تنمية محاسبة النفس

13:09 مساء
قراءة 4 دقائق

يحتاج المرء حتى يستقيم سلوكه ويقلع عن المعاصي إلى محاسبة دائمة للنفس، وهذه المحاسبة التي تعد من أشرف المقامات عند الله تعالى لأنها من مراتب اليقين يستطيع كل منا تنميتها بتقديم الحياء من الله تعالى على الحياء والخوف من البشر، فقد يبتعد الإنسان عن المعاصي والذنوب إذا كان بمرأى ومشهد من الناس، لكنه إذا خلا بنفسه وغاب عن أعينهم، أطلق لنفسه العنان فاقترف السيئات وارتكب المنكرات .

أيكون مثل هذا الإنسان مستحضراً قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (النساء 108)، أم أنه نسي قوله سبحانه: وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ (فصلت 22- 23)

فشأن المؤمن الحقّ خشية الله في الغيب إذا غاب عن أعين الناس، قال صلى الله عليه وسلم لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباء منثوراً . قالوا يا رسول الله صفهم لنا جَلِّهِمْ لنا أنْ لا نكون منهم ونحن لا نعلم . قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها (رواه ابن ماجه)، وبما أن الله تعالى رقيب علينا فإن الرقابة تقتضينا استشعار الحياء منه في كل الحركات والسكنات والأقوال والأفعال، سراً وعلانية، ظاهراً وباطناً، ووزنها بميزان الشرع قبل عملها .

وتنمية محاسبة النفس ممكنة أيضاً بتقوى الله وخشيته في السر والعلن، وهذه هي علامة كمال الإيمان . فلا بد أن نتقي الله تعالى في كل مكان، قال صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحها وخالق الناس بخلق حسن (رواه الترمذي) . وحتى عندما تكون وحدك عليك أن تتقي الله في نفسك وفي نظرك وسمعك وبصرك وفكرك . وحتى نحقق المراقبة الذاتية في قلوبنا، ويملك كل منا قلباً حياً واعياً يستشعر معية الله تعالى ليكون وقاية ودافعاً إلى تجنب المعاصي، يجب علينا تذكر الله تعالى واستشعار حضوره معنا ومراقبته لنا، فهذا عمر بن الخطاب لقي في طريقه راعياً يرعى غنماً فقال له عمر: ألا تعطيني شاة؟ فقال الراعي: إنها لمولاي، فقال عمر: وأين مولاك الآن؟ فقال العبد: وأين الله تعالى؟ وفرح عمر بهذا الجواب فاشترى العبد وأعتقه وقال له: هذه الكلمة أعتقتك في الدنيا وعساها تعتقك في الآخرة .

ويستطيع كل منا تنمية رقابته لذاته بالحرص على المطلب الأعلى والهدف الأسمى عنده وهو رضا الله سبحانه ففي المراقبة الذاتية يضع كل مؤمن رضا الله أمام عينيه، فتنصبُّ الأعمال كلها في تلك الوِجهة التي إن صدقت النية لها ارتقت بكل عمل . وهنا يكمن الفرق بين الرقابة الذاتية والرقابة الخارجية، فالرقابة الخارجية ترتبط بوجود الرقيب فقط فإذا غاب قد يعود المرء إلى مخالفاته ومعاصيه وذنوبه . أما الرقابة الذاتية فترتبط بالوازع الداخلي عند الإنسان، سواء وجد الرقيب الخارجي أم لم يوجد . ولذا كان لا بد من وجود الرقيب الخارجي في زمنٍ ضعف فيه الوازع الديني وغاب الضمير، وهنا نذكر القول الحكمة (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) .

ولعل من ثمار محاسبة النفس الاستقامة في ما يصدر عن الإنسان من تصرفات في العبادات وغيرها: ففي العبادات مثلاً قال صلى الله عليه وسلم في ما يرويه عن ربه كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به (رواه البخاري)، وفي المعاملات قال صلى الله عليه وسلم إن الله جل وعز يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه (رواه البيهقي) . وحتى في النية الباعثة على العمل، قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (رواه البخاري) .

ومن ثمار محاسبة النفس أيضاً الندم والتوبة عن كل معصية وذنب يغضب الله، وأظهر صور التوبة رد الحقوق إلى أصحابها، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (الشورى 25)، وقال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة (رواه مسلم) .

إن المحاسبة الذاتية إذا تحققت فينا نكون بذلك قد جعلنا الظلام نهاراً، ووجهنا غيرنا إلى مكارم أخلاقنا، فيتكوَّن لنا المجتمع الفاضل، القوي في أخلاقه، المتحد في صفوفه، المعتصم بحبل ربه، التائب إليه بصدق من كل الذنوب، المستقيم في أقواله وأفعاله ودواخله، والمستقيم في فكره وقيمه، الجدير بالبقاء، بل بريادة البشرية كلها .

* قاضي قضاة فلسطين سابقاً

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"