منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي بدأ اسم ثريا الزعابي يعرف على الساحة الرياضية المحلية، فالعربية والإقليمية فالعالمية، حيث استطاعت هذه المرأة الإماراتية أن تتخطى خطوط إعاقتها وترمي ثقلها وحمولتها بعيداً، كما لو أنها تقذف «الجلة» التي ما خذلتها يوماً في حياتها، في حين جاء الخذلان من أقرب الناس إليها...
وثريا التي تعتبر من أصحاب الهمم، والتي ولدت من دون إعاقة ولا أي مشاكل تذكر، استطاعت أن تحطم الأرقام القياسية في العالم في رياضة رمي الرمح والجلة والقرص في الرياضات الخاصة بذوي الإعاقة طوال هذه الفترة الزمنية، إلا أنها منذ أربعة أعوام لم تعد تشارك في الأولمبياد العالمية ليس لسبب يتعلق بها، بل بسبب عدم وجود علاج طبيعي لها خلال سفرها، إضافة إلى عدم وجود ميزانية لبطاقة سفر رجال الأعمال حيث تستغرق رحلات السفر 10 ساعات وربما أكثر ما يؤذي جسمها، وخاصة الطرف الأيسر المصاب بالشلل.
منذ ذلك الوقت، وثريا لا تشارك في الأولمبياد، وتكتفي فقط بالمشاركات المحلية والعربية أي التي لا تتجاوز رحلات السفر إليها عدداً قليلاً من الساعات.
أعباء مادية واجتماعية
وتقول ثريا المثقلة اليوم بالهموم بسبب أعبائها المادية والاجتماعية: من المؤكد أن العمر له دور، وأنا متعبة وأعاني بسبب كثرة أعبائي حيث أربي أربعة أولاد منذ نعومة أظفارهم، وطوال أعوام كنت العائل الوحيد لهم، والحمد لله استطعت أن أربيهم على الأخلاق الحميدة وكبيرهم اليوم في التجنيد وهو طالب هندسة مدنية في كلية التقنية وابنتاي تركتا الدراسة بعد حصولهما على الشهادة الثانوية، وابني الصغير ما زال طالباً في المدرسة.
وبسؤالها عن شعورها وهي ترى ابنها في لباس الجندية تجيب: أشعر بفرحة غامرة تملأ قلبي وأنا أراه يرتدي لباس الخدمة العسكرية للدفاع عن وطننا الحبيب، ولطالما غرست في نفوس أولادي جميعا حب الإمارات وحب الانتماء إلى قادتنا وشيوخنا الكرام، والحمد لله أشكر ربي على أنني استطعت أن أربيهم هذه التربية وحدي.
تكريم أعاد الثقة
وبالأمس القريب تم تكريم ثريا الزعابي البطلة الأولمبية من أصحاب الهمم من ضمن فئة الأوائل وهذا ما أعاد الثقة إليها خاصة حينما قال لها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهو يسلمها الدرع «أنا أتابعك يا ثريا وأنت فخر لنا وللإمارات»، وهذا التكريم المعنوي كان سخياً في مضمونه الإنساني وأسعدها كثيراً - كما تقول-.
تعود حكاية ثريا مع الإعاقة إلى سن متقدمة فهي كانت تعيش وأولادها معها حين حدثت مشكلة أدت إلى إصابتها بجلطة أصابتها بعاهة مستديمة (شلل في قدمها اليسرى)، وعلى الرغم من ذلك ربت أولادها الأربعة، وقررت أن تصبح بطلة، بل حولت ضعفها وحزنها إلى قوة، مؤمنة بحكمة أن «لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس» فهذا شعارها في الحياة.
عملت ثريا في أكثر من دائرة حكومية كي توفر رزقها وأولادها، إلا أن الدوام الطويل سبب لها مضاعفات، فقررت الاكتفاء بممارسة الرياضة، فكان نادي الثقة للمعاقين في الشارقة بيتاً ثانياً لها، وتدربت فيه ولا تزال تتدرب يومياً لمدة ساعة إلى ساعة ونصف الساعة.
ويحلو لثريا في هذا المقام أن تتحدث بحب عن سفير ذوي الإعاقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة «الذي لم يأل جهداً في دعمنا وتشجيعنا وتوفير الكثير من احتياجات ومتطلبات ذوي الإعاقة التعليمية والأكاديمية والصحية وغيرها».
بطاقة هوية
ثريا من مواليد دبي ومنذ كانت طالبة صغيرة استهوتها رياضة الجري، وحققت خلال فترة وجيزة انتصارات على مستوى منطقة دبي التعليمية، وفي المقابل لم تستهن بدراستها بل كانت متفوقة على هذا الصعيد، إلا أنها تعرضت لمفاجأة لم تكن متوقعة لشابة مليئة بالحياة وأم لأربعة أطفال، فقد أصيبت بجلطة دماغية حيرت الأطباء لصغر سنها، كان من شأنها إصابة الجانب الأيسر من جسدها بالشلل، لكن ذلك لم يثنها عن معاودة ممارسة الرياضة ولكن باختيارات تناسب الواقع الجديد والمقومات البدنية المتبقية لديها، فكانت رياضة رمي الجلة ورمي السهم، وكانت البداية، ولجأت إلى نادي الثقة للمعاقين حيث أعاد المدربون تأهيلها تأهيلاً حركياً وتفرغت للرياضة ولأولادها الذين كبرت مسؤوليتهم.
قامت بتربية أولادها وحدها، وبمساعدة والدتها وكان التحدي كبيراً، وكذلك المسؤوليات، خاصة أن أعمارهم كانت صغيرة ومتقاربة، ونمت فيهم حب الرياضة.
وتكشف أن معنوياتها اليوم محبطة بعكس السنوات الماضية وتقول إن الأرقام العالمية التي حطمتها عالمياً ما زالت باسمها خاصة في رمي الجلة، واليوم كسرت هذا الرقم بطلة المغرب، ولكنها في العشرينات من عمرها ولا تعاني مشكلة في قدمها، لذا تطالب ثريا بأن يعاد النظر في التصنيفات والأخذ بعين الاعتبار شكل ونوع الإعاقة وتطبيق التصنيفات الجديدة على المتبارين.
سجل حافل بالإنجازات
رفعت ثريا الزعابي علم الدولة عالياً خفاقاً في محافل عدة، فسجلها حافل بالإنجازات، حيث نالت 8 ذهبيات في بطولات دول مجلس التعاون الخليجي في نسخها الثلاث على التوالي، من 2005 وحتى 2007، وذهبيتين في الألعاب الآسيوية شبه الأولمبية، (غوانزو - الصين 2010)، وبرونزية دورة الألعاب الرياضية العربية 2011، وبرونزية وفضية في الألعاب العالمية لذوي الإعاقة الحركية والبتر (الإمارات - الشارقة 2011)، و3 ذهبيات في الدورة الثانية لرياضة المرأة بدول مجلس التعاون -( الإمارات 2011)، و3 ذهبيات في دورة الألعاب الثالثة لرياضة المرأة بدول مجلس التعاون (البحرين)، وبرونزية وفضية في بطولة الخليج التاسعة لألعاب القوى (2013)، وبرونزية الألعاب العالمية لذوي الإعاقة الحركية والبتر، (روسيا / سوتشي 2015)، و3 ذهبيات في دورة الألعاب الرابعة لرياضة المرأة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي - (سلطنة عمان 2015)، وذهبية برونزية دورة ألعاب غرب آسيا (الإمارات - خورفكان) 2017.