تمرد المراهقين صداع في رأس الأسرة

الفضائيات والإنترنت والأصدقاء يتحملون المسؤولية
12:28 مساء
قراءة 8 دقائق

لم تعد الأسرة وحدها هي المسؤولة عن تربية المراهق كما كان في السابق، بل أصبحت تشاركها وتزاحمها وسائل الاعلام وشبكة الإنترنيت والاصدقاء، مما كان له تأثير ملحوظ في سلوك المراهقين.قبل سنوات معدودات كان بالامكان استيعاب طاقات المراهقين وتوظيفها بطريقة صحيحة، لكن اليوم مع تعدد قنوات التلقي التي ساهمت بنشر ثقافة التمرد على المراهقين صعبت السيطرة عليهم. وتبدأ ظاهرة التمرد في أحضان الأسرة وذلك برفض أوامر الوالدين، ثم التمرد على الحياة المدرسية بما فيها من قوانين والالتزام بالزي المدرسي وغيره.هذا التحقيق يناقش هذه القضية الخطيرة ويحمل خلاصة آراء المراهقين والمراهقات واولياء الامور حول الاسباب التي تدفع المراهق للتمرد.

يقول نافع سيف إن الطالب الذي لا يعارض أبدا ليس بالضرورة أنه متوافق مع أهله والمدرسة ولكن خوفه من مواجهة الأسرة والمدرسة يلزمه بقبول القرارات والسكوت طمعا في السلامة، وهذا يحد من حركة المراهق ويؤثر سلبا في شخصيته. والتمرد في هذه الحالة سيكون ردة فعل طبيعية لما يواجهه هذا المراهق من قيود ثقيلة عليه، مشيرا الى أنه نادرا ما يتمرد على القوانين المفروضة عليه.

ويشير سيف حميد إلى أن معظم التربويين وأولياء الأمور يحاولون تسيير الطلبة بموجب آرائهم، ولذلك يحجم الأبناء عن الحوار مع أهلهم ويمارسون بعض السلوكيات المزعجة كالتمرد على الأنظمة رغبة منه في تحقيق مقاصده الخاصة دون اعتبار لمن حوله، وبهذه الطريقة غير اللائقة يعبر عن نفسه وأحاسيسه ورغباته.

ويقول: في هذا العمر نحاول أن نوضح مفهومنا الخاص للحياة والخروج قليلا من قيود سلطة الابوين والمدرسة، رغبة منا في تحقيق بعض رغباتنا التي يراها الآخرون أنها غير صائبة.

وتشير حمدة أحمد لوتاه إلى أنه من المهم أن يدرك الآباء والتربويون أن الأساليب المتبعة في التعامل مع الفتاة في المرحلة الابتدائية لن تنجح مع المراهقة، بل قد تتسب بمشاكل، حيث لا يثق الآباء في حكم أبنائهم المراهقين على الاشياء ولا في تقديرهم للأمور.

وتقول: أنا لست متمردة، ولكن أحيانا ارغب بوجود مساحة من الحرية والحوار عن طريق افساح المجال لنا للتعبير عما يجول في خواطرنا، ولا اقصد بالحوار والحرية إزالة كافة القيود امام رغبات المراهق والمراهقة، مشيرة إلى أن والدتها عادة ما تنصحها بعدم متابعة الافلام ولكنها رغم ذلك تصر على المتابعة.

وتوضح فاطمة علي أن مفتاح التعامل مع المراهق والمراهقة هو الحوار والتفاهم، وهذا ما نفتقده في البيت والمدرسة، حيث إنه في أغلب الاوقات يفرضون رأيهم علينا، لذا نرى أن أغلبية المراهقين يرفعون أصواتهم لأنهم يريدون أن يثبتوا ذاتهم ويوضحوا للجميع أنهم أصحاب قرار، مشيرة إلى أن الفتاة في هذا العمر تشعر أنها أصبحت كبيرة ولم تعد طفلة تسيرها المعلمات والكبار كيفما شاءوا وعلى المعلمات احتواء الطالبات واحترام أفكارهن ورغباتهن قدر الامكان فهذا الاحترام سيخلق نوعاً من المودة التي تسهل بالتالي توجيه الطالبة الى طريق الصواب.

وتقول مثايل محمد إن المعلمات يرغبن بأن تكون جميع الفتيات نموذج فتاة واحدة، دون النظر الى أننا من بيئات مختلفة، فالفتاة في هذه المرحلة تسعى الى الاستقلال النفسي ومزيد من الحرية الشخصية والخصوصية، وتضيف: التمرد والغضب والمقاومة هي ردة فعل طبيعية عندما تحس الفتاة بأنه ليس لها وجود وهناك قيود تمنعها من فعل بعض الامور التي اعتادت أن تعملها في البيت وهي على اقتناع بأنها صحيحة، كما أن المعلمات يتدخلن كثيراً بخصوصيات الطالبات لدرجة العتاب على طريقة الكلام، فنحن جيل مختلف عن جيلهم ولكل زمن ظروفه وما هو متوفر لنا نحن الفتيات الآن من مغريات لم يكن موجودا في السابق، لذا الوضع مختلف نوعا ما.

وتقول شروق أحمد: لابد من السماح للمراهق بالتعبير عن أفكاره الشخصية حتى يستطيع أن يفرغ مشاعره بصورة مباشرة دون خوف. مؤكدة أنها قد تتمرد على العائلة والمدرسة حتى تستطيع أن تعبر عن شخصيتها، وعندما ترغب في عمل شيء معين وتلقى الرفض تلجأ للعاطفة حتى تقنع أهلها بتنفيذ رغباتها.

وتقول: المدرّسة تحاول أن تنقل لنا الخبرات بلغة الأمر لا بلغة الصديقة والام الحنونة، فيحاولن فرض قناعاتهن علينا دون مراعاة واحترام لرغباتنا الفردية التي لا تخرج عن عاداتنا وتقاليدنا.

وتوضح أمل الحوسني مفهوم التمرد قائلة: هو عبارة عن الخروج على السلطة والقوانين وكل ما ينبغي الالتزام به وعندما لا أقتنع بفعل معين أحاول أن أعرض وجهة نظري للمعلمات وإذا لم يقتنعن أرضى بالواقع المفروض علي. نحن لنا حاجات نريدها قد تكون مرفوضة من الغير، فلابد من إعطائنا الفرصة للتحاور مع معلماتنا حتى يتعرفن إلى مشاكلنا، فهذا يلعب دورا مفيدا لأنه سيتيح البحث في خلفية كل طالبة ومعرفة طريقة تفكيرها لتدارك المشاكل التي قد تواجهها الفتاة.

الطالبة وضحة زعل تقول: سبب التمرد يكمن في اختلاف مفاهيم الآباء عن مفاهيم أبنائهم واختلاف البيئة التي نشأت فيها الفتاة وتكونت شخصيتها عن البيئة المدرسية، حيث تتعود الطالبة على الحوار والجدال في محيط أسرتها، ولكن في المدرسة لا تجد سوى التنافر والصراع، ومعالجة هذه الاشكالية لن يكون إلا بالحوار الحقيقي وتقبل كلا الطرفين بوجهة نظر الآخر.

وتقول علياء راشد موظفة ابنتي لم يعد يعجبها ذوقي ولا رأي ولا أسلوبي، فكثيرا ما اختلف مع ابنتي المراهقة بخصوص ملابسها وتسريحة شعرها، فطريقتها في ارتداء الملابس وطريقة التحدث تستفزني كثيرا، مشيرة الى أنها الآن لا تتبع أسلوب النقد واصدار القرارات مع ابنتها، بل أصبحت تجاريها في بعض افكارها وطريقتها إذا كانت لا تخرج عن المألوف، وأصبحت على يقين أن تمردها بهذه الطريقة ما هو إلا وسيلة لتبرز شخصيتها، ولابد في هذه الحالة من مصادقتها ومخاطبتها بنبرة هادئة ودودة حتى تتقبل التوجيهات.

ويعلق سيف محمد وهو أب لمراهقين قائلا: المشكلة لا تكمن في المراهق نفسه بل في التطور الذي يشهده العصر، فالمغريات كثيرة أمام المراهق، فمعظم المراهقين يعانون من القيود المفروضة عليهم، وهذا يولد عندهم الشعور بعدم الاستقلال الذاتي، موضحاً أن ممارسة الآباء والتربويين للدكتاتورية في التعامل مع الأبناء من خلال منعهم من دون توضيح سبب هذا المنع، يضطرهم الى التمرد والرفض وعدم الانصياع لآراء وأوامر الآباء والمدرسين.

ويقول أحمد شحاتة مدرس: إنه لابد من تفهم وجهة نظر الطالب حتى يشعر المراهق أن رأيه مأخوذ على محمل الجد، ومن الخطأ أن يحاول المعلم فرض قناعاته ونمط تفكيره على المراهق، بل لابد من إدراك أن للطالب تطلعات واهتمامات تتناسب مع ما يفرضه العصر من أوضاع وطريقة خاصة للحياة والملبس والكلام مع متابعة مباشرة له لعدم انحرافه خاصة وان المشاكل باتت في ازدياد وتنوع.

ويشير الى أن واقع المراهق يتطلب تكاتف جميع الاطراف المعنية بدءاً من المنزل وانتهاء بالمدرسة لما لها من دور فاعل في تكوين شخصية المراهق، فلابد من أعضاء هيئة التدريس التعامل مع المراهق في هذه المرحلة بوعي من دون التجاوز على شخصيته وطموحه واعطائه فرصة للحوار والنقاش.

أما خولة عبدالرحمن الملا مديرة مدرسة النوف فترى باعتبارها مسؤولة تربوية من خلال تعاملها مع المراهقات لفترة طويلة حدوث تغير ملحوظ في سلوك المراهقات اليوم وقبل سنوات معدودات، حيث إنه في السابق كان بالامكان استيعاب طاقات المراهقات، فالأبناء كانوا يتعلمون القيم السائدة في مجتمعنا دون حاجتنا الملحة الى ترديدها على مسمعهم، ولكن مع اختلاف أساليب التربية والتعليم وتعدد قنوات التلقي امام الطالبة أصبحت أكثر تمردا. وتضيف: علينا كأولياء أمور وتربويين أن نتعامل مع سلوك المراهق بطريقة مختلفة وذلك باحلال الحوار الحقيقي بدلا من العصبية والنقد المستمر، إضافة الى بذل المزيد من الجهد في سبيل احاطة عنفوان المراهق والمراهقة مع المتابعة الاساسية من قبل الوالدين. فالمراهقة عندما تتمرد تميل إلى إثبات ذاتها وإظهار شخصيتها، فترغب من خلال تمردها بايصال رسالة للمعلمات أو للوالدين بأنها موجودة وترفض القوانين التي تعيق ابداعها، فلابد من التعامل مع هذه المراهقة بالأسلوب الصحيح والابتعاد عن النظرة السطحية للمشاكل ومحاولة الدخول في الاعماق للتوصل الى الحلول الجذرية للمشكلة التي تعاني منها المراهقة.

ويوضح الدكتور محمد أبو العينين رئيس قسم الاجتماع جامعة الإمارات مفهوم التمرد قائلا: التمرد هو حالة الرفض والعصيان للإعلان عن موقف الشخص تجاه فكرة أو عمل ما، وقد يأخذ عدة أشكال منها التجاهل التام لهذه الفكرة أو الموقف ومنها الهجوم على الفكرة وربما تحويلها إلى النقيض، فهو حالة من حالات الخروج عن المألوف، ووسيلة للتعبير عن الذات.

وحول الأسباب التي تدفع المراهق للتمرد يقول: تنقسم إلى نوعين أحدهما نفسي والآخر اجتماعي، فمن الناحية النفسية يمر المراهق بفترة يشعر فيها بأهمية ذاته وبأنه أصبح شخصا ذا مكانة ووضع وعلى المجتمع أن يعترف بذلك. وهو بتمرده يبعث برسالة لمن حوله يريد أن يقول من خلالها إنه مختلف ومميز ويستطيع أن يفعل الأشياء بطريقته الخاصة. فإذا كان الجميع يرتدون ثيابهم على نحو معين ارتدى هو ثيابه على نحو آخر، وإذا كان الجميع يقصون شعرهم بطريقة واحدة قص هو شعره بطريقة أخرى ملفتة للنظر. هو إذن يريد أن يثبت ذاته وأن يقول للجميع أنا هنا.. التفتوا إليّ.. اعترفوا بوجودي!! أما من الناحية الاجتماعية فإن المراهق يشعر وكأن المجتمع قيد عليه يريد أن يقلل من شأنه أو أن يسلبه حريته فيكون رد فعله الخروج على قواعد هذا المجتمع وتقاليده وعاداته، وهناك ثقافة فرعية تتشكل في المجتمعات يمكن أن نطلق عليها ثقافة المراهقين، هي التي توجه سلوكياتهم وتشعرهم بخصوصية هذه الفئة العمرية.

ويضيف د. أبو العينين: هذا التمرد نتيجة طبيعية لجيل المراهقة الذي يتميز بالقوة البدنية والفتوة والإحساس بالقدرة على تغيير العالم من حوله حتى وإن كان ذلك شيئا صعب المنال. والدليل على ذلك أننا لا نكاد نلحظ هذا التمرد الاجتماعي في الفئات العمرية الأخرى. ففترة الطفولة السابقة على المراهقة هي فترة الخضوع والاستسلام لتعاليم الأهل والمجتمع والمدرسة، وفترة أواسط العمر هي فترة الاتزان والحكمة، وفترة الشيخوخة هي فترة الضعف الجسدي والوهن والأمراض والحاجة الشديدة لرعاية الآخرين.

ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن تربية المراهق أصعب هذه الأيام لاختلاف وتعدد مصادر التربية، فلم تعد الأسرة وحدها هي المسؤولة عن تربية المراهق كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت تشاركها وتزاحمها بقوة مؤسسات اجتماعية أخرى من المؤسسة التعليمية إلى المؤسسة الإعلامية إلى المؤسسة الترفيهية، بجانب الدور المؤثر للرفاق والأصحاب. ولا نستطيع أن ننكر أيضا الانفتاح الفكري والاجتماعي والثقافي الذي يميز العصر الحالي عن العصور السابقة. فمراهق اليوم مطلع على الثقافات الأخرى يقرأ لغاتها ويستمع إلى موسيقاها ويقلد نجوم الفن والرياضة. وهو مراهق على صلة قوية بأقرانه ليس فقط داخل مجتمعه بل أيضا عبر الحدود من خلال الإنترنت والفضائيات. وتتاح له فرص الحوار والدردشة والمشاركة في استطلاعات الرأي والتصويت. هذا كله يزيد من وعي المراهق بالتغيرات المحلية والعالمية ويجعله يقارن بين أوضاعه وأوضاع الآخرين.

ويضيف: مظاهر التمرد عديدة منها الانسحاب والهروب من الحياة الاجتماعية، ومنها المعارضة الشديدة للأفكار والممارسات المجتمعية، ومنها الهجوم على بعض العادات وتحويلها إلى النقيض، ومنها الثورة على الشيء ورفضه رفضا تاما.

ويختتم حديثه: لا توجد أساليب جاهزة للتعامل مع تمرد المراهقين. وعلى المجتمع أن يسمح بهامش من التمرد للمراهقين لأنه أحد الأساليب التي يعبرون بها عن مشاعرهم وأفكارهم. ولا يعني هذا الكلام ترك الحبل على الغارب وإنما عدم ملاحقة المراهقين حتى يخرجوا ما لديهم من طاقات وإبداعات. ففترة المراهقة من أصعب فترات العمر وعلينا كأفراد ومجتمعات وآباء ومعلمين ومسؤولين أن نساعد أبناءنا المراهقين على اجتياز هذه الفترة بأمان حتى ينتقلوا منها إلى مرحلة الرجولة بأقل قدر ممكن من الاضطرابات والعقد النفسية والاجتماعية. ولكي نعالج تمرد المراهقين علينا أن نفهم أولا احتياجاتهم وأن نفاوضهم في تلبية هذه الاحتياجات وألا نستخدم أساليب القمع والقهر النفسي والاجتماعي حتى لا يتحول تمردهم إلى ثورة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"