القلم الساخر

رأي ثقافي
02:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

النكتة هي تعبير لغوي محكم، برعت فيه الشعوب وأطلقته كما تطلق الأمثال، لتختزل صورة ما، والعرب بما يملكون من لغة وبيان، من الشعوب التي برعت فيها، فهم أمة شفاهية بالدرجة الأولى، يختزلون الصورة بالعبارة، ويختصرون المطولات في كلمات معدودة، فهم مثلما يملكون المعلقات والملاحم يملكون المقامات القصيرة وأدب التوقيعات . وأياً كان فالنكتة سخرية، وهي تعبير عن حال المجتمع، بأسلوب يحتمل التورية والرمز أكثر من المباشرة، وفيه مقدار كبير من الهزل والاضحاك، إلا أنها أيضاً رسالة ما عن حالة الفرد في المجتمع، ويقصد من إطلاقها تعبير عن رأي عام وسلاح ضد الحزن والانهزام الداخلي، إن غلبت عليها صفات الرفض والهجوم على الذات والمجتمع، وتحرص مؤسسات الرأي على دراستها وتقييم أوضاع المجتمع من خلالها، ولا أعتقد أن إطلاق أولى النكات كان قد ارتبط بمناسبة ما، قدر ارتباطه بالإنسان وتعبيره عن حاجاته المباشرة، وإن كانت ظروف معينة تأتي فتسهم في تأجيجها والترويج لها، وعادة ما تكون تجمعات الناس وملاهيهم محاضنها التي تفرخ فيها، فالمقاهي والأندية ثم الإذاعات والتلفزة والمسرح، ولعل أشهرها ما كان في مدرسة المشاغبين وكاسك يا وطن ، ثم وبعد توفر وانتشار أجهزة الإنترنت والهاتف النقال والبي بي والشبكات الاجتماعية، أتخذ الأدب الساخر والنكتة منحى آخر، أكثر انتشار وأشمل في تناولاته وموضوعاته، وإن كان في السابق رواتها منادمي الخلفاء والشعراء والأدباء، كالحطيئة وأبي العتاهية والجاحظ ثم جحا العربي، والذي كان مادة للتندر والسخرية لحمقه أو راوية ساخراً في آن واحد، فهو كما قيل رجل من فزارة يدعى أبا الغصين ، وهو غير جحا الرومي أو التركي الذي كان يدعى خوجة . والنكتة ولاشك أدب اجتماعي، يختلف في تركيبته عن الأدب الساخر الذي برز فيه مثلاً أحمد رجب ومحمود السعدني، ويختلف عن المناظرات الشعرية الساخرة مثل التي كانت بين إبراهيم طوقان وأحمد شوقي، عندما رد طوقان على قصيدة شوقي المشهورة: قم للمعلم فقال طوقان ساخراً .

حسب المعلم غمّة وكآبة

مرآى الدفاتر بكرة وأصيلا

والعبارة الساخرة كانت حاضرة في ساحة التحرير وساحات التغيير العربية على اللافتات والوجوه، وهي في طريقها لتشكيل عقل عربي ساخر جديد ليس بانهزامية نكسة حزيران، وليست تعليقات مريرة ساخرة على خطابات الأحزاب والساسة، ولكنها بافراز خطابات الفرد والشارع .

والأدب الساخر يغيب عن ساحة النقد والتقدير على الساحة المحلية في كثير من الاحيان، إلا أنه يقدم نماذج مستنيرة، وقد كان له رواده كالمرحوم غانم غباش في شخصية بلوطي، لكنه يظهر بشكل مميز في أعمدة متناثرة على صفحات الصحف والمجلات، وفي معرض أبوظبي للكتاب في دورته الأخيرة، وقعت يداي على كتابين - ربما يكون هناك غيرهما - لكني أحسبهما مهمين في هذا الاتجاه، هما إلى جانب كتاب بلوطي، الكتابان لأحمد أميري بعنوان الأكول والآخر للطيفة الحاج بعنوان فارس بحصان رمادي قدم الكاتبان تجربتين مختلفتين في الأدب الساخر حريتين بالاحتفاء، فأحمد أميري كاتب يقدم عموداً اجتماعياً ساخراً، وله تجاربه وإصداراته السابقة، ولطيفة كاتبه واعدة لها تجربتها في كتابة المقال والقصة القصيرة، فالالتفات إلى هذه التجارب يعزز غرضاً من أغراض الكتابة الأدبية تحتاج اليه الساحة المحلية، والتي زخرت بأسماء شعراء كربيع بن ياقوت في قصيدته المشهورة علموها الرقص والمرحوم سلطان الشاعر في حكاية البعير والجيب وحكاية العنز والشيك وغيرهم ممن كان لهم حضورهم الشعري الساخر.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"