جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي توازي النقد بالإبداع

الأحدث والأولى على المستوى العربي
05:01 صباحا
قراءة 7 دقائق

تتميز الساحة الثقافية والفنية في الإمارات بتعدد الجوائز التكريمية والتشجيعية التي تتبناها المؤسسة المعنية بإثراء الساحة الابداعية في الإمارات، وإذا كانت الأولى التكريمية تمنح بهدف تكريم كبار الكتاب والأدباء والمبدعين في شتى مجالات الأدب والفكر والفن في الإمارات والوطن العربي، فإن الثانية التشجيعية ترمي إلى دعم المبدعين وتشجيعهم على الاستمرارية وتحقيق ذواتهم الإبداعية، ومن أحدث هذه الجوائز الفاعلة والمؤثرة جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي، التي تعتبر الجائزة الوحيدة إلى جانب أنها الأولى على المستوى العربي، التي تولي البحث النقدي في الفن التشكيلي، هذا الاهتمام، وتحاول إعلاء شأن النقد باعتباره موازياً للعملية الفنية الإبداعية، وتعمل على تطوير الوعي بالفنون البصرية، وتجسيد قيمة البحث الفني، مع ترسيخ الإبداع بشقيه الفني والنقدي.

تأتي أهمية جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي من خلال محاولتها إيجاد تلك اللغة المشتركة بين الناقد (الفنان - المنظر) والمتلقي بهدف تأصيل ثقافة فنية بصرية يتم توثيقها لتفعيل مسيرة الحركة التشكيلية العربية، وهو ما يحقق هدف الجائزة في تشجيع الأفكار المميزة في مجال النقد النظري المتخصص في مجالات الفنون التشكيلية بكل تفرعاتها من خلال توظيف علم النفس والاجتماع وانتربولوجيا الفن وتاريخه، إلى جانب الفلسفات التأملية في علم الجمال وفلسفة الفن والنقد الفني، وهو ما يزيد من مساحة التواصل مع النقاد والباحثين في الفن التشكيلي، مما يساعد على توثيق الحركة التشكيلية العربية عبر الممارسات النقدية، ويشجع أصحاب الكفاءات الفكرية والتنظيرية في الفن التشكيلي العربي، وخلق تلك العلاقة المتينة بين الساحة التشكيلية وما تفرزه في حراكها الإبداعي من فنون عبر لغة نقدية متقدمة.

وإذا ما أردنا الإبحار في أهمية جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي، التي أطلقتها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، مع بداية العام الفائت، وأعلنت نتائج دورتها الأولى في أبريل ،2008 ودورها الاستكمالي في ترسيخ البحث النقدي التشكيلي، فمن الأجدى أن نعود إلى مطلع السبعينات من القرن الفائت، وتحديداً في ديسمبر العام ،1971 عندما عقد في دمشق أول مؤتمر للفنانين التشكيليين العرب، والذي انبثق عنه، تأسيس الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب، ومن ثم توالت اللقاءات بين العاملين في مجال الفن التشكيلي في بقية العواصم العربية لتتأسس الاتحادات والنقابات والجمعيات المعنية بالفن التشكيلي عربياً، إنها رحلة المنجز التراكمي الذي تحقق في مسيرة الحركة التشكيلية، والتي بدأت تتبلور فعلاً في أواخر القرن التاسع عشر كحركة تشكيلية حديثة، استطاعت في الثلاثينات من القرن الفائت أن تخلق خطابها النقدي الذي تحاول جائزة الشارقة للبحث النقدي أن ترسخه كفعل إبداعي لا ينفصل عن العملية الفنية الإبداعية.

وتتكئ الجائزة على دعم وتشجيع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الذي ينظر بعين الاعتبار لأهمية تعميق الصلة بين الفنون وحركة المجتمع، وبالتالي أهمية ودور البحث النقدي في مجالات الفنون التشكيلة وتأثيره في عملية تطوير الوعي بالفنون البصرية، من خلال إعلاء قيمة البحث ومتابعة الأفكار المميزة المتخصصة، وهو ما أكدته الأمانة العامة للجائزة في تركيزها على أهمية الريادة باعتبارها مساحة تأسيسية لمسيرة الحركة التشكيلية العربية، فكانت الدورة الأولى للجائزة تحت عنوان الريادة في الفنون التشكيلية العربية وقد تلقت الأمانة (36) بحثاً في مضمون هذا العنوان من (9) دول عربية هي (مصر وسوريا والعراق والمغرب وفلسطين وتونس والسعودية ولبنان وليبيا) وقد فاز بها كل من د. نزار شقرون (تونس) ود. محمد بن حمودة (تونس) ود. ياسر منجي (مصر).

ويعلي من قيمة وأهمية الجائزة تلك الأبحاث التي شاركت فيها، والتي ستوثق في إصدارات تثري الحركة التشكيلية في بعديها الفني والفكري، وقد عبرت الأبحاث المشاركة والفائزة منها، عن حاجة التشكيل العربي المعاصر للإجابة عن خصوصية السؤال التشكيلي الذي يظل مرتبطاً بقضايا ذات علاقة متينة بالمقترح للفنان وموضوعاته التي يشتغل عليها عبر الوسائل التي يوظفها للتعبير عن واقعه وعلاقته مع ما يحيط به من تطور في وسائط التقنية والمواد التي يستخدها لاستجلاء تلك العناصر البصرية التي يختزنها جوانياً وفكرياً، وهو ما يسهم في بلورة الرؤية الخاصة والعامة للتشكيل العربي الذي تمور في وجدانه وذاكرته هموم الهوية ما بين الذات والواقع والفني والايديولوجي، ودوره في تغيير واقعه الفني والتواصل مع المتغيرات من حوله، وهو يبحث عن هويته الثقافية التي بدأت باكتشاف الخط وانتهت بالرموز الشعبية والذاكرة التاريخية (كما أوضح د. فريد الزاهي) في تناوله لتجربة الانفتاح في الفن العربي المعاصر.

وفي متابعة متأنية للأبحاث الفائزة نتلمس حاجة الفنان التشكيلي العربي للبحث في قدراته على انتاج الوعي التشكيلي والبصري الجديد الذي لا بد أن يتلاءم مع معطيات التطور الذي يعرفه المتخيل العربي المعاصر والذي مر بأربع محطات تمثلت في انطلاقته الأولى في أواخر القرن التاسع عشر مروراً بما يسمى بالحركات الطليعية في الثلاثينات والأربعينات من القرن الفائت، وما تلاها من مرحلة الهواجس الشكلية التي أفرزتها حركة التجديد في الستينات، وصولاً إلى التسعينات التي شهد فيها الفن التشكيلي العربي عملية التمرد على أسر اللوحة، وتوقه للتفاعل مع محيطه وواقعه الحياتي والثقافي وبالتالي حاجته الماسة لإبداع نقدي يساير إنجازه الإبداعي ومحاورته.

ويؤكد ذلك نزار شقرون في رصده لدور الفنان شاكر حسن آل سعيد الريادي في جعل الكتابة النظرية في النقد الفني وعلم الجمال وتاريخ الفن أحد العناصر المؤثرة في الفنون التشكيلية لأنها تقوم بوصف وتفسير وتحليل وتقييم ما ينجز على المستوى الابداعي، إلا أن المنشغل بهذه الكتابة عليه أن يكون على معرفة رفيعة بالمنجز الفني المعاصر وبالممارسات الفنية والتطورات الحاصلة في المجالات الفكرية، ومتمكنا من اللغة حتى يحسن تبليغ أفكاره ورؤاه، وهو ما يسهم في جعله قادراً على أداء وظيفته المتمثلة في تقديم التجربة التشكيلية وتشخيصها وإبراز امكاناتها الجمالية وطموحاتها وسط هذه التحولات الكبيرة التي تكاد تعصف بالفنون المعاصرة.

ويحاول د. شقرون الذي اتخذ من كتابات الفنان شاكر حسن آل سعيد، نموذجاً للفنانين العرب الرياديين الذين انغمسوا في الكتابة الفنية النظرية مبكراً، يحاول أن يضع هذه التجربة على المحك بهدف استجلاء وتشخيص الأسئلة الفنية التي لا تزال تؤثر في حركة التشكيل العربي، وفي مستواه الفكري والفني، ويقودنا د. شقرون إلى أسباب تأخر بروز الخطاب النقدي العربي إلى الثلاثينات والأربعينات من القرن الفائت مع محاولات شاكر آل سعيد (العراق) ورمسيس يونان (مصر) ومحمد شعبة (المغرب) إلا أنه يعود ليؤكد أن الكتابة النظرية في التشكيل لم تكن حكراً على الفنانين وحسب، بل عبر بعض الباحثين والنقاد والأدباء والصحافيين الذين علقوا على الأعمال الفنية، وهو ما أسس لوجود خطاب ابداعي مواز للأعمال دون أن يكون نقدهم علمياً، وبالتالي تأتي أهمية كتابات شاكر حسن آل سعيد التي استطاعت أن تمثل متناً نظرياً.

في حين يذهب د. محمد بن حمودة إلى أثر الريادية الغربية وخصوصاً الفرنسية في توطين العمود الأكاديمي النقدي في تونس، مبينا أن مفهوم الثقافة قد تطور عموماً منذ اتصالنا بالثقافات الأخرى، ويركز في بحثه على التطور والتحول الجذري الذي حدث في مفهوم الفنون التشكيلية ووظيفتها وكيفية تصور الفنان لإبداعه، هذا التحول الذي تناول مفهوم الفن نفسه وأساليبه، وما طرأ من محاولات لتجريد الاشكال من كل مضمون يدل على كائنات، ليصل إلى طرح السؤال المشروع حول سلوك الفنان العربي وهو يقوم بعملية الخلق الفني الابداعي في ميدان الفنون التشكيلية، ومدى تقليده للماضي والحاضر العربي، وموقف الرفض المزدوج ما بين الانصهار في التيار العالمي للفن التشكيلي أو الموقف المنكفئ على الذات.

بينما د. ياسر منجي على فكرة الريادة بيّن ثوابت التاريخ وتقلبات الفضاء البصري العربي، والذي يتجلى في الذهنية العربية باعتبارها أحد المرجعيات الأساسية التي تحال إليها دوماً شروط التقييم والاستعادة والاستعراض الخاصة بالظواهر التاريخية على اختلافها لا سيما ما كان مختصا بحقول الإبداع على تنوع وسائطها ومجالاتها، مستعرضاً لعدد من المقولات والألقاب والأحكام المعممة وغير المنهجية مثل (صناجة العرب - شاعر القطرين - أمير الشعراء - شيخ النقاد - عميد الأدب) مما يكشف بجلاء عن الميل الراسخ نحو تكريس ثوابت إشارية ومرجعية بغية الركون إليها كمرجعيات أساسية، والتعاطي مع هذه النتاجات باعتبارها موازين قياسية يتم بمقتضاها تقييم كل ما يستجد من نتاجات تنتمي إلى ذات الوسائط والمجالات، وهو ما أدى إلى تراكمات عدة تصنيفات اعتبارية، معزوة بالأساس إلى اعتبارات عاطفية صرفة، استطاعت أن تفرض نفسها كمعايير للقياس والتقييم، متخطية نطاق الثقافة الشعبية وطائفة الأحكام الجاهزة إلى أوساط المثقفين ودوائر النخبة، بل وإلى درجة التسلل احياناً إلى فضاء النقد الممنهج وحلبات التحليل الأكاديمي.

وأن التناول البحثي لمسألة الريادية في الفنون التشكيلية والبصرية العربية لا بد أن يتجاوز البسط التاريخي لمسار حركة هذه الفنون كما صاغها منهج الرواد، وبعيداً عن رسم الخريطة الانطولوجية، إلى اكتشاف آليات التقلبات التي باتت تختمر في رحم المحترف التشكيلي والبصري العربي، بارتقاب تحولات انقلابية على مستوى التعاطي لكل من المفهوم والتقنية للمشهد التشكيلي في مجمله.

وما يزيد من قيمة جائزة الشارقة للبحث النقدي أنها تأتي في مرحلة يتضح فيها غياب منظومة نقدية تشكيلية وجمالية فنية عربية، وهو ما يدعو للإسراع في خلق هذه المنظومة التي تسهم في تأكيد نهج جمالي ونقدي عربي يعتمد على ما توفر من تراث نقدي ونظري، خصوصاً أن كل ما يقام من ندوات وملتقيات ومؤتمرات تصاحب التظاهرات التشكيلية تؤكد على أن الساحة التشكيلية العربية تعاني من تباينات وصعوبات في تحديد الرؤية بسبب عدم وضوح المصطلحات وعدم مواكبة المستجدات وبالتالي غياب المرجعية.

إضافة إلى أن الجائزة تأتي أيضاً استكمالاً وتحقيقاً للعديد من البيانات والتوصيات التي تطلقها التظاهرات التشكيلية العربية، التي تؤكد باستمرار على ضرورة الانتباه إلى النقد في مسيرة الحركة التشكيلية، وضرورة توسيع دوره التنويري، وتشجيع البحث والممارسة النقدي، الذي يسهم في اكتمال المنظور الجمالي العربي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"