حراك سياسي يسبق الحسم العسكري في ليبيا

02:29 صباحا
قراءة 8 دقائق

بعد جمود سياسي وعسكري هيمن على الأزمة الليبية لما يقرب من ثلاثة أسابيع متواصلة، تحركت وتيرة الأحداث في الأزمة على نحو مفاجئ في كل الاتجاهات، حيث أجرى الثوار الليبيون محادثات مع مسؤولين من جانب القذافي في تونس، بينما باشرت الأطراف الدولية الرئيسة المعنية بالأزمة تحركات سياسية متباينة الدلالة . وبين هذا وذاك حقق الثوار تقدماً ميدانياً في أكثر من جبهة مؤثرة في الأوضاع العسكرية وبالتالي في مجمل مسار الأزمة .

ورغم أن التطورات التي شهدتها الأزمة في الأيام القليلة الماضية تحمل في مجملها إشارات مهمة لجهة الاقتراب تدريجياً من مراحل حاسمة، إلا أنها لا تسير في اتجاه واحد، الأمر الذي يفتح الباب أمام كل الاحتمالات في ما يتعلق بنهاية الأزمة .

استؤنفت قبل أيام المحادثات بين مسؤولين تابعين للقذافي وممثلين عن الثوار في تونس . ولم تتكشف بعد التفاصيل الخاصة بتلك المحادثات، إلا أن استئنافها أو بالأحرى الإعلان عن ذلك جاء بعد شهر توقف، ما يشير إلى أن حالة الجمود التي أصابت الأزمة في الأسابيع الماضية ربما دفعت الطرفين إلى التخلي عن بعض المواقف المتشددة أو أن تكون أفكاراً جديدة قد تبلورت خلال تلك الفترة، خصوصاً أن تلك الجولة الأخيرة من التباحث تلت مواقف دولية مهمة دعت قبل أسبوعين إلى التفاوض باعتباره الوسيلة النهائية لحل الأزمة، وهو ما كان فوج راسموسن أمين عام حلف الناتو قد أشار إليه في معرض تأكيده أن الحل النهائي للأزمة ليس عسكرياً .

ولم تكن تلك الخطوة السياسية بعيدة عما أعلنه سيف الإسلام القذافي عن وجود مباحثات مثمرة مع من وصفهم بإسلاميين في المعارضة . وكان سيف قد كشف لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن مباحثات تجري بين عائلة القذافي ورموز إسلامية من المقاتلين ضمن صفوف الثوار . وكان لافتاً في تصريحاته التلميح إلى الوصول إلى ما يشبه الاتفاق بين القذافي والإسلاميين يهدف إلى التخلص من العلمانيين، على أساس أن الإسلاميين هم الذين يقودون المعارضة في ليبيا، وأن من أسماهم المتمردين العلمانيين سيفرون جميعهم أو سيقتلون . وعلى الرغم من أن تصريحات سيف الإسلام تشير بوضوح إلى رغبة القذافي وأبنائه في إحداث وقيعة داخل صفوف الثوار الليبيين، والرهان على الانقسام الحاصل بالفعل لديهم حالياً، إلا أن رموزاً إسلامية أقرت بوجود محادثات بالفعل مع القذافي، الأمر الذي يدعو إلى القول إنه حتى وإن لم تفض تلك المباحثات إلى اتفاق يقصي العلمانيين ويلتف عليهم، إلا أنه يثبت وجود خطوط اتصال مفتوحة بين القذافي وتيارات محددة في الثوار وليس مع ممثليهم الرسميين (المجلس الوطني الانتقالي) فقط . وهي مسألة لها انعكاسات مهمة على التماسك الداخلي في صفوف الثوار خصوصاً على المستوى السياسي .

ترتيب بيت الثوار

لا يمكن النظر إلى هذا المسار الذي استجد في تطورات الأزمة، بمعزل عن خطوة جوهرية تتعلق أيضاً بالوضع السياسي الداخلي لدى الثوار، وهي قرار مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي إقالة الحكومة وحل المكتب التنفيذي للمجلس، وإعادة تشكيل الهياكل الأساسية في المجلس، وذلك على خلفية اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس قائد أركان قوات الثوار، وما كشفه من انقسامات وربما اختراقات تعرض لها الثوار الليبيون على الصعيدين السياسي والعسكري . ومن المرجح أن تسهم تصريحات سيف الإسلام القذافي بدورها في مزيد من الانقسام داخل صفوف الثوار الليبيين، فضلاً عن أنها ستلقي بظلالها على التحرك نحو إعادة تشكيل هياكل ومؤسسات المجلس، حيث ستخيم حالة من الريبة والتوجس على العلاقة بين أعضاء المجلس خصوصاً أصحاب المناصب القيادية فيه .

وكان شمس الدين عبدالمولى المدير الإعلامي قد أقر بوجود أخطاء إدارية في عمل المجلس، ما دفع مصطفى عبدالجليل إلى تكليف محمود جبريل بإعادة تشكيل المكتب التنفيذي . إلا أن الإجراءات التي بدأ عبدالجليل في اتخاذها لم تلق بعد قبولاً واسعاً بين صفوف الثوار، خصوصاً أولئك الذين مثل اغتيال يونس ضربة لثقتهم بقدرة المجلس على إدارة أمور البلاد سواء في مرحلة المواجهة مع القذافي أو مستقبلاً . فقبل قرار عبدالجليل طالب ائتلاف 17 فبراير بإقالة ثلاثة وزراء، كما طالبت 17 كتيبة من قوات الثوار بإقالة وزير الدفاع جلال الدغيلي، وحملته مسؤولية اغتيال اللواء يونس . وطالبت أيضاً بإقالة أحمد حسين الدرات وزير الداخلية، بسبب ما وصفته بحماية شرطيين عملوا سابقاً لمصلحة نظام القذافي . وكان لافتاً دفاع الكتائب ال17 عن الوزير علي العيساوي الذي وجهت إليه انتقادات شديدة لأنه وقع أمر اعتقال يونس الذي اغتيل إثره .

ويُخشى في ذلك المنحى بين الثوار الليبيين، أن ينعكس سلباً على الأداء السياسي والعسكري لهم في المواجهة مع القذافي، وهو ما بدأ في التجسد بالفعل في غياب الصوت السياسي للمجلس وتراجع الحضور الدبلوماسي والإعلامي له في الساحتين الداخلية والخارجية، انشغالاً بمعالجة تلك التطورات الداخلية المتلاحقة على مستوى مؤسسات المقاومة ذاتها . ورغم أن الأداء العسكري لم يتأثر بعد، بل إن الثوار يحققون تقدماً مهماً في بعض الجبهات، إلا أن التقدم الحاصل نتاج فترات طويلة من التحضير والاستعداد السابق، ويتركز في جبهات ومناطق تشهد أصلاً مواجهات شرسة وعمليات كر وفر مستمرة منذ عدة أشهر، بالتالي يصعب عزو ما يتحقق من تقدم عسكري إلى تماسك لدى الثوار، أو نجاح وتفوق قيادته العسكرية تخطيطاً وتنفيذاً في مواجهة قوات القذافي، الأمر الذي ستتضح حقيقته فعلياً في الأيام المقبلة، خصوصاً إذا انفتحت جبهات أخرى للقتال أو حاولت قوات القذافي شن هجمات مضادة في الخطوط الخلفية للثوار أو في عمق المناطق الخاضعة لسيطرتهم .

ومن بين الانتصارات المهمة التي تحققت في الأيام الأخيرة لمصلحة قوات الثوار، سيطرتهم على مدينة الزاوية ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى على الطريق

السريع الموصل بين طرابلس والحدود التونسية، ما أدى إلى قطع خطوط الإمداد لقوات القذافي في طرابلس عبر ذلك الطريق .

وكانت قوات الثوار في الجبل الغربي قد كثفت هجماتها على الزاوية وباغتت قوات القذافي هناك مطلع الأسبوع الجاري، حيث تمكنت من دخول المدينة من دون مقاومة كبيرة من جانب كتائب القذافي، وإن استمرت بعض العناصر التابعة له خاصة من القناصة، في الوجود على أسطح بعض المباني والعمل على تعطيل تقدم الثوار واستيلائهم على المدينة كاملة .

وفضلاً عن الأهمية الاستراتيجية للمدينة بصفتها محطة إمداد على الطريق السريع، فإنها تمثل أيضاً أهمية قصوى كمصدر طاقة أساسي لقوات القذافي، حيث توجد مصفاة النفط الوحيدة التي لا تزال تعمل في غرب ليبيا، وتقع شمال الزاوية، وقد سيطر عليها الثوار بالفعل، ما يعني حرمان قوات القذافي من الحصول على الوقود من داخل ليبيا، باستثناء ما قد يكون لديها من احتياطيات مخزنة .

وفي الجبهات الأخرى، أصبحت البريقة تحت سيطرة الثوار بشكل شبه كامل، وهي بدورها محطة مهمة في الطريق إلى طرابلس، وهو ما ينطبق أيضاً على غريان التي أعلن الثوار أنهم يسيطرون على 70 في المئة منها، بينما تجري معارك عنيفة منذ أيام عدة في جنوب مصراتة خصوصاً في تاورجا حيث يسعى الثوار إلى دفع قوات القذافي إلى التراجع لمسافة أبعد من مدى الصواريخ التي تطلقها بكثافة على مصراتة .

ويشير هذا الموقف العام في الأوضاع العسكرية، إلى أن عملية إحاطة وتطويق لطرابلس تجري حالياً من جانب قوات الثوار الليبيين، ما يعني تضييق الخناق على قوات القذافي والكتائب الأمنية التابعة له ليس فقط في طرابلس ذاتها بل أيضاً في المناطق الأخرى التي تتلقى الدعم والإمداد والتوجيه من داخل طرابلس، حيث سيؤدي قطع الطرق المؤدية إلى طرابلس لحصار مزدوج على كل من تلك القوات في المناطق الأخرى، إضافة إلى طرابلس ذاتها . لكن سيظل هذا الحصار حال نجاح الثوار في فرضه فعلياً مقيداً بوجود أعداد كبيرة من السكان المدنيين داخل طرابلس، وقد اعتاد القذافي وقواته اتخاذ المدنيين دروعاً بشرية، ما يعني أنه لدى تعرض العاصمة للحصار من جانب قوات الثوار، فإن الحصار لن يكون موجهاً حصرياً إلى القوات العسكرية والكتائب العاملة في خدمة القذافي، وإنما سيهدد المدنيين الليبيين المقيمين بالعاصمة بالدرجة ذاتها، الأمر الذي يقلل بالضرورة من فعاليته، بينما ستكون الفعالية الأشد والأكثر تأثيراً في مجمل الوضع العسكري، في منع الإمدادات عن قوات القذافي في المناطق الأخرى من ليبيا، خصوصاً المناطق الجبلية والنقاط الاستراتيجية الحاكمة في الوصول إلى ومن طرابلس .

تحولات خارجية

بالتوازي مع تلك التطورات السياسية الجديدة في الداخل الليبي، جاءت التطورات السياسية للأطراف الخارجية لتدفع في الاتجاه ذاته، حيث تباينت المواقف والتحركات السياسية الدولية بشكل يوحي بافتقاد موقف دولي عام موحد من الوضع الراهن في الأزمة الليبية، خاصة أن مواقف بعض الأطراف تتغير من حين إلى آخر من دون مبررات واضحة في معطيات الأزمة .

وأول ما يلفت الانتباه في ذلك السياق، ما يمكن اعتباره محاولة أمريكية لاستعداء الأفارقة على القذافي، فقد أطلقت واشنطن حملة دبلوماسية لتغيير مواقف الزعماء الأفارقة الذين انتقدوا غارات حلف الناتو في ليبيا، حيث قام السفير الأمريكي في ليبيا جين كريتز بجولة إفريقية استهدفت تضييق الدائرة حول القذافي والحد من وجود أطراف مؤيدة له أو متعاطفة معه . ومنع الأفارقة من الاستمرار في دعم مواجهته العسكرية مع الثوار . ومعروف أن الاتحاد الإفريقي يرفض مطالب واشنطن وباريس ولندن بخروج القذافي من السلطة، بيد أن الهدف الأهم لدى كريتز وواشنطن، هو تصفية الأجواء الدبلوماسية الإفريقية المعادية لحملة الناتو على ليبيا، والحد من الانتقادات الحادة التي يوجهها القادة الأفارقة لغارات الناتو التي يسقط فيها مدنيون .

مقابل هذا التحرك الأمريكي، تؤكد أوروبا ضرورة الحوار السياسي، وهو ما يبدو من المواقف الرسمية الصادرة بصفة خاصة عن كل من لندن وباريس، فضلاً عن التحركات البرلمانية وغير الحكومية الأخرى . فقد قام أربعة نواب أوروبيين سابقين (ثلاثة فرنسيين وبريطاني) قبل أيام بزيارة إلى طرابلس أجروا خلالها اتصالات مع نظام القذافي، معتبرين أن النزاع بين الناتو وليبيا متجه إلى مستنقع يصعب الخروج منه، وأن التدخل العسكري كان في البداية يبدو شرعياً بتفويض من الأمم المتحدة، إلا أنه بعد ذلك فقد حياده ومبرراته الأولية .

الجانب المهم في ذلك التحرك البرلماني الأوروبي، أنه يعمل على عقد اجتماع في باريس للجنة تحضيرية لحوار بين طرابلس والمجلس الوطني الانتقالي، برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وممثلي الناتو والاتحاد الأوروبي . وكان لافتاً أن وزارة الخارجية الفرنسية رفضت التعليق على زيارات خاصة قام بها نواب محليون أو مواطنون فرنسيون، وهو ما يمكن اعتباره في هذه الأحوال موافقة ضمنية على ذلك التحرك .

روسيا تنضم للعقوبات

كما شهدت المواقف الأوروبية والأمريكية التقليدية تغيرات ومستجدات متباينة، حيث شهد الموقف الروسي تحولاً مهماً في الأيام الأخيرة، فللمرة الأولى منذ وقوع الأزمة، أعلنت موسكو انضمامها إلى قائمة العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا بموجب القرار الدولي رقم 1973 . وكانت روسيا قد فرضت عقوبات محدودة على ليبيا في 9 مارس/ آذار الماضي أي بعد أيام فقط من نشوب الأزمة في 17 فبراير، إلا أنها ظلت ممتنعة تماماً عن الانضمام إلى العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن .

ووفقاً للموقف الروسي الجديد، فإن موسكو ستلتحق بطابور الأطراف الدولية التي تطبق إجراءات عقابية بحق ليبيا القذافي .

إذن، يوجد ما يمكن وصفه بفسيفساء في المواقف الدولية المعنية بالأزمة . والتباين في المواقف ليس جديداً، لكن الجديد هو أن تتحول تقريباً كل المواقف في توقيت واحد وبشكل شبه متزامن، الأمر الذي يوحي بأن الفترة الماضية التي شهدت جموداً شبه شامل ومحاولات يائسة لإنهاء الأزمة سياسياً أو عسكرياً من دون جدوى، ربما دفعت كل الأطراف في ذات التوقيت إلى إعادة النظر في مواقفها السابقة وتغيير بعض حساباتها ومعايير مصالحها ومحددات إدارتها للأزمة في المرحلة المقبلة .

إجمالاً، بدأت الأزمة الليبية مؤخراً في التحرك على مساريها السياسي والعسكري، بعد أسابيع من مراوحة المكان . وبينما تشير التطورات العسكرية إلى تقدم كبير للثوار الليبيين على أكثر من جبهة، تبدو التطورات السياسية أقل دلالة لجهة إنهاء الأزمة لمصلحتهم، حيث تباينت المواقف والتحركات بهذا الخصوص، فيما ينشغل المجلس الوطني الانتقالي بترتيب البيت من الداخل بعد أزمة عميقة سببها اغتيال اللواء يونس وكشفت انقسامات وثغرات كثيرة داخل كيانات ومؤسسات الثوار، الأمر الذي يجعل إنهاء الأزمة ودخولها في مراحل الحسم يبدو قريباً لكن ليس خلال أيام، لكن ربما في أسابيع قليلة، انتظاراً لاستقرار الأوضاع عسكرياً لمصلحة الثوار بشكل يقنع قوات القذافي بصعوبة وعدم جدوى الاستمرار في القتال، وانتظاراً أيضاً وهو الأهم لإعادة ترتيب بيت الثوار داخلياً خصوصاً من الناحية السياسية والمؤسسية .

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"