تتعدد الإصابات التي تحدث جراء حوادث الحريق، وتتنوع درجاتها، ومعها يختلف نوع العلاج حسب نوع وعمق الإصابة .
فجلد الإنسان هو الخط الدفاعي الأول لحماية باقي أعضاء الجسم من الجراثيم، إضافةً إلى وظيفته الحيوية في الحفاظ على درجة حرارة الجسم، الأمر الذي يستدعي ضرورة حماية الجلد من الأخطار التي قد تهدده، مثل إصابات الحروق التي تدوم طويلاً ولا يمكن معالجتها بشكل كامل عبر التقنيات الحديثة .
الحروق تصيب الأفراد في المنزل والعمل وأماكن مختلفة أخرى، وتنتج عنها إصابات خطيرة، ولأهمية هذا الموضوع على الصحة العامة وسلامة الأبدان، نتناول فيما يلي أنواع وأسباب الحروق وطرق علاجها من قبل أصحاب الاختصاص .
وظائف متعددة
يصف الدكتور محمد أديب بطل اختصاصي الأمراض الجلدية، دور جلد الإنسان في تنظيم الحرارة والمحافظة على السوائل في الجسم، إضافة إلى وظيفته في وقايته من الفيروسات الموجودة في المحيط الخارجي للإنسان، ويوضح أن الجلد يتكون من ثلاث طبقات رئيسية تبدأ بالبشرة وهي الطبقة الخارجية من الجلد، ثم الأدمة وهي الطبقة المتوسطة منه، وتحتوي الطبقة المتوسطة على مادة الكولاجين وألياف الإيلاستين وتوجد فيها أيضاً نهايات الأعصاب والأوعية الدموية والغدد العرقية والأجربة الشعرية، وتليها الطبقة الأكثر عمقاً من الجلد وهي ما تحت الأدمة (الطبقة الشحمية)، وهي الطبقة العميقة من الجلد حيث تحتوي على الأوعية الدموية الكبيرة والأعصاب، ولهذه الطبقة بما تحتويه على كتل شحمية دور كبير في التنظيم الحراري للجسم .
وفيما يتعلق بالحروق يقول الدكتور أديب إن الحروق تقدر بمدى مساحتها وعمقها ومكانها، وتعرف بعدة درجات، وهي:
* حروق الدرجة الأولى، وتكون الإصابات فيها سطحية على الجلد، وتسبب التهاباً موضعياً في مكان الحرق، وتكون مؤلمة وتميل إلى الاحمرار .
* حروق الدرجة الثانية، وتكون الحروق فيها أعمق وأكثر ألماً، ويترافق ذلك مع تشكيل فقاعات مائية .
* حروق الدرجة الثالثة، وتعتبر الأخطر، وفيها يكون الحرق أعمق من حرق الدرجة الثانية، ويصيب طبقات الجلد كافة، ويسبب خراباً في الأعصاب والأوعية الدموية في المنطقة المحروقة، لذا تبدو المنطقة المحروقة بلون أبيض شاحب وتكون أقل ألماً .
ويصف الدكتور أديب حروق الدرجة الثالثة بأنها من أخطر أنواع الحروق لأنها تشمل طبقات الجلد كافة وتسبب أذى دائماً للنسيج الجلدي والدهون والعضلات وأحياناً تصل الأذية حتى العظام والنسيج المحروق المصاب وعادة يكون الجلد في هذه الحالة جافاً شاحباً أو أسود اللون متفحماً .
ويضيف الدكتور أديب قائلاً إن الحروق قد تتطور من الدرجة الأولى إلى الثانية كما في حروق الشمس التي تصنف من حروق الدرجة الأولى، لكن مع تشكيل حويصلات خاصةً في اليوم الثاني يمكن أن تصبح حرقاً من الدرجة الثانية، وكذلك حرق الدرجة الثانية قد يتطور إلى حرق من الدرجة الثالثة .
وبغض النظر عن درجة الحرق والالتهاب وتراكم السوائل حول الحرق، فإن للجلد خصوصية دفاعية حيث يعتبر خط الدفاع الأول عن البدن ضد دخول أنواع الجراثيم كافة، وفي حال الحروق يفقد الجلد هذه الخاصية الدفاعية وتعبره الميكروبات . وتتميز الطبقة الأولى في حالة حروق الدرجة الأولى بخاصية تمكنها من ترميم نفسها على عكس الحروق العميقة التي قد يصعب شفاؤها وتتشكل فيها الندبات ويتعذر على الجلد العودة إلى وظيفته الطبيعية كما في حروق المفاصل والرقبة .
ويشدد الدكتور أديب على أهمية الإسعافات الأولية ودورها في إزالة كثير من الآلام التي تصيب المريض، لكن ذلك برأيه لا يغني عن الاستشارة الضرورية للطبيب في كل أنواع الحروق لسرعة التماثل للشفاء ومحاولة إزالة بعض الآثار المترتبة جراء الإصابة .
ويشدد الدكتور أديب على عدم نزع ثياب المحروق بالقوة، والاكتفاء بتبريد الجلد والثياب بماء عادي لخفض حرارة الجلد، وإبعاد المصاب عن مصدر الحرارة والدخان وتغطية المنطقة المحروقة بضمادات مرطبة بمعقم إن وجد أو بواسطة فوطة رطبة .
الإسعافات الأولية والممارسات المغلوطة
من جهته يشير الدكتور تيجاني شايب اختصاصي الأمراض الجلدية والتناسلية والعقم إلى أهمية المعرفة الجيدة بطرق الإسعافات الأولية والابتعاد عن بعض المفاهيم المغلوطة في حالة الحروق، خصوصاً وأن الكثير من الناس يستخدمون طرقاً شعبية قد تفاقم من الحرق، فاستخدام الثلج ومعجون الأسنان وبعض الكريمات قد تكون له آثار سلبية على المصاب، حيث يتسبب الاستخدام الخاطئ في سد مسام الجلد، وبذلك لا يسمح بتسريب الحرارة، وفي هذه الحالة يتطور نوع الحرق إلى درجة أكبر .
ويشدد الدكتور شايب على أهمية استشارة الطبيب في حالة الحروق من الدرجتين الثانية والثالثة، كون الإهمال في طرق العلاج والاعتماد على الوصفات المنزلية قد يضر بالمصاب ويعرضه إلى مخاطر العدوى بالفيروسات .
وعن أعراض الإصابات التي يتعرض لها الناس يقول الدكتور شايب إن حروق الدرجة الأولى تحدث جراء التعرض للشمس، أو ملامسة شيء ساخن، أو استخدام بعض أنواع الكريمات والصباغات بشكل خاطىء في الصالونات، وتكون أعراضها تحسساً واحمراراً، وعادة تكون مؤلمة بشكل كبير، ويستغرق الشفاء منها أسبوعاً، ولا تحتاج في الأغلب إلى زيارة الطبيب، حيث إن الوصفات المنزلية كافية للتخلص من آثارها .
أما حروق الدرجة الثانية التي تصيب البشرة والطبقة الأعمق من الجلد "الأدمة"، فإنها تتطلب استشارة الطبيب، ومتابعة خطة علاجية كونها تصل إلى النهايات العصبية والأوعية الدموية والغدد، وتكون مؤلمة جداً، ويستغرق شفاء هذه الدرجة من الحروق من 10 إلى 14 يوماً .
ويقول الدكتور شايب عن حروق الدرجة الثالثة إنها أخطر الأنواع والتي يستلزم معظمها التدخل الجراحي التجميلي، وتحتاج في الأغلب إلى زراعة الجلد وهي الاستعانة بجزء من الجلد غير المصاب وزرعه في مكان الإصابة وتعتبر عملية ضرورية لحماية المصاب من العدوى كون زمن التئام الجرح كبيراً وتستلزم المتابعة المستمرة مع الاختصاصي حتى يتم التئام الجرح . ويتفق الدكتور شايب مع رأي الدكتور أديب في التحذير من وضع مكعبات الثلج فوق الحرق مباشرة، أو استخدام منشفة أو شاش ليحول دون ملامسة الثلج لمسام الجلد، وعدم استخدام بعض الوصفات المنزلية كاستخدام بياض البيض أو الزبدة أو اللبن، أو بعض الكريمات الجلدية التي لا علاقة لها بالحروق، وعدم تفجير الفقاعات المتكونة مكان الحرق لأنها تعتبر مضادات طبيعية، خشية وصول الإنتان والتلوث، وهذه التحذيرات للدرجة الأولى والثانية من الحروق .
أنواع الإصابة
وعن أنواع الاصابات الناجمة عن الحروق يوضح الدكتور شايب أنها تتضمن الحروق الكيمائية التي تحدث جراء ملامسة مادة حمضية أو قلوية، وحروق حوادث المرور، وحروق التعرض لكهرباء الجهد العالي أو المنخفض، وحروق التعرض لأشعة الشمس، والتعرض لأشعة الليزر، والحروق التي تحدث من الماء الساخن أو ملامسة بعض المواد الساخنة الأخرى .
ويضيف الدكتور أديب أنواع حروق ناجمة عن لسعة قنديل البحر، وحروق صبغات الشعر، والحروق الناتجة عن التعرض لمواد التنظيف المنزلية والصناعية، والحروق الناتجة عن الوشم، إضافةً إلى الحروق الفيزيائية ومنها حروق التعرض للبرودة الشديدة وتحدث نتيجة تعرض الجلد لتيار الهواء البارد والجفاف أو نتيجة العلاج بالآزوت السائل أو الثلج الفحمي .
ويستكمل الدكتور أديب من جهته أنواع الحروق باضافة حروق الاحتكاك التي تنتج عن انفتاح الأكياس الهوائية أثناء الحوادث في المركبات، وهو ما يعتبره البعض حرقاً كيمائياً نتيجة تفاعل مواد تحرر غاز النتروجين الساخن الذي يملأ الكيس الهوائي بسرعة فائقة . وأيضاً حرق الاحتكاك بالأسطح الصلبة مثل الطرق أو السجاد أو أسطح أرضيات الملاعب، والحروق الناجمة عن عدم ارتداء راكبي الدراجات النارية للألبسة الواقية في حال تعرضهم لحوادث مرورية واصطدامهم بالأرض وكذلك عدم التقيد برط حزام الأمان في السيارات .
حروق العمل والتجميل
يعتبر الدكتور أنور الحمادي استشاري الأمراض الجلدية، أن أطباء التجميل هم أفضل من يتعامل مع إصابات الحروق، لذلك نجد أقسام الحروق في معظم المستشفيات الكبيرة تابعة لجراحة التجميل، ويكون طبيب التجميل هو المنوط الأول بإصابات الحروق .
وتعد الوقاية في أماكن العمل هي الأساس وذلك لأن أغلب الحروق تنتج من إهمال العامل في مكان عمله، وقد تؤدي تلك الحوادث إلى حروق خطرة، فالوقاية وعمل دورات تدربية للعمال من أهم خطوات السلامة .
وعن مسببات حروق العمل يرى الدكتور الحمادي أنها كثيرة، فمنها ما ينتج عن ملامسة مواد كيميائية أو جراء احتكاك من ماكينة أو سطح ساخن وغيرها من الأمور التي تصيب العامل جراء عدم الالتزام بإجراءات السلامة والإرشادات المتبعة في أماكن العمل والمنشآت الصناعية .
ويشيد الدكتور الحمادي بإجراءات السلامة في دولة الإمارات التي تشدد وتلزم أصحاب العمل والمصانع باتباع شروط صارمة تجاه جميع الصناعات والشركات العاملة بالدولة .
ويضيف الدكتور الحمادي أن الإسعافات الأولية تعتمد على نوع الحرق وحجمه، فالحروق التي تنتج عن المواد الكيميائية تختلف في إسعافها عن حروق الاحتكاك، واستخدام الثلج على سبيل المثال خطر في بعض حالات الحروق وهي من الأمور الشائعة المغلوطة التي يجب تجنبها، بالإضافة إلى استخدام بعض الأغراض الملوثة التي تزيد من الالتهاب والجراثيم، فالومضات إذا كانت غير نظيفة تلوث مكان الحرق وتزيد من التهابه وتكاثر الجراثيم والبكتيريا .
ويشدد الدكتور الحمادي على ضرورة توفير البيئة المناسبة لالتئام الجروح واستخدام المضادات الحيوية والمحافظة على نظافة الجرح، وقال إن هناك تطوراً كبيراً في إنتاج الضمادات الطبية الخاصة بالجروح وخاصة إصابات الحروق، لكن حتى الآن تجدها غالية الثمن من ثم لا يستطيع العامل البسيط شراءها .
وحول أهم التطورات في مجال علاج آثار الحروق قال الدكتور الحمادي أن هناك علاجات جديدة ومتطورة ومنها الضمادات أو غيارات الحروق، وأجهزة الليزر التي تساعد في الحد من الآثار وليس إزالة أثر الحرق .
وأكد الدكتور الحمادي أن أجهزة الليزر لا تستطيع إزالة جميع آثار الحروق وتفيد في بعض الحالات ولا تفيد في كثير من الإصابات .
الإصابات المنزلية والأطفال
وعن الحروق المنزلية تقول الدكتورة سمر فهمي أخصائية الأمراض الجلدية، إنها حدث شائع ، مشيرة إلى أنها من أكثر الإصابات التي يتعرض لها الأطفال بسبب التعامل الخاطىء مع أدوات غلي الماء والقهوة والشاي والزيت الحار والبخار، إضافة إلى الحروق بالمعادن الحارة كما يحدث من ملامسة أفران الغاز والمكواه .
وقالت إن إصابات الحروق تكثر أثناء حفلات الشواء، وهناك أيضاً حروق بسبب التعرض للتيار الكهربائي أو لبعض المواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف في المنازل .
وتعدد الدكتورة فهمي درجات الحروق والإصابات المنزلية بأنها متنوعة، وترتبط درجة خطورتها بشدة الحرق واتساعها وتتدرج من حروق الدرجة الأولى التي تبقى محصورة في الطبقات العليا من البشرة وتشفى بدون ندبات، وقد يحصل فيها فرط تصبغ، وحروق الدرجة الثانية وهي سطحية نسبياً مع حدوث بعض الفقاعات، والترمم والشفاء فيها أبطأ والخمج الثانوي ممكن . مع بقاء فرط أو نقص تصبغ وقد يترك ندبة، أما حروق الدرجة الثالثة فتصيب كل طبقات الجلد العميقة مع ملحقات الجلد وهي تترك مكانها ندبات دائمة في معظم الحالات .
وتضيف "إن التشابه الرئيسي لكل حرق هو الخمج أو الالتهاب، ولا تشكل الحروق التي تصيب أقل من 1% من سطح الجلد مشكلةً لأن الجلد على الأغلب يعيد ترميم نفسه ذاتياً، في حين أن وجود حرق واسع يترك أثراً يصعب التخلص منه" .
وعن طرق العلاج للحروق المنزلية توضح الدكتورة سمر فهمي أن الخطة العلاجية واختيار الأدوية تتحدد وفقاً لشدة الحرق وعمقه، وتشدد على ضرورة وأهمية الاسعافات الأولية التي يجب على المريض تطبيقه وفي مقدمتها غسل منطقة الحرق بالماء البارد (10-25 درجة) فوراً ولمدة 10 دقائق مما يخفف الألم ويقطع الطريق أمام حدوث الوذمة .
وتنصح الدكتورة سمر بتغطية منطقة الحرق بضماد جاف ومعقم مع دهن بعض المراهم المحتوية على الزنك (Zink) أو الألوفيرا (Aloe Vera) لتخفيف الألم، مع مراعاة عدم تفجير الفقاعات المائية المتكونة جراء الإصابة بالحروق من قبل المريض بل يجب تركها للطبيب كي يقوم بفتحها في ظروف تعقيم لتخفيف التلوث بها .
وتشدد الدكتورة سمر فهمي على أن الذهاب إلى الطبيب والمتخصص يعد أمراً ضرورياً لضمان عدم حدوث التهاب ثانوي، ما يخفف احتمال حدوث ندبات، كما يضمن إجراء التدابير اللازمة في حالة الحروق الواسعة والشديدة .
وتوضح أن هناك علاجات عديدة للندبات تختلف حسب مكانها وشدتها، وتتفاوت بين تناول بعض الكريمات الخاصة أو إجراء عمليات تقشير (سنفرة الجلد)، أو قد يتم اللجوء إلى إجراء رقعة جلدية في حالة حروق الدرجة الثالثة .
أجهزة الكمبيوتر المحمول قد تحرق الساقين
حذر باحثون سويسريون من أن وضع جهاز الحاسوب المحمول "لابتوب" على الفخذين يمكن أن يسبب "متلازمة الجلد المحترق"، وهي حالة غريبة تصيب طبقات الجلد العليا بالحروق والتغير اللوني وتجعله يبدو كالخبز المحمص، وقالوا إن السبب هو التعرض للحرارة الصادرة عن جهاز الحاسوب المحمول لفترات طويلة .
ووفقا لدراسة أعدها الباحثون ونشرت في مجلة "طب الأطفال" (Pediatrics)، أصيب طفل عمره 12 عاماً بحروق تشبه نمط الاسفنجة مع تغير في لون الجلد على فخذه الأيسر، والسبب كان استعمال جهاز الحاسوب المحمول عدة ساعات للعب كل يوم لعدة اشهر .
وقد انتبه الطفل إلى أن الجهاز كان يسخن بشكل أكبر من الجهة اليسرى لكنه لم يعر الأمر أي اهتمام ولم يقم بتبديل مكانه أو استخدام عازل بينه وبين الجهاز، واستمر باللعب حتى بدأت الاعراض المؤلمة في الظهور . وفي حالة أخرى، أصيبت طالبة حقوق من ولاية فيرجينيا الأمريكية بحالة من تغير لون الجلد على إحدى رجليها بعد أن استعملت جهاز الحاسوب المحمول لإنجاز بعض الأعمال لمدة 6 ساعات يومياً .
وتقول الدكتورة كيمبرلي سالكي، التي قامت بعلاج الطالبة الشابة، "في البداية لم نعرف سبب ظهور التغير المفاجئ على لون الجلد على إحدى رجليها، ولكن بعد عدة جلسات من العلاج قالت الفتاة إنها غالباً ما تدرس وهي تضع جهاز الحاسب المحمول على رجليها" .
وللعلم فإن حرارة جهاز الحاسوب المحمول يمكن أن تبلغ 52 درجة مئوية .
وتنصح سالكي دائماً باستعمال الحاسوب المحمول على المكاتب قدر الإمكان، أو استعمال عازل مخصص لأجهزة الحاسوب المحمول إذا اضطررت لاستعماله في مكان عام .