كتب: محمدو لحبيب
«نرى الإنسان الذي يكتب لملوك الأرض طالباً منهم نبذ غرورهم الباطل ثم يُصغي في حفاوة ورضا لأعرابي حافي القدمين يقول في جهالة: اعدل يا محمد، فليس المال مالك ولا مال أبيك. نرى العابد الأواب الذي يقف في صلاته، يتلو سورة طويلة من القرآن في انتشاء وغبطة لا يُقايض عليهما بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع، كانت أمه تصلي خلف الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، فيضحي بغبطته الكبرى وحبوره الجياش وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي يبكي وينادي أمه ببكائه. نرى الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم ليستوقدوه ناراً تُنْضج لهم الطعام، والذي يرتجف حين يبصر دابة تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق، والذي يحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله».
كثيرة هي الوقائع التي تبرز عظمة خلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتميزه بذلك الخلق العظيم الذي أثنى عليه ربنا جل جلاله في قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، ذاك الخُلُق لم يكن مستغرباً من رجل عرف في قومه قبل بعثته نبيا ورسولا إلى العالمين بالأمانة والطيبة وحسن المعشر.
والفقرة الواردة في صدر هذا المقال هي من كتاب «إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم» للمفكر الراحل خالد محمد خالد، وهو يحاول في كتابه تتبع إنسانية النبي الكريم، التي ميزته قبل بعثته وبعدها، والتي جعلته حديث العالم كله حتى الآن، ومحل تقدير وثناء من الله جل جلاله، ثم من البشر الذين عرفوه حق المعرفة، ولم تمنعهم أهواؤهم وخبائث أنفسهم من الإقرار بحقيقة خلقه ومكانته العظيمة المتفردة، لقد كان النبي رحمة تمشي على قدمين.
كثيرة هي الوقائع التي تبرز عظمة خلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتميزه بذلك الخلق العظيم الذي أثنى عليه ربنا جل جلاله في قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، ذاك الخُلُق لم يكن مستغرباً من رجل عرف في قومه قبل بعثته نبيا ورسولا إلى العالمين بالأمانة والطيبة وحسن المعشر.
والفقرة الواردة في صدر هذا المقال هي من كتاب «إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم» للمفكر الراحل خالد محمد خالد، وهو يحاول في كتابه تتبع إنسانية النبي الكريم، التي ميزته قبل بعثته وبعدها، والتي جعلته حديث العالم كله حتى الآن، ومحل تقدير وثناء من الله جل جلاله، ثم من البشر الذين عرفوه حق المعرفة، ولم تمنعهم أهواؤهم وخبائث أنفسهم من الإقرار بحقيقة خلقه ومكانته العظيمة المتفردة، لقد كان النبي رحمة تمشي على قدمين.
قلب كبير
يأتي خالد محمد خالد بنماذج عديدة في كتابه تبرز أن الجانب الإنساني في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، هو جانب لا ينفك عن عظمة الدين الذي جاء به هدى للعالمين، والذي هو رسالة خير ورحمة وسعادة للناس جميعا، ويقول في مقطع آخر من كتابه: إن بسمة تعلو شفتي أب حنون، وتكسو وجه أم متلهفة، لا تُباع عند محمد صلى الله عليه وسلم بثمن، حتى حين يكون الثمن جهاداً يثبت الدعوة، وينشر في الآفاق البعيدة رايتها، وهكذا رأيناه يرد إلى والدين دامعين ابناً لهما جاء يبايعه على الجهاد، ويقول له: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما». إن رحمة النفس تتم عند محمد صلى الله عليه وسلم، برحمة الوالدين وبرهما لأنهما مصدر هذه النفس ووعاؤها، ثم تنتشر الرحمة عند محمد صلى الله عليه وسلم حتى يغطي دفؤها كل مقرور، وحتى تشمل كل الأحياء جميعاً من إنسان وحيوان، وفي المواطن التي تعظم فيها الحاجة إليها، نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يركز إلحاحه عليها، فهو - مثلاً- إذا حث على الرحمة بالطفل، يركز بصورة أشد على الطفل اليتيم، وإذا حث على الرحمة بالحيوان وهو يعمل، يركز بصورة أوفى على الرحمة بالحيوان وهو يذبح، وهكذا يدور قلبه الكبير مع دواعي الرحمة حيث تدور.
ولعل القارئ لتلك الكلمات سيستدعي فوراً مواطن أخرى من الرحمة تجلت في رحمته صلى الله عليه وسلم حتى بأعدائه الذين يناصبونه العداء ويسرفون في ذلك، ويبذلون الجهد لإيذائه، وسنتذكر هنا قصته مع أهل الطائف حين أتاهم يدعوهم إلى دين الله، فأطلقوا عليه غلمانهم وسفهاءهم ليرموه بالحجارة ويؤذوه بسفيه الكلام وساقطه، وحين جلس عليه أفضل الصلاة والسلام يناجي ربه ويسأله الرحمة والعافية لا يدعو عليهم في دعائه الخالد الذي جاء فيه: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، وحين يأتيه الملك الموكل بالجبال فيقول له، إن الله بعثه إليه ولو أمره لأطبق على قومه الذين كذبوه وآذوه الأخشبين وهما جبلان عظيمان، لكن النبي حتى برغم الألم والمعاناة من أولئك الناس يقول: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً»، وفي السياق نفسه تأتي قصة رحمته بقومه وهو المنتصر المسيطر في فتح مكة حين قال لهم بعد أن مكنه الله منهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
مواقف لا تحصى
كتاب «إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم» هو كتاب جميل بأسلوب راق وسلس ومعبر للكاتب خالد محمد خالد، وهو يتتبع فيه المواقف الإنسانية الكثيرة التي تبرز عظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.
يقع الكتاب في 142 صفحة، وقد دعم خالد محمد خالد كتابه بالعديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي حرص على تبويب أسانيدها ومصادرها والإفصاح عنها في بداية الكتاب، وركز على تلك الأحاديث التي تكشف وتبين أخلاق النبي ورحمته وإنسانياته الجليلة، وهو يقول عن كتابه في مقدمته: «اعلموا يا من تطالعون الآن هذا الكتاب - أنكم تعيشون لحظات مترعة بغبطة الحياة، مع إنسان ورسول، رفع الله به قدر الحياة».
خالد محمد خالد مفكرٌ مصري معاصر، وهو مؤلف كتاب «رجال حول الرسول» الذي كان سبب شهرته، كما أنه ألف عدة كتب تتحدث عن السيرة النبوية وأعلام الصحابة. ولد بقرية العدوة من قرى محافظة الشرقية بمصر سنة 1920 م، والتحق في طفولته بكتّاب القرية، فأمضى بها بضع سنوات، حفظ في أثنائها قدراً من القرآن، وتعلم القراءة والكتابة، ولما عقد والده - الشيخ محمد خالد - عزمه على أن يلحقه بالأزهر الشريف، حمله إلى القاهرة، وعهد به إلى ابنه الأكبر «الشيخ حسين» ليتولى تحفيظه القرآن كاملاً، وكان ذلك هو شرط الالتحاق بالأزهر في ذلك الوقت، أتم حفظ القرآن كله في وقت قياسي وهو خمسة أشهر - كما بين ذلك مفصلاً في مذكراته «قصتي مع الحياة» - ثم التحق بالأزهر في سن مبكرة، وظل يدرس فيه على مشايخه الأعلام طوال ستة عشر عاماً حتى تخرج فيه، ونال الشهادة العالمية من كلية الشريعة سنة 1945م، عمل بالتدريس بعد التخرج عدة سنوات حتى تركه نهائياً سنة 1954م، حيث عين في وزارة الثقافة مستشاراً للنشر، ثم ترك الوظائف نهائياً بالخروج الاختياري على المعاش عام 1976.
تقلبت حياته في أطوار متعددة، من حفظ مبكر وسريع للقرآن الكريم، إلى طالب نابه بالأزهر الشريف، إلى شاب متعطش للمعرفة، تواق إلى أنواع الفنون والآداب والثقافات، ثم إلى واعظ تغمر دروسه وخطبه القلوب بنشوة الإيمان، إلى عابد مشغول بالآخرة، وصوفي مشغول بربه، وقد شرح ذلك بالتفصيل في مذكراته.
مرض مرضاً طويلاً، واشتد عليه في سنواته الأخيرة، ومع ذلك كان دائم القول: «لا راحة للمؤمن من دون لقاء الله» ولم تكن فكرة الموت تزعجه، بل كان كما المنتظر له على شوق، وقد استعد له وأوصى بما يريد، وكان من وصيته أن يصلى عليه في الجامع الأزهر، معهده العلمي ومرتع صباه وشبابه، وأن يدفن بقريته «العدوة» بجوار الآباء والأجداد والأهل. جاءته الوفاة وهو في المستشفى يوم 29 فبراير/شباط سنة 1996م.