كان شهر رمضان المبارك فرصة طيبة لنشر القيم والأخلاقيات الفاضلة بين المسلمين، ولذلك لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة تفوت من دون أن يعلم المسلمين بأن دين الله يسر لا عسر، وأن العبادات لم تفرض عليهم لتعذيبهم أو لحرمانهم من طيبات الحياة لكنها فرضت عليهم لمصلحتهم وكلها منافع لهم، فالصلاة كلها منافع للإنسان قبل أن تكون طاعة لله، والزكاة بركة في الرزق والعمر، والصوم كله مكاسب روحية وبدنية للصائم الذي يحرص على آدابه وأخلاقياته .
وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته على أن يكون شهر رمضان مدرسة للمسلمين يتعلمون فيها كل ما يصلح دنياهم وآخرتهم، فكان صلى الله عليه وسلم يحدد لصحابته الكرام سنن الصيام وآدابه وسنن الإفطار والسحور، وذلك بأفعاله وأقواله .
وأول دروس التيسير والرحمة في شريعة الإسلام التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للصائمين تعجيل الفطر، فمن سننه صلى الله عليه وسلم في الفطور أنه كان يتعجل الفطور، فيفطر أولاً ثم يصلي المغرب، فقد روي عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء، وورد في عدد التمرات أنها كانت ثلاث تمرات .
ووافقت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل الفطور أقواله، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطور، وفي رواية لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور .
تأخير السحور
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر السحور، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية (رواه البخاري ومسلم)، وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة دعاء واستغفار .
وقال العلماء إن معنى البركة أن السحور يقوي الصائم على مواصلة الصوم إلى الليل وينشّطه ويمد الجسم بالطاقة الحرارية اللازمة لحيويته .
وروى في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تسحروا فإن في السحور بركة .
وروي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتسحرون ويؤخرون السحور حتى لا يبقى على طلوع الفجر إلا وقت يسع قراءة نحو خمسين آية من القرآن الكريم، كما جاء في حديث زيد بن ثابت .
أصحاب الأعذار
ومن مظاهر التيسير والرحمة التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل المسلمين عملياً في رمضان أنه لا صوم على أصحاب الأعذار، فالشريعة الإسلامية أقامها الخالق الرحيم بعباده على السماحة واليسر ورفع الحرج ودفع الضرر، وتكليف الناس بما في قدرتهم واستطاعتهم .
فالله سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر لا العسر والمشقة وهو القائل: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وهو القائل أيضاً: يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً، وهو القائل: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .
ومن أبرز مظاهر السماحة واليسر ورفع الحرج التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً في رمضان أن الله عز وجل فرض الصوم على كل مسلم عاقل بالغ صحيح البدن مقيم خالٍ من الأعذار التي تبيح الفطر .
وفي مقدمة أصحاب الأعذار المرضى الذين يرجى شفاؤهم من أمراضهم، لكنهم يخافون زيادة أمراضهم أو تدهور أحوالهم الصحية أو تأخر شفائهم فهؤلاء يفطرون ويصومون الأيام التي أفطروها عندما تتحسن أحوالهم الصحية بعد رمضان، أما المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة وأمراضهم مستمرة فهؤلاء يفطرون ويطعمون الفقراء عوضاً عن صيامهم .
ولأن دين الله يسر لا عسر والعبادات لم تفرض على عباد الله لتعذيبهم، فقد أعفى الإسلام المسافر من الصوم أثناء سفره، على أن يقضي ما أفطره عندما يقيم ويستقر، وذلك دفعاً للمشقة على المسافر، لكن لو كان السفر مريحاً ورغب المسافر في الصوم طمعاً في الأجر والثواب، فرسول الله الحريص على كل ما يفيد الإنسان ويقربه من خالقه أعطاه الفرصة لتحقيق ذلك، جاء في الحديث الصحيح أن الصحابي الجليل حمزة الأسلمي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أجد في نفسي قوة على الصوم في السفر فهل علي جناح؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله فمَنْ أخذ بها فحسن، ومَنْ أحب أن يصوم فلا جناح عليه، وروى عن أنس رضي الله عنه أنه قال: سافرنا مع رسول الله في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم .
والنبي القدوة في كل أفعاله يؤكد لنا بأفعاله أن الصوم ليس تعذيبا للنفس، وإنما هو عبادة تتعايش مع اليسر والبعد عن المشقة، وضرب لنا المثل على يسر الإسلام في حالة السفر .
فقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، وكانت عزمة فأفطرنا .
فالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يشرعه يبدأ بنفسه، ولهذا حينما أمر الناس بالفطر حينما أوشكوا على مقابلة عدوهم أفطر معهم .
إنه نبي الرحمة، فالله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم على أنفسهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الرحمن بالمؤمنين رؤوف رحيم .
أيضاً من أصحاب الأعذار الذين كان رسول الله رحيماً بهم في رمضان المرأة الحامل أو المرضع، فهما لا تصومان إذا خافتا الضرر من الصيام على نفسيهما أو على ولديهما، وتصومان قضاء عند القدرة على ذلك، ولا فدية عليهما لأنهما أبيح لهما الفطر دفعاً للحرج . فما أحوج المسلمين الآن في صيامهم وفي قيامهم إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يحقق الصوم أهدافه الدينية والإنسانية والاجتماعية في نفوس كل الصائمين، وحتى تكون عباداتنا كلها خالصة لوجه الله بلا رياء .