الهواء أسير الوردة

01:52 صباحا
قراءة 5 دقائق

** محمد إسماعيل زاهر

«في الحديقة ورد مشاع، ولا يستطيع الهواء الفكاك من الوردة»، يقول محمود درويش في «لاعب النرد»، الهواء هنا أسير الوردة، الهواء روح الحديقة يرعى البذرة والزهرة والشجرة، يحنو على الفراشات والطيور، يحيي الحواس لتتفتح.
الحديقة فضاء لانهائي، جماع للحواس: الشم واللمس والنظر والسمع والتذوق. في الحديقة تثيرنا الرائحة، ذلك القوس الدلالي الواسع الذي يهزنا ويحرك مشاعرنا، الرائحة علامة الذات الإنسانية والأشياء والكائنات، تحيل إلى إشارات عدة، للرائحة عمرٌ وهوية وتناقضات، وهناك رائحة خيّرة وأخرى شريرة..الخ، ولكن في الحديقة لا يحمل لنا الهواء إلاّ الرائحة الزكية الطيبة. الحديقة مدار للمس، تحكي القصة القديمة عن ذلك الأمير الذي ورده نبأ وفاة حبيبته فقطع شريانه وعندما سال دمه على الأرض أثمرت زهرة الزنبق، وهو ما يفعله المحبّون حتى اليوم، فالحب ينبت عندما يقرر أحدهم أن يقطف وردة لمحبوبته. الحب يُروى من دم الوردة.
الحديقة مساحة للبصر، إطلالة على الجمال البليغ، للتحديق في الألوان، في البحث بين الممرات، علّ العين تقتنص المغاير، الحديقة حالة نفسية بين الظاهر والباطن، حيث يتوزع المخفي والمعلن بين الجلوس في الشمس بالقرب من الماء والأشجار أو الانزواء تحت الأماكن المعروشة، هو تناوب للظل والنور، لحظة لاستبطان النفس أو مشاركة الفرح مع الآخرين. الحديقة فسحة للنظر وللتأمل، للتفكير، لا تُعلم الفلسفة إلا في حديقة، هكذا يخبرنا إميل سيوران في كتابه «مثالب الولادة». في الحديقة أيضاً نتعلم فن «الإصغاء» لصوت الطبيعة، ونتعلم كذلك «السماع».
نحن نتذوق العالم في الحديقة.

(1)

تبدأ الحديقة من بذرة، يقول مثل إنجليزي: «البذرة المختفية في قلب التفاحة بستان غير منظور»، البذرة هي المتناهي في الصغر، ما لا يدرك، وبرغم أهميتها القصوى فنحن نفكر أولاً في الزهرة والشجرة. لا حديقة من دون ماء، ومن دون شكل هندسي ما للري، للماء أشواق إيمانية، وارتباطات بالخير والنماء، أما الري فعمران متكامل يمنح التربة الحياة.
الحديقة بساط من العشب، أرض ممتدة من الأخضر، إحساس بالراحة والسلام والطمأنينة والهدوء، مكان للهو والسعادة والجلوس في لحظة حميمية مع الأرض، أو النوم عليها ربما يعقبها غفوة أو حلم أو تطلّع في أركان السماء.
الشجرة عمود الحديقة، هناك شجرة الخلد، شجرة المعرفة، شجرة الكون، مفردة عابرة لجميع الثقافات والأديان، تصف النقوش الكلدانية شجرة تنمو من مركز العالم، وتتشكل السماء من فروعها البلورية، أما الفينيقيون فتصوروا العالم كشجرة دوارة، وفي الأساطير الاسكندنافية فإن شجرة عملاقة تشكل أغصانها الجنة وتضرب بجذورها عميقاً في الجحيم..الخ.
ورثت الطيور الشجرة قبل الإنسان، تجتمع على أغصانها للحديث أو الراحة أو الغناء، أو للتباحث في شأن رحلة أسطورية تحاول من خلالها أن تعثر على حقيقتها الخالدة، لترى نفسها في مرآة فريد الدين العطار عندما ألمح إلى منطقه هو، لا منطق الطيور في لحظة كشف نادرة.
الشجرة تمتد بأوراقها ليستظل بها المحبّون، ولتُسرد عند قاعدتها في الحديقة حكايات وحواديت البشر الكبرى، لا يمكن هنا إلا أن نتخيل الطفلة أليس وهي تتجول في عالمها الغرائبي في حديقة فاتنة، تحاور الأشجار وتتحدث إلى الزهور وتتناقش مع مختلف الكائنات، حديقة أليس كانت تحت الأرض، حديقة أليس هي بلادها العجيبة أو جنتها أو فرصتها لاكتشاف العالم.
الوردة ملكة الحديقة، والحديقة مكان للتدبر، للإيمان، وكما كانت زهرة الزنبق أشهر وردة دالة على الحب، أطلق عليها البعض أيضاً «وردة الله»، ذلك أنها حينما تكون في أوج اكتمالها تحني رأسها تبجيلاً لجلاله. تتعدد في الحدائق الورود، وتتكثف ألوانها لتتحول إلى ضياء ينير البصيرة.
الحديقة أثرٌ لا ينتهي، اكتشاف دائم لا يوضع في متحف، لا يمكن حدّ كل هذه الأشواق في مكان يحبس البصر في غرفة مغلقة، يترنم عاشق الحديقة، محمود درويش، بأثر الفراشة ابنة الحديقة، أثر لا يُرى ولا يزول «هو خفة الأبدي في اليومي/‏ أشواق إلى أعلى وإشراق جميل/‏هو شامةٌ في الضوء تومئ/‏ حين يرشدنا إلى الكلمات/‏ باطننا الدليلُ».
نادراً ما ترتبط الحديقة بالشر أو بالظلمة، فتعبيرات مثل حديقة الموت، أو حدائق الشيطان، تسعى إلى إثارة انتباهنا بوطأة مزعجة لكي ندرك تناقض دلالي غير مريح بين الحديقة وما يضاف إليها، وحتى الحديقة الجوراسية بكائناتها المرعبة، لم تكن يوماً سكنى للإنسان، فضلاً عن أننا نشعر أنها تنتمي إلى فضاء أوسع من الحديقة، فضاء الغابة.
الحديقة في المجمل خيّرة، نقيض الغابة، فالحديقة ملائكية، والغابة سكنى العفاريت والأرواح الشريرة. الحديقة هوائية ومائية وترابية ولكنها ليست كالغابة نارية.

(2)

الحديقة فردوس، عاش أحد الأمراء في قصة لهانز كريستيان أندرسن في حالة حنين دائم إليه، يقرأ في كتبه العديدة أن أبرز زهرتين في ذلك الفردوس، مكتوب على إحداهما «تاريخ» وعلى الأخرى «جغرافيا»، يحيا بعيداً عن واقعه، مغتربا حالماً بذلك الفردوس، حتى يقابل في إحدى جولاته «ريح الشرق»، وبعد حوار طويل بينهما، يخبره هذا الأخير أن الفردوس موجود على الأرض، في مكان بالقرب من الصين، يرجوه الأمير بأن يحمله إليه.
بعد أن يدخل الأمير إلى الفردوس، يقابل ملكة الحوريات، تصطحبه في نزهة في تلك الجنة، ينتفض قلبه، يسألها هل بإمكانه أن يعيش هنا أبداً، توافق بعد أن تخبره أنها ستنام كل مئة عام أسفل شجرة شامخة تتدلى من أغصانها تفاحات ذهبية، وأنها ستحاول غوايته قبل أن تدخل إلى مخدعها بين أغصان الشجرة وعليه ألاّ يحاول أن يتبعها أو يُقبّلها وهي نائمة، واعتقد الأمير أنه سينتصر عليها ولو مرة واحدة، وبالتالي هناك فرصة ليبقى في الجنة لمدة قرن، ولكنه يرسب في الاختبار من أول مرة، فعندما يقبّلها وهي نائمة تبكي، تصدح ملايين الأصوات، مصاحبة عودة الأمير إلى عالمه مرة أخرى، قائلة: «ينبغي للمرء أن يدرك أن الإنسان هو الخليفة في الأرض».
عاد الأمير إلى واقعه، أو سقط في الحقيقة، وجد نفسه في غابة، حاول الإنسان الهروب منها دائماً، ليؤسس الحديقة بعد ذلك مستعيداً فردوسه المفقود.
الغابة طبيعة مفتوحة غير مسورة تمتلئ بالكثير من الشر والقليل من الخير، تقابلنا فيها شراك مخفية أو أشجار عابسة أو حيوانات متوحشة ماكرة، هي أيضاً مدار لغرائز الكائن، مكان للصراع، والأخلاق البدائية غير المشذّبة، حيث الصيد والقنص والمطاردة والهروب، هواء الغابة عنيف.. ريح صرصر عاتية ربما تقتلع كل شيء في لحظة غضب، وقد تشتعل في غمضة عين وتتحول إلى جحيم، الغابة بيت النفس الأمّارة بالسوء، أو النفس الحائرة بين خيارين.
أما الحديقة التي استُخلف فيها الإنسان؛ فتحتاج إلى العمل والكدح والرعاية والتفكير والتعاون والحب بين الرجل والمرأة، وهي مسورة آمنة وديعة، هادئة مطمئنة..الخ. الحديقة بناء يشخص بأبصارنا إلى الأعلى دائماً.

(3)

في الحديقة نحن نشبه الورود، نأسر الهواء لنستمتع بلحظة من الخفة تبدو للعاشق وكأنها أبدية.

لانهائية الشغف

يفتتح أندرسن قصته الخلابة «حديقة الفردوس»، بالقول: «يُحكى أن أميراً، كان يمتلك كتباً جميلة لم يكن لدى أحد مثلها. وكان قادراً على القراءة عن كل ما يدور في هذا العالم، ولكنه لم يكن يعرف شيئاً عن حديقة الفردوس التي كانت تشغل كل تفكيره».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"