يمثل العنف إحدى المشكلات التي تعانى منها المؤسسات التعليمية حول العالم، وتمثل قديماً في قسوة المعلمين على طلابهم، أما مؤخراً فتغيرت الأمور، وتبدلت الأحوال، وأصبح المدرس الحلقة الأضعف في العلاقة داخل الميدان التربوي لذا يتعرض لأشكال مختلفة من العنف تجاوز الاعتداء اللفظي، إلى النيل منه ومن ممتلكاته الشخصية، ووصل الأمر إلى حد تصوير الاعتداء عليه وبثه عبر المواقع الالكترونية المختلفة، ليظهر نوع جديد من الإرهاب أطلق عليه المعلمون إرهاب الطلاب. الحديث عن العنف المدرسي استوجب استحضار كل الفاعلين والمتدخلين في العملية التربوية، سواء من الطلاب أو أغلب المسؤولين الذين أكدوا أن العنف المدرسي وإن تعددت حالاته مؤخراً لا يشكل ظاهرة بل مجرد حالات نادرة جدا تشهدها بعض المدارس في الدولة.
أحمد سالم طالب بالصف الصف الثامن قال: اضطررت لضرب زميلي لأنه سبني وكثيراً ما أكون انفعالياً بسبب تعكر مزاجي في البيت أو المدرسة، والأساتذة في بعض الأحيان يقومون بمعاقبتنا على الشبهة من دون التأكد من الطالب المذنب، مما يؤدي لحدوث العنف.
ويشير إلى أن العنف المدرسي قد يتخذ مظهراً بخلاف الاعتداء على أحد الزملاء ويتجسد في الكتابة على المقاعد والجدران والمراحيض. وقد يكون عنفا صريحا كالاعتداء بالضرب والجرح بالأيدي على أحد العاملين بالمؤسسة التعليمية.
فيصل يوسف طالب بالصف الحادي عشر تحدث عن صورة أحد معلميه في المرحلة الابتدائية وهو معلم مادة الرياضيات، الذي وصفه بأنه يغضب بسرعة، ويسب من يخطئ في أدنى شيء، ويضع دائماً عصا على مكتبه، ليضرب من يغضبه، مؤكداً أنه المعلم الوحيد الذي تعامل معه خلال مراحله الدراسية مستخدما العنف.
وأشار زميله عبدالرحمن محمد إلى حادثة أخرى وقعت أثناء امتحان التقويم، حيث أثار انتباه المعلم لجوء أحد التلاميذ للغش باستخدام هاتفه النقال، فتدخل في محاولة لردعه، وعند خروج المعلم من المدرسة أوقفه التلميذ المتورط في عملية الغش، واعتدى عليه.
خالد الكتبي طالب في الصف العاشر أرجع العنف المدرسي إلى عدم التواصل وسوء معاملة المعلم للتلاميذ، إذ يعمد بعض الأساتذة إلى أساليب غير تربوية كالسب والتحقير، وكذا الاصطدام بين تلميذ مراهق يريد إثبات ذاته وفرض وجوده ومعلم غير متفهم.
الطالب سالم غضوب أرجع حالات العنف في صفوف التلاميذ إلى الرغبة في التفاخر ويقول: يتعارك الطلبة في المدرسة وتقع بينهم اعتداءات مختلفة، سواء كان ذلك عند الخروج من الصف أو في وقت الحضور الصباحي إلى المدرسة أو أثناء مغادرتها أو خلال فترة الاستراحة بين الحصص، والأسباب عادة ما تكون سخيفة، فقد يتعارك الشباب بسبب الكرة، أو أن طالبا يدعي على آخر ويتهمه تهماً باطلة. ولكن بالأخير هذه الحالات نادرة ولا نراها بشكل مستمر.
ويؤكد غضوب أن المعلم قادر على الأخذ بيد الطلاب لمستقبل أفضل ومساعدتهم على الإبداع بالمناقشة والحوار وتقبل آرائهم باعتبارهم أمانة في عنقه، والابتعاد عن الأساليب الخاطئة في التعليم والتربية داخل الصفوف.
ويقول عدنان ابراهيم طالب في الصف الحادي عشر: المراهق يحاول عبر العنف إظهار شخصيته، وقد تساهم الفضائيات ومحطات التلفزة التي تبث أفلام العنف في ذلك. إضافة إلى ان العنف يتولد من الكبت الناتج عن عدم التعامل الجيد مع الطالب وعدم مراعاة الفروق الفردية داخل الصف، وأنه لا يوجد تقدير للطالب كإنسان له احترامه وكيانه، وعدم السماح له بالتعبير عن مشاعره.
أحمد عبدالله طالب في الصف الثاني عشر أشار إلى أن بعض الأساتذة يركزون على جوانب الضعف عند الطالب ويكثرون من انتقاده، ويستهزئون بأقواله وأفكاره، مما يولد العنف لديه ويلجأ إلى افتعال المشاكل والتطاول على زملائه ومعلميه في الفصل.
حميد الحمادي طالب في الصف الثاني عشر يقول: تتعدد مظاهر العنف التي يمارسها التلاميذ فيما بينهم، إلا أنها تتراوح بين أفعال عنف بسيطة وأخرى مؤذية، ومن بين هذه المظاهر شتباكات التلاميذ فيما بينهم والتي تصل أحياناً إلى ممارسة فعل العنف بدراجات متفاوتة الخطورة كالضرب، والتدافع الحاد والقوي بين التلاميذ أثناء الخروج من قاعة الدرس.
مريم علي والدة طالبة في المرحلة الثانوية قالت: أرسلت المدرسة في طلبي، كانت الشكوى على ابنتي لأنها فوضوية وتحدث شغباً في الصف، ولا اعرف السبب الذي يدفعها للتصرف بهذه الطريقة في المدرسة.
محمد يعقوب اختصاصي اجتماعي مدرسة الشهباء أشار إلى أن العنف المدرسي يتخذ أشكالا متعددة، تختلف حسب شخصية ممارسه، وشدة المثير، فهناك العنف اللفظي، وليس بالضرورة أن تكون الألفاظ لا أخلاقية، وهناك من يتجاوز هذه الألفاظ إلى سب الأستاذ بألفاظ قبيحة ولكنها حالات نادرة جدا ولا تشكل ظاهرة.
ويقول: أغلب العنف المستخدم داخل الوسط المدرسي يتخذ طابعا خفيا، كتخريب وإتلاف مرافق المدرسة وتحطيم الزجاج، واقتلاع شجيرات الزينة، وتكسير الطاولات والسبورات والمصابيح وهذا الشكل من العنف نراه بدرجة كبيرة في المدارس. ويضيف: التمييز بين يؤدي الطلاب إلى ردود أفعال متفاوتة من تلميذ إلى آخر، وذلك حسب الوقع النفسي على التلميذ، ومن ثم يبدأ عنف التلاميذ على الأستاذ أو الإدارة أو البنية التحتية للمؤسسات أو على بعضهم بعضا.
محمد حسن مدير مدرسة محمد بن راشد آل مكتوم أشار إلى أنه لا يمكن اختزال العنف المدرسي في سبب واحد، فربما يرجع الأمر إلى الوسط العائلي أو إلى دوافع اجتماعية أو اقتصادية، لافتاً إلى أن العنف دخيل على المؤسسات التعليمية، وسلوك مستورد طارئ عليها، إضافة إلى أنه لا تحدث ممارسات عنيفة في مدارسنا، وإن وجدت فهي حالات نادرة جداً. ويقول: العوامل المثيرة للعنف البدني أو اللفظي يمكن تجنبها باتخاذ إجراءات وقائية تمر عبر تفعيل العلاقات التربوية بين المتعلمين والمدرسين، وتخليص الدرس من طرق التلقي التقليدية، وإشراك التلاميذ في برامج التنشيط التربوي كالمسرح والرياضة والأعمال التشكيلية وغيرها.
وأرجعت موزة اسحاق مديرة مدرسة الحيرة العنف المدرسي إلى أسباب موضوعية ترتبط بعدة عوامل منها: الامتحانات، وطبيعة التقييم الدراسي، وعمل الأستاذة داخل الفصل الذي يخضع بدوره لتقييم الطالبات.
ورداً على سؤال حول تصدي المدرسة لمظاهر العنف بين الطالبات قالت: يمكن للمدرسة معالجة هذه الظاهرة بالتنسيق مع المرشدة النفسية وإقناع الطالبة وفق الأسس الأخلاقية.
وترى أن الأسباب التي تؤدي إلى العنف تكون تافهة، وأن عقول بعض الطالبات لم تصل إلى الرقي في الحوار، مؤكدة أن أي شكل من أشكال العنف المدرسي الذي يصل إلى حد التشابك بالأيدي لم يسبقه حوار بين الطرفين.
عفيفة عبدالعزيز أخصائية اجتماعية أشارت إلى أن العنف لا ينبع من المدرسة. فالمدرسة تربي وتلقن التلاميذ المبادئ الحسنة، مضيفة أن الإحباط يعد الدافع الرئيسي من وراء العنف، هذا السلوك وبواسطته يتمكن الفرد الذي يشعر بالعجز أن يثبت قدراته الخاصة. مما يدفعه إلى القيام بمشاكل سلوكية تظهر بأشكال عنيفة وأحياناً تخريب للممتلكات الخاصة للمدرسة.
لافتة إلى أن المتسبب فيه يكون شخصية عدوانية بطبيعتها أو نتيجة الإهمال الأسري والفشل الأكاديمي الذي قد يصاحب الشخص في مراحل التعليم المختلفة.
وأكدت أن عدم وعي المعلم بكيفية معاملة الطالب داخل الصف واستخدامه لأساليب العقاب البدني والألفاظ السيئة بحقه وتركيزه على ايصال المعلومات المنهجية يفشل رسالة التربية والتعليم ويصعب مهمته داخل الغرفة الصفية ويسهم في إخراج جيل محمل بأفكار مشوهة عن شخصية المعلم بحيث تقوده لممارسة العنف المدرسي.