الأحداث في الوطن العربي تؤكد أننا أمام مستقبل مغاير بانتظار ثقافة جديدة تفصح عنه، تصوغ تطلعاته وتتعاطى مع مفرداته، تحمل الحلم وترحل به بعيداً، تكسر كل الرؤى التقليدية السابقة بكسلها وسكونها، ترفض المستحيل بمصطلحاته التأزمية المعتادة من قبيل النكسة والنكبة والهزيمة، تمحو من القاموس الثقافي مفردات اليأس والإحباط والتخاذل، تتجاوز كل ما هو مطروح، تنزع عنها الماضي والحاضر، تفارق كل ما نفكر فيه وتراكم في أذهاننا من عقود التراجع والخيبات، ثقافة صنعها ويصنعها البشر ببساطة وعفوية بعيداً عن النظريات والأفكار والمقولات التي لا محل لها من الإعراب في عالم الغد .
يقول الروائي عبده جبير: الكرة الآن في ملعب المثقفين، فكما أمسك شباب الثورة بالمبادرة لتغيير الحياة السياسية، لابد أن يقوم المثقفون المصريون والتونسيون بتغيير أسس الحياة الثقافية، وبالذات في مصر، أولاً علينا جميعاً ألا نقبل أن يفرض علينا وزير للثقافة، جاهل، لم يقرأ كتاباً في حياته، كما كان فاروق حسني، وألا يكون عضوا في مافيا سرقة مقدرات مصر .
ويرى جبير أن مستقبل الثقافة في بعث المنابر الثقافية المميزة التي كانت سائدة خلال فترة الستينات من القرن الماضي، بصورة عصرية جديدة، منتقدا أوضاع الثقافة وما أضحت عليه، فالمثقفون المصريون في أغلبهم مغيبون، تم شغلهم بالمؤتمرات، والمهرجانات، والجوائز، فيما حدثت جرائم أهمها وأد السينما المصرية، والتي كانت تنتج في الستينات، حين كان عددنا لم يتجاوز العشرين مليونا، بين 300 و350 فيلم، كان لها بالقطع دور ثقافي، وكان لها دور آخر في سيادة النزعة التحررية بين الجمهور ليس في مصر فقط، بل في كل البلاد العربية، بالإضافة إلى ما كانت تسجله من دخل قومي، احتل المرتبة الثالثة، وطبعاً كان هذا ينعكس، على الكتاب والمخرجين والفنيين، والممثلين، وعلينا واجب بل معركة أن تعود السينما إلى ما كانت عليه، سواء بإنشاء شركات إنتاج عامة مساهمة أو إنشاء شركة للدولة تسهم في إنتاج الأعمال الضخمة التي لا يحتملها الإنتاج الخاص .
ويشير جبير إلى أننا نسينا أنه كانت لدينا مجموعة ضخمة من المجلات الثقافية مثل الفكر المعاصر، والمجلة، والكاتب، والطليعة، والسينما، والمسرح، وعالم الكتب، وتراث الإنسانية، كما كانت لدينا سلاسل كتب شهرية مع هذه المجلات كانت توزع على مستوى الوطن العربي كله، وقد ذهبت في زيارات عديدة لبيوت كتاب عرب في أغلب البلاد العربية، وكنت أجد مجلدات هذه المجلات وهذه السلاسل، موجودة وكان الجميع يعترف بدورها في تكوينه الثقافي، ولابد أن تعود هذه المجلات مرة أخرى، فمئات الملايين التي تصرف على المهرجانات الفارغة يجب أن توجه إلى هذه المجلات .
إذا نظرنا في موضوع المسرح فأنا أستطيع أن أعترف بلا خجل بأنني ومنذ أكثر من 20 عاما، لم أذهب إلى المسرح في مصر، لأنه ببساطة لم يعد هناك مسرح، وإنما هناك عروض هزلية في المسرح التجاري يخجل الإنسان من أن يسميها مسرحا، في حين أنه كان لدينا مسرح قومي نرى فيه عرضا ذا قيمة كل أسبوع تقريبا، وكان لدينا مسرح الغرفة الذي رأينا على خشبته نماذج عديدة من المسرحيات العالمية، الفرنسية، والروسية، والإنجليزية، وغيرها، أيضا كانت لدينا مكتبة للموسيقا، هدمت وأقيم مكانها مرآب، في شارع شامبليون، حيث كنا نذهب لنستمع إلى كل أنواع الموسيقا، مجانا، من الصباح وحتى آخر النهار، لابد أن تعود هذه المكتبة، كانت لدينا قاعات ضخمة للفن التشكيلي، رأينا فيها أصول أعمال كبار فناني العالم بيكاسو، ورينوار، وماتيس، وغيرهم، ولابد أن يعود هذا النشاط مرة أخرى .
وكان هناك أيضاً مبنى لا يزال موجودا بعد أن غطته الأتربة كان اسمه جمعية الأدباء في شارع قصر العيني أمام مجلس الشورى المقبور، حيث التقينا هناك بكبار كتاب العالم كالروسي يوفتيشينكو، وتحاورنا معه علاوة على العشرات من الشعراء والكتاب العرب، وفي الشارع نفسه كان يوجد نادي القصة الذي كنا نذهب له لنستمع إلى طه حسين ومحمود العالم، وقمم الكتاب، من الأجيال السابقة، كان لدينا ملحق ثقافي أسبوعي مهم أشرف عليه الراحل عبدالفتاح الجمل، وهو الذي قدم كبار الكتاب الموهوبين: كأمل دنقل، وعبدالرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، وسيد حجاب، من الشعراء، كما كانت الصفحات الثقافية في الأهرام، والأخبار، والجمهورية، تقوم بدورها المنوط بها، لتقديم، النصوص، والأفكار والنقد المواكب للنتاج الثقافي بكل أنواعه، كل هذا يجب أن يعود مرة أخرى حتى يعود للحياة الثقافية دورها، وطبيعتها، لا أدعو إلى عودة هذه المنابر بما كانت عليه بل بطريقة عصرية، تربط القارئ العربي والمصري بالثقافة العربية والعالمية، هذا هو الدور الذي يجب أن نقوم به ونعمل على إعادته إلى الحياة بعد أن قتله فاروق حسني بمهرجاناته الفارغة .
الثقافة تنمو وتنتعش وتقوم بدورها في ظل الحرية ولا يمكن أن تقوم بدورها النهضوي المنوط بها في مجتمع القمع، وبالتالي إذا توافرت المنابر، والساحات، والأدوات الثقافية فلابد أن تعود لتقوم الثقافة بدورها النهضوي، وأعتقد أن المثقفين يحسون بهذا الدور وكانوا يسعون دائما لتنسيقه، ولكن كانت الدولة ممثلة في أجهزتها الثقافية تدفعهم إما إلى الهجرة، والتشتت، أو الانطواء .
وتستشرف الكاتبة سلوى بكر، مستقبل الثقافة العربية خلال السنوات المقبلة بالتأكيد على أن كل ثقافة موالية للأنظمة السياسية القامعة لشعوبها سوف تسقط، وأن الوجوه الثقافية التي تعودت التذلل للحكام، والأنظمة واستفادت منها، ستسقط تماما، وضربت الدكتور جابر عصفور مثالا، وقالت: هذا الرجل الذي كان في ركاب النظام طوال الوقت واستفاد منه كثيرا متناسيا أن دوره كمثقف هو مواجهة كل استبداد ثقافي وسياسي، ولكننا وجدناه يلتحق حتى آخر لحظة ويتمسك بالنظام .
ما نرجوه من الثقافة والمثقفين المهمومين بالناس وبالمجتمع القيام بنهضة حقيقية، أظن أن دورهم يكمن في المقام الأول في مد المجتمع بأفكار تعينه على نهضة، ثانيا: أن تكون الثقافة وسيلة من وسائل النهضة بمعنى أن بناء الإنسان وجدانيا، وروحيا مسألة ربما كانت الثقافة هي الأولى بها، للأسف تم تسليع الثقافة في المراحل الأخيرة، ورأينا فكرة الكتاب الأكثر مبيعا، وحفلات التوقيع، والتلميع الإعلامي الزائف لبعض المثقفين، لذا فإن مستقبل الثقافة مرهون برؤية شاملة لعملية النهضة، ومرهون بثقافة جادة، عينها على المجتمع وليس على السوق والتسويق الثقافي، فلا يمكن أن تعقد ندوة مثلا في مقر المجلس الأعلى للثقافة، ولا يحضرها عشرات من طلاب الجامعات والمعنيين .
وتشير بكر إلى أنه يجب أن تضطلع الثقافة بدور حقيقي بين الناس، وأن يكون هناك منظور جديد للرؤى الثقافية، يرى أن التغيير ممكن، أن يخرج من الذوات الضيقة، فيسقط نجوم الثقافة المزعومين التي صنعت بفعل فاعل في كل بلد عربي، وسيتراجع دور الثقافة كسلعة، وستتقدم الثقافة الحقيقية .
ويقول الروائي إبراهيم عبدالمجيد: هناك وطن عربي جديد غير الذي نعرفه يبدأ الآن، بعد ثورتي مصر، وتونس، شئنا أم أبينا، ففي مصر على سبيل المثال، هذا الجيل العظيم جدا مصدر هذه الثورة كان حتى أثناء الاعتصام في ميدان التحرير يقدم رسوما وينظم معارض فنية، جيل أثق بأنه سيخرج منه عدد ضخم من المبدعين في كل المجالات خاصة الشعر، والمسرح، والفن التشكيلي، والشعر، وهذا سينعكس على الوطن العربي كله، سيكون هناك إحساس جديد بإنسان مختلف، يختلف عن هذا الإنسان العربي الذي اعتدنا عليه دائما، الإحساس اختلف الآن، وأصبح الإنسان العربي قادرا على أن يصنع حياته، وهو ما سوف يؤدي إلى تغيير ملحوظ، وإلى إنتاج أدب مختلف جدا عما كنا نقرأه من قبل، كما أنه سيكون ثمة دعوة للحرية الثقافية، وحرية التعبير سوف تصبح مسألة أساسية، وستتوسع في بلادنا، وسيسقط القمع الثقافي والرقابة على الكتب بسرعة، لأن الديمقراطية كحلم للشعوب العربية سوف تتحقق شيئا فشيئا .
أما الدكتور عبدالمنعم تليمة فيؤكد أن الثقافة شأن تاريخي استراتيجي يتصل بالمراحل التاريخية الكبرى، ولهذا فإننا لا نتحدث عن سنوات مقبلة، وإنما نتحدث عن مرحلة آتية تشمل عقودا عديدة وربما تمتد نتائجها وثمراتها إلى قرون، ومستقبل الثقافة، كل ثقافة من مستقبل المجتمع الذي يبدعها ويمارسها، ويتلقاها، والمجتمع العربي، مستقبله في التقدم، والاستمرار على قاعدة من الحريات والإنتاج، والعدل، وكل الشواهد الجارية والملموسة تدل على أن المجتمع العربي على الطريق، لكن الصعاب جمة؛ تتمثل في بقايا قوية للاستبداد الخارجي والمحلي، وعناصر متلكئة من مراحل الجمود والتخلف، ومن هنا نقول إن مستقبل الثقافة العربية مرهون بمهمات ملحة محددة، وهي خمس: منازلة الاستبداد، والدفاع عن الحريات الشخصية والعامة، وإعمال العقل في التفسير والتأويل والتنظير، وحماية الإبداع من القهر والمحاصرة والمصادرة، والانفتاح على الثقافات الأخرى الحية المعاصرة الفاعلة .
ويوضح د .تليمة أن ما حدث في مصر وتونس ليس إلا انتقالات تاريخية عظمى من عصور كلاسيكية ذات طابع اقطاعي استهلاكي، إلى العصر الراهن ذي الآفاق النهضوية الإنتاجية الديمقراطية، ولم تقتصر هذه الانتقالات على مصر وتونس وإنما هي حركة عربية شاملة، لقد بدأت النهضة العربية الحديثة في مصر ولبنان، وبعد سنوات قليلة تبدت في بقية البلدان: الشام ثم العراق، ثم في الشمال العربي الإفريقي، ثم في الجزيرة العربية والخليج، التاريخ هنا عربي شامل، والعروبة في جوهرها وحقيقتها ثقافة، العرب متعددو الأعراق (عرب، أكراد، بربر . . إلخ)، ومتعددو المذاهب والنحل، والملل، إنما يجمعهم وعاء حضاري واحد هو الثقافة، ولذلك فإن صياغة مشروع عربي نهضوي مستقبلي إنما تعتد بأعمدة وقواعد في صدارتها: توحيد المناهج التعليمية والإعلامية، والعلمية، وإقامة هياكل أكاديمية وجامعية موحدة، وتوحيد مجامع اللغة العربية (مجامع القاهرة ودمشق، وبغداد، وعمان، والرباط) في مجمع مركزي ينهض باللغة العربية رعاية وحماية وتجديدا، وإعفاء المنتج الثقافي العربي المطبوع والمرئي والمسموع من كل قيود المراقبة والجمارك والضرائب، وإجازة المنتج الثقافي العربية المتميز علميا وفكريا، وإبداعيا بجوائز عربية عامة كبرى، واتفاقات التآخي مع الثقافات المعاصرة العالمية الكبرى .
يقول الشاعر بدي ولد ابنو من الوارد أن استعادة المبادرة السياسية واستعادة الثقة بالقدرات الذاتية مرادفان لاستعادة القدرات الثقافية، ولاستثمار الإنتاج الثقافي والفعاليات الإبداعية كآليات دافعة واستشرافية للقوى الاجتماعية المتحركة، بدل استعمالها كمجرد يوميات كسولة تسجل الاستقالة والإحباط، إذا ظل مسار الثورات الحالية متجها إلى الأمام ولو بتأرجح، وإذا لم تحدث صدمات ارتكاسية، فإن نظرة العرب لأنفسهم ستكتسب إيجابية لا عهد لهم بها منذ عقود . وهذه النظرة ككل نظرة موجهة من طرف الإنسان إلى نفسه، أو من طرف مجموعة بشرية إلى نفسها هي نظرة مرتبطة بالمرآة الوسيطة التي يمثلها الآخر . وفي الحالة العربية الراهنة الآخر الأوروبي الأمريكي أولا وبمستوى أقل بكثير ولكن يتزايد ارتفاعا أو تناميا الآخر الأسيوي، الأمريكي اللاتيني . . إلخ .
الخريطة الإعلامية الثقافية في لحظتها الراهنة غدت الانتصار المرحلي للثورتين التونسية والمصرية تسمح من خلال المؤشرات الإعلامية الثقافية (افتتاحيات كبريات الصحف العالمية، صفحات الرأي، الملفات الثقافية والسياسية المختلفة في الوسائط الإعلامية وحتى في بعض المجلات الثقافية المتخصصة التي حاولت أن تلحق بالأحداث بصفتها تعبر عن التاريخ وهو يتحرك في البث الحي . . .) تسمح بالقول إن المنطقة العربية تجذب - نسبيا- العالم إيجابيا لأول مرة منذ عدة عقود . وهذه نقطة ليست هامشية، فصورة العرب وثقافتهم ولغتهم في المرآة الثقافية الإعلامية الدولية اختزلت في ما يمكن أن يعبر عنه بالعبارة العنصرية لأحد فلاسفة الثورة الفرنسية العرب هم الأمة الأكثر انحداراً والأكثر أملاً في التغير من بين كل الأمم .
بمعنى آخر، فإن العقود الأخيرة أظهرت المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص على أنهم أمة الهمجية والقرسطوية (القرون الوسطى) والظلامية الثقافية، أو بعبارة الفيلسوف ريجيس ديبري في مقابلة شهيرة قبل خمس سنوات مع الفيلسوف الفرنسي الراحل جاك دريدا حين قال عن العرب إنهم لا ينتجون لا علماً ولا أدباً ولا فناً وإنما يختصر حضورهم في العالم في إشكاليات التطرف الديني والعنف المرتبط به . وهو ما وافق عليه دريدا بتحفظ حين أضاف أن الثقافة العربية لم تعد منتجة منذ لحظة ما من لحظاتها التاريخية لأنها لم تعرف من وجهة نظره حركة التنوير .
الواقع اليوم أن التأثير المذهل للإعلام وخلاصاته السريعة بل المتسرعة ليس فقط على أذهان الأغلبية ولكن كذلك على تصورات الفئات العالمية التي يفترض أنها النخب المثقفة والمطلعة، سيسمح لنا بالقول إن صورة العالم العربي تغيرت فجأة لدى النخب . لا يخطئ المتابع اليوم نغمة اندهاش وإعجاب بل وحتى نغمة قد لا تخلو من نوع من الحسد لنجاح التوانسة والمصريين في تنظيم تظاهرات مدنية سلمية ومنظمة وتتحدث عبر مفردات ذات محتوى إيجابي مفهوم بالنسبة لكل مثقفي العالم الحرية، العدالة .
العقدة العربية اتجاه الصور النمطية التي كونتها النخب العالمية عن العرب وثقافتهم ومن ثم استبطنتها النخب العربية عن نفسها وعن ذاتها وانعكست في ثقافة جلد للذات وبكائيات ومناحيات أقرب هي إلى الاستقالة الجماعية منها إلى الرغبة في المراجعة والفعل، هذه الصورة بدأت تهتز . إلى أي درجة سيفلح المثقفون العرب في استثمار المرحلة الراهنة وإعطاء الثورات الحالية بعداً ثقافياً وفكرياً؟ أي إلى أي درجة سيمسكون بمصيرهم وينزعون عن تاريخهم طابع الحتمية والجبرية، أو بعبارة أخرى إلى أي درجة سيتم تجاوز السلبية التي تفرغ الإبداع والثقافة من محتواهما إلى مستوى المسؤولية المنتجة والمبدعة؟ الإجابة عن هذا السؤال تمثل رهان المرحلتين الراهنة والقادمة .
ويقول المفكر محمد ولد أحظانا، يبدو لي أن الأحداث في مصر وتونس ستغير خريطة الاهتمام، وترتيب الأولويات، فإذا كان هناك تردد ما بين الانحياز لجانب السلطة، والجماهير أو الانحياز للدكتاتورية أو الديمقراطية، فإن الجماهير الآن استرجعت الاهتمام، ولهذه الجماهير فعل تحرري يتجاوز رغيف الخبز وحق البوح، إلى مطلب متجذر في النفس العربية بتحرير أراضيها واستعادة كرامتها .
وبالتالي فإن جلد الذات والتشاؤم والفهم السلبي لطبيعة الجماهير، الذي كان يعاني منه المثقف العربي تحول الآن إلى أمل، وسيتحول اليأس من مردودية الفعل السلبي للجماهيري إلى فعل خصب . وبالتالي فإنني أرى أن اهتمام المثقف ومسلماته السابقة قد انهدمت الآن، وأصبحت المراهنة على الجماهير، أي الضمير الجمعي، موضة للقوة وستتحول إلى موضة بالفعل قريبا خلال سنة أو سنتين .
وأرى أن هذا سينعكس على الإبداع، كما أن حقل الاستقبال الجماهيري للأديب والإبداع العربي سيحفز حركة أدبية وفنية وثقافية نشطة كانت مكبوتة أو كان ميؤوسا منها .
لقد كان المثقف العربي في سن يأس ثقافي، وقد أخرجته منه الأحداث في مصر وتونس والحبل على الجرار .
ومع ذلك يجب ألا ننسى أن ما حصل من فعل ثوري قام به أولئك الشباب ليس فعلاً منبتراً، أو فعل صدفة، أو فلتة تاريخية، بدليل أنهم شبان حملة شهادات وخريجو جامعات، ويستخدمون أحدث تقنيات الاتصال، ومتشبعون بعشق ثقافة التغيير الايجابي، وما قام به هؤلاء هو نتيجة لتراكم نضالي طويل قامت به حركات وشخصيات وشرائح ووسائل إعلام عربية، ضمن صوت المشروع التحرري العربي الذي ظل مسموعا حتى خلال العقود الثلاثة الماضية الأسوأ في تاريخ أمتنا، واليوم فإن الأدب الثوري، أو الفعل الثقافي الثوري على الأصح، الذي كان وصمة في السنوات الماضية أصبح اليوم ظاهرة متألقة .
ومن الإنصاف القول إن العديد من المثقفين العرب كانوا في حالة نضال مستمر يرون فيها النور من خلال سجف كثيفة، سجف الواقع القائم، سجف التيئيس، ولكن كانوا على يقين من أن الأرض تدور، ولذلك حافظوا على نوع من الشجاعة الأدبية لإيمانهم بذلك الفجر المطل من خلف الأسوار، أو الأفق، لا يعرفون من أين كان سيطل لكن كان لا بد من مرحلة حصاد .
لنتفق أن ما حدث ثورة، في قلب الوطن العربي، في مصر، وكل الثورات أنتجت مشاريع نهضوية جديدة، وليس أمام المثقف العربي سوى تصدر صياغة المشروع النهضوي، مع الضرورة الملحة لتجنب أخطاء الماضي .
يقول بونه ولد أميده، رئيس اتحاد المسرحيين الموريتانيين، أعتقد أن التجليات الثقافية لما حدث في كل من تونس ومصر تؤكد بجلاء أن الكلمة لها فوهتها التي تصنع التغيير ويوم رفع التونسيون كلمة ديكاج في شوارع تونس ومثلها كلمة ارحل التي رفعها المصريون كان هؤلاء يعطون أقوى الأدلة على أن التغيير يصنع بالكلمة أكثر مما يصنع بغيرها .
الثورتان التونسية والمصرية اللتان قادتهما الكلمة تدفعاننا كفاعلين في الحقل الثقافي للاعتزاز بما قدمه المبدعون لأن التاريخ علمنا أنهم كانوا بكلماتهم نثراً وشعراً وشعارات قادة الدفاع عن كل الحقائق والحقوق العربية، ولولا أصحاب الكلمة لما كان للعرب ما يمكن أن يحترموا من خلاله، صحيح أن ثورة التونسيين ومن بعدهم ثورة المصريين جاءت متأخرة، لكن الزمن في ذات الوقت علمنا حقيقة مفادها أن حضور الشخص ولو متأخرا خير من أن لا يأتي، وإذا كان في تاريخنا العربي الكثير مما يدفع إلى البكاء والتباكي إلا أن عجلة التاريخ تجعلنا نستبشر خيرا مع هذه المحجة البيضاء التي وضع أسسها وقواعدها الشباب المكلوم بواقعه، والذي حول كلمته الحقوقية المثقفة والمدنية، إلى ثورة للتغيير .
لا خلاف على أن الخطاب العربي في التاريخ المعاصر كان موسوماً بالبكائية وجلد الذات والإغراق في النظرة السوداوية، لكن رياح الثورتين التونسية والمصرية كفيلة بتحويل مسار سفينة الخطاب العربي من بحر الظلمات إلى بحر النور الذي حملت الثورة الشعبية أبرز ملامحه وبشرت برسو سفنه على شواطئه في انتظار غد مشرق فيه من شمس التفاؤل ما يبدد حالك ظلام الخطاب العربي .
مع هاتين الثورتين ستراجع الشعوب العربية موقفها من أصحاب الكلمة، الذين نادوا بالحرية والتغيير، وستعترف لهم في رابعة النهار بأنهم كانوا منذ زمن قادة الدفاع عن الشعوب وكل القضايا العربية العادلة وما خنادق المقاومة المسلحة إلا دليل على ذلك وسبب في تجليات ما حدث .
سيعلمنا التاريخ من دروسه التي لا تنتهي بأن الأوان قد حان لكلمة سواء تدفع بنا جميعا للعمل سوية ضمن مشروع عربي نهوضي يستطيع العودة بنا سيرتنا الأولى أمة عربية تؤمن للمثقف بدوره وفي روحه تزرع الإحساس بقيمته التي يحرقها لخلق ذات أشمل نجد فيها جميعا ذواتنا ونكتشف من مرآتها جغرافية الوجه العربي الذي لا نريده أن يبقى أبد الدهر عبوسا بقدر ما نريد له أن يكون وجها في قسماته من تفاصيل البسمة ما يمكن التعويل عليه لبناء مستقبل عربي جامع يحمل مشعل صناعة الجمال، فيه من هم أهل لذلك من أهل الكلمة والرأي السديد .
ويرى الأكاديمي عبد السلام ولد حرمة، أن ما حدث في تونس ومصر شبيه بما قام في الغرب من حركة تنوير في القرن السابع عشر، فهو تيار شعبي وسياسي ثائر على سلطة سياسة الاستبداد العربي والعمالة وثقافتهما الكسيحة، ومن المؤكد أنه سيحدث قطيعة ابستمولوجية مع كل تجليات الماضي الثقافي المرتهن لرؤى بعيدة عن الأمة وهمومها وتاريخها التنويري الذي شع في فترات عديدة من العصر القديم والحديث والراهن من دون أن يتمكن من التبلور في حركة اجتماعية وسياسية فاعلة ومؤثرة على نحو ما ظهر في ثورتي تونس ومصر .
فإذا كانت الحداثة تستدعي من أصحابها تداول قيم عصرهم، فإن في مقدمة هذه القيم حداثة التفكير والممارسة السياسية التي تقوم منها حرية التعبير عن الرأي وحرية اختيار الحاكم مقام الجوهر، وقد ظلت هذه القيمة مغيبة والتعبير عنها مهدد بالانطفاء والخفوت قبل هاتين الثورتين .
ونحن في منطقة المغرب العربي نفخر اليوم بأن هذا الانعطاف السياسي الكبير، وهو انعطاف في الفعل السياسي الثقافي بكل ما تحمل الكلمة من معان، انقدحت شرارته الأولى في بلد من بلداننا، بعد أن ظل مشرقنا العربي هو مركز القرار والتأثير في نهضتنا المعاصرة .
إن ما حدث يحتم على العاملين في حقل الثقافة العربية أن ينخرطوا في معركة القضاء على وحش الاستبداد واستئصال شجرته الممتدة جذورها عميقا في التربة الاجتماعية وبنيات عقلنا الجمعي، وذلك من خلال مشروع ثقافي تنويري مفارق لما ألفه المواطن العربي في العقود الماضية، ووضع أسس هذا المشروع على قوام نهضوي صحيح يتخذ من حاجتنا الكبيرة للحرية نقطة بدايته الصحيحة.