القصة الحقيقية لـ “لص” نجيب محفوظ

حكاية واحد من “أولاد حارتنا”
02:52 صباحا
قراءة 7 دقائق
محمد شعير
في اليوم الذي بدأ فيه نجيب محفوظ ينشر روايته "أولاد حارتنا" في الأهرام في 21 سبتمبر/أيلول ،1959 كانت درجة الحرارة في القاهرة أقرب إلى البرودة مع بعض السحب التي تغطى سماء مناطق الوجه البحري . الشيوعيون المصريون في سجون النظام، وحملات عنيفة في الصحف لتشويههم، العناوين الرئيسية تتحدث عن المظاهرات الحاشدة التي خرجت في العراق ضد عبد الكريم قاسم، بعد إعدامه لقادة "ثورة الشواف" التي بدأت ضده، في شهر مارس/آذار، ولأول مرة يزور الزعيم الروسي خروتشوف أمريكا ويخطب في الأمم المتحدة، حدث أبرزته الصحافة، واحتفت بخطابه الذي طالب فيه: "بإلغاء الجيوش من كل دول العالم وإلغاء وزارات الدفاع والكليات العسكرية، والاكتفاء فقط بمجموعات صغيرة لحفظ الأمن الداخلي" .

الخلاص الفردي حلم بطل رواية "اللص والكلاب"

أفردت الصحف لكواليس الزيارة التي تعد الأولى لزعيم روسي إلى أمريكا، حتى أن 5 آلاف صحفي من أنحاء العالم شاركوا في تغطية الزيارة، يتابعون كل همسة يقوم بها الزعيم الروسي الذي غضب وهدد بإلغاء الزيارة، كما كتبت جريدة أخبار اليوم، بسبب رفض البوليس الأمريكي طلبه بزيارة مدينة "والت ديزني"، وأمام إصراره زار مدينة الخيال وجلس إلى مارلين مونرو وبوب هوب وفرانك سيناترا وشيرلي ماكلين .
في الجانب الآخر استكمال حملة ضد من أطلقت عليهم الصحف أتباع جيمس دين، وهم مجموعة شباب يقلدون النجم الأمريكي الشهير جيمس دين (1931 - 1955) الذي يعتبر رمزاً ثقافياً لخيبة أمل المراهقة التي صورها في فيلمه الأشهر "متمرد بلا سبب" سنة ،1955 والذي يصور فيه قصة مراهق في لوس أنجلوس "متمرد" اسمه جيم ستارك على العائلة والمجتمع .
الحملة ضد الشباب كانت بسبب تمردهم على جيل الآباء، لأنهم يرقصون الرقصة الجديدة وقتها "التشا تشا تشا"، وفي اليوم ذاته سطا لص غامض على "كرمة ابن هانئ" بيت أمير الشعراء أحمد شوقي، سرق اللص من (دولاب) ذكريات الأمير نخلة من الذهب أهداها له أمير البحرين بمناسبة تنصيبه أميراً للشعراء، كما سرق كأساً من الفضة هدية من هدى شعراوي باسم الاتحاد النسائي، وبعد أيام تمكن اللص نفسه من السطو على فيلا أم كلثوم، ولكن اللص الغامض لم يعد غامضاً، إذ تمكن (البوليس) من القبض عليه، وقال في التحقيقات إنه ارتكب 58 جريمة وقبل محاكمته تمكن من الهرب .
وبعد شهور قليلة، كانت الصحف تتتبع خطوات اللص الذي لم يعد غامضاً، محمود أمين سليمان، تفتش في تفاصيل حياته وعلاقاته، وتاريخه، وعائلته، وزواجه الفاشل، أصبح لقبه الذي اشتهر به هو "السفاح"، لم يعد لصاً يسرق بيوت المشاهير وإنما تحوّل إلى قاتل أيضاً، قاتل يبحث عن العدالة كما قال .
حكاية محمود أمين سليمان كانت الموضوع الرئيسي لكل الصحف في مصر، باعتبارها قضية رأي عام، على مدى ثلاثة شهور تقريباً، فتشت الصحف في حياة اللص الذي تحول كما كتبت جريدة المساء: "في خيال بعض الناس إلى أسطورة شعبية، إلى نوع من أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد"، ولكن ذلك لم يكن إعجاباً بمضمون جرائمه وإنما بشكلها "بذكائه الخارق وجرأته المذهلة وقدرته العجيبة على التصرف في أدق المواقف وأكثرها صعوبة" .

-2-

ولكن من هو السفاح الذي شغل الناس في مصر لأربعة شهور كاملة؟ من هو السفاح الذي كان يطلق الرصاص يميناً ويساراً بالبساطة نفسها التي يشعل بها إنسان سيجارته (حسب تعبير بكر درويش صاحب كتاب "السفاح")؟ لم يكن يحلم محمد سليمان بشيء، قرأ روايات أرسين لوبين وتمنى أن يكون مثله، كان لصاً من طراز نادر، كان أبرع من يدخل المنازل من النوافذ والشرفات من دون أن يشعر به أحد، وكان بارعاً في فتح "الشيش" والقفز داخل المساكن كالقطط، كان صاحب ألف حيلة وحيلة في الهرب من رجال الشرطة، عندما ألقي القبض عليه كان يلجأ إلى الطريقة التي لا تخيب، وهى ابتلاع الدبابيس وشفرات الحلاقة وبعدها ينتقل إلى أحد المستشفيات وهناك يهرب كالأشباح دون أن يشعر به أحد، وبعد هروبه لم يكن يلجأ إلى الاختباء والاختفاء بل كان يمارس حياة عادية ويعيش وسط الناس، مرة يفتتح داراً للنشر، وأخرى يمتلك محلاً لبيع وإصلاح الساعات، وثالثة يدير محلاً للبقالة، بل إنه استعان مرة في أعماله بعد هروبه من السجن بأحد رجال الشرطة ممن كانوا في السجن الذي هرب منه، كان يتمنى أن يكون مثل روبن هود أو أرسين لوبين، لا يسرق إلا الأثرياء فقط، وإن كان يختلف عنهما كما يقول بكر درويش - محرر الحوار في جريدة المساء في الستينات - "إنه كان يحتفظ بما يسرقه لنفسه لا للفقراء" .
بدت رحلة سليمان منذ الطفولة، عندما ترك والده قريته جنوبي مصر "أبو تشت"، وسافر للعمل في لبنان، الطفل الصغير متمرد دائماً على الأسرة والمدرسة، يسرق أموال والده ليصرف على متعته الشخصية، ثم يسرق من الجيران، حتى ألقي القبض عليه ليسجن في لبنان خمس سنوات، ويضطر الأب المستسلم والمسالم إلى أن يترك لبنان إلى الإسكندرية عام .1953 . الابن استطاع الهرب من سجنه، والاختفاء، بل الزواج أربع مرات متتالية وكأنه شهريار العصر الحديث، اضطر بعد كل هذه المغامرات إلى يترك لبنان أيضاً ليعود إلى أسرته في الإسكندرية، ويعلن أمام العائلة ندمه وتوبته ويفتتح هناك دار نشر باسم "دار الفكر للنشر"، ثم يتزوج حميدة أحمد إبراهيم التي اشتهرت باسم "بيلا"، ثم يتركها، تعددت جرائمه في الإسكندرية وهروبه . . وكان يدافع عنه في كل جريمة صديقه المحامى بدر الدين أيوب، وتمضي الشهور حتى يجد فتاة عمره نوال عبدالرؤوف أو حسناء الإسكندرية ليتزوجها وينجب منها ابنته إيمان، وينتقل إلى القاهرة ليفتتح "بقالة إيمان"، شعر محمود بالسعادة، لديه زوجة جميلة تحبه ويحبها، وابنة، وصديق محامٍ يستطيع أن ينقذه من كل ورطاته، كما لديه أموال، لكن فجأة تنقلب السعادة عندما يكتشف أن زوجته على علاقة بأعز أصدقائه، اعترفت له الزوجة بكل شيء، ليس فقط بعلاقتها بصديقه، وإنما علاقاتها الأخرى، وعلاقة أخته بزميل له في العمل، ولم يكن أمامه إلا الانتقام . الانتقام من الجميع، ونجح في ذلك، إلا أنه لم يستطع الوصول إلى زوجته الخائنة التي كانت تجيد الهرب، كلما استطاع الوصول إليها، وخاصة بعد أن خصصت لها المباحث قوة لحمايتها من أجل الإيقاع به .

-3-

رحلة مثيرة للقبض عليه، انتهت به إلى إحدى مغارات منطقة حلوان، كما نقلت الأهرام، حدثت مناقشة مطولة بين اللص وحكمدار القاهرة وقتها:
الضابط: "سلم نفسك يا محمود"
اللص: "إذا كنتم عايزين تموتوني أنا مستعد أخلص على نفسي، طلقة واحدة الحكاية تخلص" .
لكن السفاح لم ينتحر، ولكن عاد يراوغ، طلب في البداية أن يسلم نفسه بشرط أن يأتي له (البوليس) بزوجته، ثم طلب بعد ذلك أن يأتوا له بالكاتب الصحفي رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل، حوار استمر 75 دقيقة، وطلب أيضاً أن يأتوا له بورق أبيض لأنه يريد أن يكتب مذكراته، لم يستمر الحوار فقد بدأت مهاجمة المغارة، كتبت الأهرام أن سليمان تلقى 17 رصاصة لقي مصرعه على إثرها، بينما كتب محرر المساء أن سليمان أطلق على رأسه الرصاص من مسدسه ليموت منتحراً .
الغريب أن الشرطة فتشت آخر شقة أقام فيها اللص فى شارع محمد علي، لتجد رسالة موجهه إلى الكاتب محمد حسنين هيكل، كتبها سليمان في كراسة مدرسية، ونشر هيكل نصها في الصفحة الأولى من الأهرام، طلب اللص منه أن ينشر له الأهرام سيرته الذاتية، في حلقات، بل كتب اللص عناوين الحلقات: "محمود أمين يتكلم بعد صمت ويخص الأهرام بهذه الرسالة" وشرح لهيكل بأسلوب روائي مملوء بالأخطاء اللغوية دوافعه للسرقة، وخيانة زوجته له، وغضبه من المجتمع الظالم، ونفى عن نفسه أن يكون سفاحاً، بل هو مجرد إنسان منكوب بخيانة زوجته، وحاول تحليل شخصيتها، وشرح ظروفه البائسة، أما ضحاياه فقتلوا بطريق الخطأ، نشر هيكل الرسالة كاملة وعلق عليها لتنتهي قصة السفاح صحفياً، لكن كان هناك "عقل" آخر يتتبع، ويرصد الحوادث والدوافع ويتابع الرسائل وينشغل بها .
إنه نجيب محفوظ الذي بدأ على الفور في كتابة حكاية الكلاب مع "اللص" ولم يكتب حكاية اللص نفسه .

-4-

التزم نجيب محفوظ بالصمت، طوال أيام نشر روايته "أولاد حارتنا" التي تعرضت لحملة هجوم شديدة، اضطرته أن يترك منصبه كمدير للرقابة بعد أن شن وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي هجوماً شديداً على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة الرقابة لرجل "متهم في عقيدته الدينية"، كما اتصل به مدير مكتب كمال الدين حسين يخبره بغضب الوزير على موافقته على تحويل "أولاد حارتنا" إلى مسرحية، وهو ما نفاه محفوظ الذي أوضح له أن المسرحية التي تعرض له مأخوذة من رواية "بداية ونهاية" وليست من "أولاد حارتنا"، وأمام هذا التصيد طلب ثروت عكاشة من محفوظ أن يترك جهاز الرقابة ويتولى مسؤولية جهاز السينما التابع لمؤسسة الفنون .
في تلك الأيام، تملكت شخصية محمود أمين كل حواس محفوظ، حتى إن الكاتب يحيى حقي سأله: ماذا تقرأ هذه الأيام وما يشغلك؟ فأجابه: لا شغل ولا تفكير إلا في محمود أمين سليمان، محفوظ في "أولاد حارتنا" كان همه البحث عن "مصرع الطغيان . . ومشرق النور والعجائب"، ولكن كيف يحدث ذلك؟
هل يمكن أن يحدث بالحل الفردي، الخلاص الفردي؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي انشغل به محفوظ وهو يكتب "اللص والكلاب"، بدأ نشرها في الأهرام في 1 أغسطس/آب عام 1961 وصدرت طبعتها الأولى عام ،1961 أي بعد عام واحد فقط من قتل أمين سليمان . في الرواية وسع محفوظ من أفق الشخصيات لتعبر عن الشوق والتوق الإنساني للعدالة . لم يعد سعيد مهران هو ذلك اللص أو السفاح، وإنما شخص آخر على يد نجيب محفوظ، رمز ربما، تماماً كما أصبح رؤوف علوان رمزاً للانتهازية داخل الرواية، الباحث فقط عن مصلحته الشخصية .
عندما صدرت "اللص والكلاب"، أثارت جدلاً نقدياً كبيراً، وتحير النقاد والمراقبون في تصنيفها، اعتبرها لويس عوض "قصة كلاسيكية القالب رومانسية المضمون"، فيما نسبها آخرون إلى الاتجاه الوجودي، فأزمة سعيد مهران وجودية من وجهة نظر أنور المعداوي، وغالي شكري وإبراهيم فتحي، ولكن الجميع اعتبرها امتداداً ل "أولاد حارتنا"، فهي قصة واحد من أبناء الحارة باحث عن العدالة، أو الفتونة الفردية، ولكن دون بديل آخر . . . فيفشل .
إن أعمال محفوظ التي أعقبت "أولاد حارتنا" لم تكن سوى حكايات أخرى عن الحارة وأولادها .

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"