المترجم المصري حسين محمود: الثقافة العربية تعيش عزلة واضحة عن أحداث العالم

04:55 صباحا
قراءة 6 دقائق

الدكتور حسين محمو، أستاذ الأدب الإيطالي الحديث في جامعة حلوان، صاحب أسلوب رصين، يعتمد لغة سهلة وبسيطة وظفها في ترجمة روائع من الأدب الإيطالي الحديث إلى العربية بأسلوب يتناسب مع أسلوب الكاتب الأصلي، ويعد من المطلعين الجيدين على نظريات الترجمة الحديثة، كما أنه في أعماله يسعى إلى مد جسور التواصل بين الثقافتين العربية والإيطالية . أصدر د .حسين محمود مؤخراً كتاب نجيب محفوظ في إيطاليا، وهنا حوار معه:

نجيب محفوظ . . في إيطاليا هو عنوان كتابك الجديد . . ماذا عنه؟

- لهذا الكتاب حكاية طريفة، فقد طلبه مني الدكتور صابر عرب، عندما كان قائماً بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب، وكان يعد لمئوية محفوظ، ولما انتهيت منه كان الدكتور صابر قد أحيل إلى التقاعد، فنشر منه المعهد الثقافي الإيطالي طبعة سريعة، وزعت أثناء احتفال المعهد بمئوية محفوظ، الكتاب هو محاولة لتتبع تلقي الجمهور الإيطالي لأدب نجيب محفوظ، وقد أثبت البحث الذي قمت به لسبر أغوار هذا التلقي أن محفوظ كان صاحب فضل على الأدب العربي كله، في ما يتعلق بفرص نشر هذا الأدب في الغرب عامة وفي إيطاليا خاصة، ومن ثم فهي محاولة لرد الفضل لصاحبه في مئوية ميلاده .

احتفل العديد من دول الغرب بمئوية نجيب محفوظ مثل روسيا وإسبانيا، ما موقف إيطاليا من محفوظ؟

- احتفلت إيطاليا أيضاً بمئوية محفوظ، وقد شاركت مع جامعة روما بتنظيم مؤتمر علمي نظمته الجامعة الإيطالية في ديسمبر/كانون الأول الماضي برعاية المستعربة الكبيرة إيزابيللا كاميرا دافليتو، وحضرته نخبة كبيرة من الدارسين من جميع أنحاء إيطاليا، وكان من أنجح المؤتمرات التي حضرتها في حياتي من حيث الحضور، حيث كانت القاعة مليئة طوال يومي المؤتمر، وكان الحماس منقطع النظير وخاصة من الشباب، وقد تحدثت فيه عن بوادر الثورة في ثلاثية محفوظ، وتحدث فيه باحث مصري آخر يدرس في إيطاليا هو محمد عبداللطيف عن محفوظ في ميدان التحرير، وتأثر الحضور بما قاله حتى إنه ظل يصفق له بضع دقائق متواصلة . ولكن ملاحظتي ظلت قائمة كما هي: لقد احتفل به الغرب وبطريقة مثمرة وإيجابية، فهل احتفلنا به نحن كما يليق؟

لماذا تأخر دخول أدب نجيب محفوظ إلى إيطاليا حتى حصوله على جائزة نوبل؟

- الباحثة الإيطالية الأولى التي تخصصت في أدب نجيب محفوظ، وكان ذلك في الستينات، واجهت صعوبات وصلت إلى حد السخرية من جانب زملائها . ولكن هذا لم يقتصر على نجيب محفوظ وحده، وإنما على الأدباء العرب كلهم . كان عميد المستشرقين الإيطاليين لا يرى في الأدب العربي مستوى راقياً يؤهله للعالمية، وكان يقول: علينا الانتظار حتى يظهر بين العرب أديب بقامة تولستوي حتى نبدأ ترجمته . والحقيقة أن فوز محفوظ بنوبل فاجأ الغرب كله، والذي وجد نفسه جاهلاً بالأدب العربي، وأدرك أن هذا الجهل فيه غطرسة وغرور ومركزية للثقافة الأوروبية، ولعل هذا ما جعل فوز محفوظ يفتح الباب أمام الأدب العربي حتى تتم دراسته وترجمته على نطاق أوسع في أوروبا كلها .

أي الكتّاب الإيطاليين أقرب شبهاً بنجيب محفوظ؟

- إذا كان محفوظ أقرب إلى ديكنز وبلزاك وزولا في الأدب الغربي فإنه في إيطاليا يقترب في بعض مراحل إنتاجه الروائي من كتاب المذهب الطبيعي، والذين يسمون في إيطاليا بالمذهب الحقيقي، مثل فرجا، رغم الاختلاف في بيئة السرد، وفي أعمال أخرى وجدت بينه وبين بيرانديللو شبهاً كبيراً، وخاصة في التوجهات الفلسفية وبعض النصوص المسرحية لمحفوظ التي تأثر فيها بمسرح اللامعقول، ولكنه تأثر أيضاً بمسرحية إيطالية شهيرة ست شخصيات تبحث عن مؤلف لبيرانديللو، وفي المراحل الأخيرة من إنتاج محفوظ اقترب أكثر من كتاب الواقعية الجديدة، بدءاً من فيتوريني وبوتزاتي وكالفينو، وانتهاء بتابوكي .

ما أبرز الروايات المحفوظية والأفلام التي كتبها محفوظ أكثر شهرة في إيطاليا؟

- أشهر الروايات لمحفوظ في الخارج بصفة عامة هي أولاد حارتنا، بما فيها من رؤية كونية تهم الإنسانية في عموميتها، ولكن الثلاثية وترجمت بعنوان ثلاثية القاهرة هي العمل الذي انتشر بسرعة، واعتبره النقاد أهم أعماله وأكثرها إخلاصاً في وصف الحياة في مدينة القاهرة في الثلاثينات . ولكن هناك أعمالاً أخرى مثل ميرامار، واللص والكلاب، وألف ليلة والكرنك (ترجمت في الإيطالية بعنوان مقهى الدسائس) وثرثرة فوق النيل، نالت نجاحاً كبيراً بين القراء .

لماذا سبقت السينما المكسيكية السينما الإيطالية والأوروبية في الاهتمام بأدب نجيب محفوظ رغم أننا ننتمي إلى حوض البحر الأبيض المتوسط؟

- السينما الإيطالية لها خصوصيتها الشديدة، وهي إخلاصها الشديد للواقع المحلي، كما أنها ظلت لعقود من الزمان صاحبة اتجاه ميزها، وخاصة الواقعية الجديدة، وتميزت فيها سينما المؤلف، التي يكتب فيها المخرج فيلمه ويخرجه، وقليلاً ما اعتمدت على الأدب الروائي الإيطالي أو العالمي، ولكن هذا الاتجاه ضعف مؤخراً، وأصبحت السينما الإيطالية أضعف وأكثر اعتماداً على ثيمات أمريكية، باستثناء أفلام قليلة جادة مهتمة بظاهرة الهجرة أو بأعمال الأدباء العرب المهاجرين، ولكنها تظل أعمال محدودة العدد محدودة الانتشار .

كيف ترى نقاط التشابه والاختلاف بين الأدب العربي والأدب الايطالي؟

- يجمع بين إيطاليا وأجزاء كبيرة من العالم العربي بحر واحد، هو البحر المتوسط، والعلاقات الأدبية قديمة للغاية، ولعلنا نذكر تأثر دانتي شاعر إيطاليا الكبير بأبي العلاء المعري، وتأثر بترارك بشعر التروبادور، وهم الشعراء الجوالون الذين نقلوا للغرب شعر العرب الغنائي في الأندلس وخاصة الموشحات، وتأثر بوكاتشو بقصص ألف ليلة وليلة . كما تأثر العديد من الأدباء العرب بالكتاب الإيطاليين مثل بيرانديللو وسيلوني ومورافيا . التشابه والاختلاف بين إيطاليا والعرب اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، إلى جانب القرب الجغرافي، انعكس على الإنتاج الأدبي، وأرى أن الأدب في هذين الجزءين من العالم يمكن أن ينضوي تحت لواء واحد في تشابهاته واختلافاته، لأنه يعبّر عن عالم واحد، هو عالم المتوسط .

ما أبرز ما يعرفه الإيطاليون عن الأدب العربي؟

- يمكن تقسيم الإيطاليين إلى قسمين من حيث المعرفة بالأدب العربي، فهناك المتخصصون، وهم يعرفون عن الأدب العربي أكثر مما نعرفه نحن، فدارس الأدب العربي هناك يستطيع أن يطلع من دون تمييز على الأعمال الأدبية المنتجة في المشرق والمغرب العربيين، بينما نجد كثيراً من المتخصصين في الأدب العربي في عالمنا العربي لا يعرفون الكثير عما ينتج خارج حدود أقطارهم . أما المواطن العادي في إيطاليا فهو يعرف بالكاد نجيب محفوظ، وقد يعرف أسماء مثل أدونيس ومحمود درويش، فإذا دخلت مكتبة من مكتباتهم الكبرى لن تجد الكثير من الأعمال العربية المعروضة، باستثناء هذه الأسماء القليلة والتي تجدها إذا بحثت عنها .

ما الصعوبات التي تواجه رحلة الترجمة المتبادلة بين العربية والإيطالية؟

- نحن نترجم أكثر مما يترجمه الغرب عنا، وإذا استمر هذا الإيقاع فإننا سوف نعرف عنهم أكثر مما يعرفون عنا، وفي هذا خير وشر، فأما الخير فهو في معارفنا التي تثرى، وأما الشر فهو في الصورة النمطية للعرب في الغرب، والتي سوف تظل بعيدة عن الحق والحقيقة . أهم ما في صعوبات الترجمة هو أن الحكومات العربية لا تفعل شيئاً، أي شيء، من أجل تقديم الثقافة العربية في الخارج، ولا تخلق بين شعوب العالم أية حالة اهتمام بمنتجنا الفكري . يكفي أن تعلم أن الفرنسيين والألمان والإيطاليين يدعمون ترجمة أعمالهم إلى العربية بميزانيات سنوية، ويهتمون بدعوة مفكريهم وتقديمهم بشكل لائق لجمهورنا العربي، ونحن لا نفعل شيئا من هذا .

كيف تنظر إلى منظومة الثقافة العربية الحديثة . . هل تجدها بعيدة عن التفاعل مع المتغيرات وأن إنتاجها في مجمله ليس سوى طريقة شكلية للمثاقفة مع الآخر؟

- الثقافة العربية لها تراث عريق، وفيها أصالة تتفرد بها، وثراء في التنوع بتنوع طبيعة المجتمعات العربية داخل الحيز الجغرافي بشرقه وغربه وشماله وجنوبه . لكن الثقافة العربية تعاني من مشكلات تخصها ومشكلات تخص علاقاتها مع الثقافات الأخرى . المشكلات التي تخصها تتلخص في الرقابة الرسمية والمجتمعية على المنتج الثقافي وكثرة المحرمات والتابوهات، وعدم إيمان النظم العربية بأن التقدم الحضاري هو تقدم ثقافي في المقام الأول، يجر خلفه التقدم العلمي والصناعي والتكنولوجي، بما يجعلنا أيضاً في مجال الثقافة مستهلكين برداءة لمنتج الغير، وهناك مشكلة المركزية الثقافية لمنطقتي مصر والشام، التي تخنق الأطراف، وهناك مشكلة الأمية التي تجعل معدلات القراءة مخزية: على سبيل المثال نحن نترجم كثيراً من الكتب وأكثر ما يطبع من كتاب لا يزيد على ألف نسخة، لا تباع كلها، لعدد سكان يزيد على مئتي مليون نسمة . أما مشكلاتها في علاقاتها بالثقافات الأخرى فهي معزولة أحياناً بإرادتها، وأحياناً بإرادة مفروضة عليها، وفي الحالتين لا تفعل شيئاً لمقاومة هذه العزلة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"