفسه نسك العمرة، والنبي لم يحج إلا مرة واحدة فقط، ولكن هناك أناسا مدمنون الحج والعمرة، وقد قال لي أحدهم ذات مرة إنه حج ستا وعشرين مرة!!
أما عن العمرة وتكرارها فحدث ولا حرج، وهذا في واقع الأمر غير مطلوب دينيا، وكثرة الحج والعمرة ليست دليلا على تقوى الإنسان وصلاحه، وبعض الذين يحجون يعودون ويمارسون حياة مليئة بالمعاصي .
ونحن نقول لهؤلاء: تقبل الله منكم أفضل أعمالكم، وأفضل الأعمال ليست في تكرار الحج، وكما قال كثير من العلماء فإن التبرع لأعمال الخير الكثيرة والمتنوعة أفضل عند الله من تكرار الحج والعمرة وهذا أمر لا خلاف فيه .
إن الأموال الطائلة التي تنفق سنويا في هذه النوافل يمكن أن تحل الكثير من المشكلات الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية، فالإسهام في بناء المدارس والملاجئ والمستشفيات وإيجاد فرص عمل للشباب ومساعدة غير القادرين من طلاب العلم والمرضى والمحتاجين وتفريج كرب المكروبين وإدخال البهجة والسرور على اليتامى والمعاقين، كل هذه الأعمال وغيرها كثير ثوابها عند الله أعظم من ثواب تكرار الحج والعمرة الذي هو من قبيل النوافل في الدين .
أعمال يرفضها العقل
انتشرت أشكال الدجل والشعوذة في بلادنا العربية والإسلامية بشكل مزعج ويهدر المسلمون أموالا طائلة على هذه الخرافات . . كيف نحمي عقول المسلمين وعقيدتهم من هذا العبث؟
- الثقافة الإسلامية الصحيحة هي أفضل أساليب المواجهة، فالمسلم الذي يعرف الحلال والحرام والمباح والمحظور يدرك أن هذه خرافات، وأن العقل المسلم لا يعرف الخرافة، فالإسلام دين يحترم العقل ويقوم على العلم، ويساند كل ما يقرره العقل السليم، والإسلام في حقيقته ثورة على كل أشكال الدجل والشعوذة والخرافات التي تنتشر بين المسلمين الآن، ولذا يجب على علماء الإسلام وعلى كل وسائل الإعلام العربية أن تواجه هذه الخرافات وأن توضح خطورتها للناس، وخطورتها لا تقف عند الأموال الطائلة التي تنفق عليها أو تهدر فيها، بل خطورتها في إفسادها لعقل الإنسان وعقيدته .
من أجل ذلك يجب على المجتمع الإسلامي بكل هيئاته ومؤسساته ووسائل إعلامه أن يرفض رفضا قاطعا كل أعمال الدجل والشعوذة والاعتقاد في الخرافات والأوهام واللجوء إلى مدعي الولاية أو من يزعمون علم الغيب أو الاستعانة بأصحاب الأضرحة والقبور من أجل طلب الشفاء أو هلاك الأعداء أو قضاء الحوائج، فكل هذه أمور لا يقبلها عقل ولا دين .
التدين الشكلي
هل ترى أن هناك أزمة تدين في عالمنا العربي وأننا أصبحنا نهتم بمظاهر التدين الفارغة من دون أن يكون هناك التزام حقيقي بالدين كما يؤكد بعض العلماء؟
- هناك تدين حقيقي واجبنا أن ندعمه بكل الوسائل، وهناك تدين شكلي موجود بين شريحة كبيرة من الناس، ولذلك لا ينبغي هنا أن نعمم الحكم فهناك أناس كثيرون يفهمون الدين على حقيقته وعلاقتهم بربهم وتعاليم وأحكام دينهم علاقة وثيقة وإن كان لا يبدو عليهم ذلك، وعلى المتمسكين بالمظاهر أن يخلصوا النية وأن يفهموا أمور دينهم فهما صحيحا، وأن يدركوا أنهم لن يخدعوا خالقهم بمظاهر شكلية لا تحقق لهم قبولا عند الله عز وجل .
وكيف تنظرون إلى تيارات التشدد الديني التي ارتفعت أصواتها في بعض الدول العربية في الآونة الأخيرة؟
- لا خوف من هذه التيارات الدينية المتعددة، وكل ما نرجوه منهم جميعا أن يدركوا أن الإسلام دين وسطية واعتدال فلا مكان فيه للتشدد على النفس وحرمانها من الطيبات والمباحات، وهو لا يطلب من أتباعه أن يعملوا للدنيا على حساب الآخرة ولا للآخرة على حساب الدنيا، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وكلنا يعرف قصة الصحابة الثلاثة الذين ذهبوا إلى رسول الله يسألون عن عبادته ليقتدوا بما فعل فلما حكى لهم ما يفعله النبي اعتبروا ما يفعله قليلا بالقياس إلى ما يفعلونه فقال أحدهم إنه يصلي الليل كله ولا يرقد، وقال الثاني إنه يصوم ولا يفطر وقال الثالث إنه يعتزل النساء ولا يتزوج، وعندما سمع الرسول ما قالوه خرج إليهم وقال: والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصلي وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، وهذه سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني.
فتاوى الفضائيات
كيف تنظر إلى فتاوى الفضائيات وما فيها من تشدد أحيانا وتحلل من الضوابط والقواعد الشرعية في كثير من الأحيان؟
- فتاوى الفضائيات الدينية والعامة تحمل متناقضات كثيرة، فبعض مشايخ الفضائيات الدينية يجنحون في اتجاه التشدد والغلو في الدين فيصعبون الحياة على الناس، ويصورون الإسلام وتعاليمه وأحكامه في صور جافة تعادي الحياة والأحياء، وهذا ظلم فادح للإسلام وتشويه لصورته في عيون المسلمين وغير المسلمين، ولذلك يجب على القائمين على الفضائيات الدينية التي انتشرت هذه الأيام أن يحسنوا اختيار من يفتي الناس على الهواء مباشرة، وأن يتقوا الله في دينهم، فكل من يضلل مسلما وينقل له حكما دينيا مشوها سينال عقابا رادعا من الخالق عز وجل . . كما ينبغي للجماهير المسلمة أن تنصرف عن فقهاء التشدد والغلو الذين يحرمون كل شيء، فالإسلام دين يسر ورحمة وليس بهذه الصورة الكئيبة التي يصوره بها بعض دعاة الفضائيات الدينية .
وفي مواجهة هؤلاء المتشددين هناك فريق آخر من المفتين في الفضائيات العامة يحللون كل شيء ويزورون في الأحكام الشرعية، وهؤلاء أيضا يسيئون للإسلام إساءة بالغة ويجب أن يحذرهم الناس .
لقد انضم الإفتاء في الفضائيات إلى قائمة الأمراض التي تعانيها الأمة الإسلامية الآن، ويجب أن تتصدى المؤسسات الدينية لهذه الظاهرة كما يجب أن يكون للجماهير موقف تجاه هؤلاء المتشددين والمنفلتين على السواء، فتعاليم الإسلام تفرض على كل مسلم أن يستفتي أهل العلم والثقة من العلماء، وليس كل من يلبس عمامة أو يجلس في فضائية ليقول قال الله وقال الرسول يصلح للإفتاء ويعرف الخطوط الفاصلة بين الحلال والحرام .
باب التوبة مفتوح
بعض دعاة الإسلام يتشددون في مواجهة المعاصي والسلوكات الخاطئة التي يقع فيها كثير من الشباب الآن في ظل الانفتاح الإعلامي والثقافي فيغلقون باب الرحمة والتوبة في وجوه العاصين والمذنبين، ونتيجة ذلك مزيد من العصيان والذنوب حيث يتمادى الشباب اليائس في تمرده وعصيانه ويرتكب المزيد من المعاصي والذنوب . .كيف تنظرون إلى سلوك ومنهج الدعاة المتشددين الذين يغلقون باب التوبة في وجوهنا؟
- باب التوبة كما أخبرنا القرآن الكريم مفتوح على مصراعيه لكل المذنبين والعاصين، وليس من حق أحد ولا من صلاحيته أن يغلق بابا واسعا فتحه الخالق أمام كل عباده، واليأس من رحمة الله ليس من أخلاق المسلم، والله سبحانه وتعالى يوجه نداء واضحا وصريحا لكل عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والآثام فيقول: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، والله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده، ويحب التوابين ويحب المتطهرين .
ومن واجب دعاة الإسلام في كل مكان أن يبعثوا روح الأمل في التوبة والمغفرة في نفوس كل عباد الله ونقول لهم: لا تنشروا روح اليأس من عفو الله ورحمته في نفوس الناس .