النخيل والإمارات.. علاقة حياة يرويها الماضي ويؤكدها الحاضر

تضم أرضها أكثر من 42 مليون شجرة
01:29 صباحا
قراءة 5 دقائق
إعداد: د. راشد رشود
علاقة حياة، بل علاقة وجود، هي ما يربط بين الإمارات وأهلها وبين شجرة النخيل، تمتد عميقاً في الماضي، ترويها لنا شواهده وبقايا آثاره، ويؤكد الحاضر قوة هذه العلاقة، بنظرة سريعة إلى مدى الاهتمام الذي يوليه الإماراتيون، قيادة وشعباً، بهذه الشجرة المباركة.. النخلة. اهتمام بدأه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عندما جعل النخلة أساساً لمشروعه الزراعي والبيئي، منذ أن بدأ إرساء الدعائم الحضارية للدولة، فانتشرت المساحات الخضراء تغطي أرض الإمارات، كما ازدادت أعداد أشجار النخيل وأنواع ثمارها، حتى وصلت إلى أكثر من 42 مليون شجرة، وأكثر من 73 نوعاً من التمور والرطب، تشتهر بها الدولة ويعرفها العالم.
هذه المعلومات وغيرها عن العلاقة بين الإمارات والشجرة المباركة، يتناولها بالتفصيل د. راشد رشود في هذا التقرير.
يذهب الكثير من الآراء إلى أن أشجار النخيل موطنها الأصلي العراق وشبه الجزيرة العربية والبحرين وشمال إفريقيا. والنخلة شجرة معمرة، لها ساق (جذع) غليظة، ترتفع نحو 30 متراً، تتوجها أوراق ريشية كبيرة (السعف) بهية المنظر. كما أنها شجرة صديقة للبيئة، ومن الأشجار المعمرة، إذ قد يصل عمرها إلى أكثر من 100 عام.
وتأتي الأهمية القصوى لشجرة النخيل في بعض الأقطار العربية، وبعض المجتمعات التقليدية وفي البيئة الريفية على وجه التحديد، من قدرتها الفائقة على إمداد تلك المجتمعات بالمتطلبات الأساسية والضرورية للحياة، من الغذاء والدواء والمسكن والأواني والأدوات والمعدات، ووسائل الحركة والانتقال والتواصل الحضاري، كما يسّرت لهم الموارد والوسائل التي مكنتهم من مزاولة المهن والحرف.
ويشير د. راشد رشود إلى أن اللقى الأثرية في بعض مناطق دولة الإمارات، دلت على وجود بقايا لأشجار النخيل والغاف والسمر، يرجع تاريخها للألفية الثالثة قبل الميلاد. إلا أن الأهمية القصوى للنخيل في المنطقة ظهرت بعد نهاية الألف الثاني، وبداية الألف الأول قبل الميلاد، فمنذ ذلك الوقت شكل النخيل معلماً مهماً في حياة وتراث أهل الإمارات، وأحدثت النخلة تغيرات اجتماعية واقتصادية لم تعهدها هذه المنطقة من قبل.
وقد أسهمت النخلة بدور مهم في مرحلة ما قبل النفط، إذ كانت تشكل المحور الأساسي للحياة، فثمارها للغذاء، وجذعها وسعفها للبناء، وخوصها وليفها استعملا في العديد من الصناعات اليدوية المهمة في ذلك الوقت. وينقل د. رشود عن أحد المعاصرين من أبناء دولة الإمارات، هو عبدالله عبدالرحمن، أن استخدامات النخيل في مجتمع الإمارات التقليدي، كانت تبدأ من استخدام السعف وجريد السعف في بناء «العُرش» والخيام، التي كانت تمثل النسبة الكبيرة من بيوت الأهالي في المدن والقرى. كما أن الخوص اليابس كان يُستخدم لصناعة خصائف (أكياس) التمور، ومن الجريد تصنع «الشاشة»، وهي قوارب الصيد الصغيرة، ومن الجريد الأخضر تصنع «القراقير»، أي شباك صيد الأسماك. أما الخوص الأخضر فتصنع منه الحصر المفروشة، والسراريد والمكانس، وجميع أثاث البيت وأدواته. كما كانت جذوع النخيل تستخدم كأعمدة للعرش والخيام، والأعمدة التي كانت تنزف المياه من الآبار بواسطة الثيران، وتسمى «اليازرة».
ويضيف أن اهتمام أهل الإمارات بالنخلة لم يقتصر على الماضي دون الحاضر، فقد جعل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، النخلة أساساً لمشروعه البيئي والزراعي منذ أن كان حاكماً للمنطقة الشرقية، ومنذ أن بدأ إرساء الدعائم الحضارية لدولة الإمارات العربية، منطلقاً من مدينة العين حيث قاد نهضة زراعية وبيئية. ولم تصرف الثروة النفطية أنظار القيادة السياسية عن الاهتمام بالزراعة، فلا يزال أهل الإمارات - قادة وشعباً - يفاخرون بكثرة نخيلهم وجودة تمورهم.
وبعد التوسع الهائل في زراعة النخيل وإنتاج التمور، تم إنشاء مصانع تعليب التمور، بغرض توفيرها طوال أيام العام في عبوات بأحجام مختلفة ومناسبة، تصلح للاستهلاك المحلي والتصدير، كما أنشئت المختبرات لإكثار النخيل وعلاج أمراضها والعناية بها بأحدث الطرق العلمية.
ويذكر د. رشود أنه وفقاً لآخر الإحصاءات، بلغ العدد الفعلي لأشجار النخيل في الدولة أكثر من 42 مليوناً، منها 33 مليوناً في إمارة أبوظبي وحدها، وتنتج أشجار النخيل في الإمارات أكثر من 73 نوعاً من أجود أنواع التمور في العالم. وهناك مجمع للجينات يضم حوالي 120 صنفاً، وقد أضيف إلى هذه الأصناف مؤخراً أصناف تم استيرادها من المملكة العربية السعودية والعراق وسلطنة عمان، منها: «خلاص»، «أبو معان»، «حلاّوي»، «حساوي»، «خصاب»، «خنيزي»، «نبتة سيف»، «جبري»، وغيرها.
وكانت الإمارات قد دخلت موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، كأول دولة في العالم في أعداد شجر نخيل التمر، وذلك في العام 2009؛ إذ قدر عدد أشجار النخيل في الدولة حينذاك بأكثر من 40 مليوناً. ومن المدن التي شهدت، ولا تزال، كثافة في زراعة النخيل العين ورأس الخيمة والفجيرة، ومنطقة الذيد بإمارة الشارقة، وغيرها من المدن والسهول والواحات على أرض الإمارات.
يتمتع البلح أو التمر (ثمر النخيل) بقيمة غذائية عالية، ويمكن اعتباره غذاء متكاملاً، حيث يحتوي على السكريات والبروتين والأملاح، مثل أملاح البوتاسيوم والفيتامينات، فضلاً عن أنه غذاء يمكن تخزينه بسهولة. ووفق د. راشد فقد استخدم النخيل استخدامات طبية، خصوصاً في الماضي، بل كان هناك ما يُسمى «طب النخيل». وذكر بعض القدماء أن الفوائد الطبية لثمرة النخيل أكثر من أن تُحصى؛ فتناولها بعد الطعام يُنتفع به انتفاعاً واضحاً. إضافة إلى بعض الوصفات الطبية القديمة التي يدخل النخيل في مكوناتها، منها أن نثر قشور طلع النخيل المطحونة على الجروح والخراجات، يساعد كثيراً على شفائها، وكذلك تناول وزن درهم من مادة الطلع مع ماء عذب وماء ورد، يسكن الغثيان وهياج المعدة.
وأخيراً يقول د. رشود فإنه انطلاقاً من اهتمام الدولة بهذه الشجرة المباركة، خصصت لها جائزة رفيعة المستوى باسم «جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر»، والتي تنظم سنوياً. كما تقام المهرجانات الخاصة بالتمر سنوياً، أهمها «مهرجان ليوا للرطب»، الذي يُقام في المكان الذي يحمل اسمه، في المنطقة الغربية، في موسم الصيف من كل عام. إضافة إلى المشاركة في المهرجانات الخاصة بالنخيل والتمور التي تقام خارج الدولة.

صناعات يدوية

اعتمد عدد من الصناعات والحرف اليدوية، التي اشتهر بها آباؤنا وأجدادنا في الماضي، على النخيل ومكوناته، ولا يزال أكثرها متوارثاً ومعروفاً حتى الآن، منها:
الجفير: وعاء دائري من الخوص المحكم، مغلق من جميع الجوانب ما عدا الجانب العلوي، ويستخدم لنقل الأتربة والأسمدة وثمار النخيل وحفظ الأطعمة.
المهفة: (المروحة) ذات شكل مربع، وفي أحد جوانبها عود من الجريد، وتستخدم يدوياً للتهوية في فصل الصيف.
الحصير: يصنع من الخوص الخالص، ويفرش في المساجد والمجالس والغرف، ويُستخدم أيضاً كغطاء داخلي لأسقف الغرف.
المكشة: (المكنسة) وتصنع من جريد (السعف) وخوص (أوراق) النخيل، تستخدم للتنظيف.
العريش: هو بيت أو غرفة تتكون من أربعة جذوع مرتكزة على الأرض، ويُغطى الجزء العلوي والجوانب بالسعف، حيث يتم ربط مجموعة من السعف بالحبال المصنوعة من الليف.

أماكن

بعض أنواع النخيل وأماكن زراعتها في الدولة:
الحمري: تنتشر زراعته في جميع إمارات الدولة، خصوصاً في المنطقة الغربية بإمارة أبوظبي.
الزبد: تتركز زراعته في إمارة أبوظبي.
الخلاص: تجود زراعته في جميع إمارات الدولة، وهو من الأصناف التجارية.
أبو الرمول: صنف نادر ويزرع في أبوظبي ودبي والشارقة.
أم رحيم: صنف نادر، ويزرع في أبوظبي،ومدينة العين، ودبي، في منطقتي العوير والخوانيج.
بقلة دحالة: نادر الوجود، يزرع في بعض مزارع مدينة العين والذيد.
جبري: واسع الانتشار متأخر في النضج، صنف تجاري، تنتشر زراعته في جميع إمارات الدولة، خصوصاً أبوظبي والشارقة والفجيرة.
حاتمي: متوسط الانتشار، ويزرع في جميع إمارات الدولة.
دباس: واسع الانتشار، ويتركز في إمارة أبوظبي في المنطقة الغربية في ليوا ومدينة زايد، ويمثل 50% من نخلها.
شبروت: صنف نادر جداً، يزرع في بعض مزارع إمارة أبوظبي والعين.

أنواع التمور

أنواع التمور كثيرة تزيد على 400 صنف، تختلف أسماؤها من بلد إلى آخر، وأشهرها: «الخلاص» و«الرزيز» و«الخنيزي» و«المسكاني» و«العنبرة» و«العجوة» و«المواجي» و«البجيرة» و«الغرة» و«حلاوي» و«سلمى» و«الحيَّاني» و«الزغلول» و«بنت عيش» و«السماني».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3hesbha