تكسب ممارسة الأنشطة البدنية لدى طلاب المدارس، بعداً صحياً ذا أهمية قصوى، الأمر الذي دعا العديد من الهيئات الصحية والعلمية المحلية والدولية إلى أن توصي بضرورة ممارسة حد ادني من النشاط البدني للافراد من جميع الأعمار، بمن في ذلك الطلاب في كافة المراحل الدراسية بدءاً من رياض الأطفال وحتى نهاية المرحلة الثانوية، نظرا للفوائد المتعددة المرجوة من ممارسة الأنشطة البدنية على صحة الطلاب، ومن ضمنها الوقاية من الأمراض الناجمة عن قلة الحركة، والخمول البدني وما رافقها من مشكلات عديدة في الحياة كالبدانة، وأمراض القلب، وتصلب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم، والسكري والضغوط النفسية . مما أدى إلى زيادة اهتمام الدول بتوفير فرص ممارسة الأنشطة البدنية للوقاية من تلك الأمراض، حيث أشارت العديد من الدراسة أن ممارسة الأنشطة البدنية بشكل منتظم ولاسيما في مرحلة الطفولة يقي من الإصابة بهذه الأمراض . حول زيادة حصص التربية الرياضية، وأهميتها يدور هذا التحقيق .
يمارس عبد الرحمن حسن الفلاسي (طالب في الصف الثاني عشر في مدرسة النعمان بن بشير للتعليم الثانوي)، الكرة الطائرة وكرة القدم خلال اليوم الدراسي، ويجد في ذلك فرصة كبيرة لتليين عضلاته وفقدان ما يحمله وزنه من شحوم، نتيجة عدم ممارسة أي نشاط رياضي خلال الإجازة الصيفية . مفضلاً عدم الاشتراك في البطولات التي تحتاج إلى فترة إعداد، على أن يشارك زملاءه اللعب لمجرد الاستمتاع والمرح والترويح عن النفس من أعباء اليوم الدراسي .
وعن ذلك يقول: حصة التربية الرياضية فرصة رائعة لتحريك العضلات، واكتساب اللياقة البدنية . وعلى الرغم من وجود ألعاب كثيرة يدربنا عليها مدرس التربية الرياضية، أفضل كرة القدم والكرة الطائرة، لأن قواعدهما معروفة ويمكن لأي طالب ممارستها .
أما محمد الشامسي طالب في الصف الثاني الثانوي في المدرسة نفسها، فيرى أن التربية الرياضية تبعد الطالب أو الشاب عن العادات السيئة مثل التدخين، وتجنبه السمنة والكسل والخمول . ولحبه الشديد لبناء جسمه، يتدرب الشامسي في إحدى الصالات المتخصصة لرفع الأثقال، ليمارس رياضة كمال الأجسام . وعلى الرغم من حداثة عهده في هذا المجال إلا أن أصدقاءه لاحظوا الفرق في بناء جسده عن ذي قبل .
وعن ذلك يقول: تعودنا خلال المراحل الدراسية المختلفة على ممارسة النشاط، وصارت أجسامنا معتادة على النشاط البدني، لدرجة أننا في وقت الصيف نبحث عن ممارستها في الأندية والصالات الرياضية .
يقول أحمد أشرف (طالب في الصف الثاني عشر في مدرسة الأمير في أم القيوين)، تساعدنا حصة التربية الرياضية على خفض أوزاننا، وتقوية أجسامنا . كما تساعدنا على أن ندرس بذهن صاف عالي التركيز .
وعما يمارسه من رياضات يقول أشرف: أفضل لعبة كرة القدم التي أراها تحوي الكثير من التمارين، ففيها نجري ونقفز لفترات طويلة، كما تتخللها الكثير من الفنيات المشوقة، التي تعود علينا بالمتعة والمرح الكبيرين .
كذلك أستفيد من البرامج الرياضية التي يدربنا عليها مدرس التربية الرياضية في المدرسة في إنقاص الوزن، حيث نقص وزني في العام الماضي خمسة كيلوجرامات خلال ثلاثة أسابيع، عبر ممارسة الرياضة المدرسية وأتباع نظام غذائي خاص .
يقول محمد عبد المؤمن مدرس تربية رياضية بمدرسة الضياء للتعليم الأساسي بأم القيوين: يبدأ التأهيل البدني للطلاب من طابور المدرسي، الذي يحتوي خلال 15 دقيقة مجموعة من التمارين التنبيهية والملينة للعضلات . إذ يأتي بعض الطلاب وقد غلبهم النوم، تحت تأثير بعض العادات التي تبعدهم عن الاستيقاظ نشطين . وتأتي أهمية تلك التمارين الخفيفة لفك العضلات وتنبيه الجسم ولجعل الطلاب في أتم الاستعداد لاستقبال يوم دراسي جديد .
ويضيف: تساعد حصص التربية الرياضية بالإضافة إلى مساعدة الطلاب على التحصيل، وعلى تحديد ميول الطلاب للانخراط في الأنشطة والألعاب الرياضية . فالكثير من الذكور يتكالبون على بعض الألعاب، مثل كرة القدم، ليأتي دور مدرس التربية الرياضية لإيجاد ألعاب أخرى تتوافق مع بنية الطلاب ولياقتهم البدنية، مثل كرة السلة والكرة الطائرة .
أما بالنسبة إلى البرامج الرياضية المعدة لمكافحة بعض الأمراض فيقول عبد المؤمن: أعددنا العام الماضي بالتنسيق مع إدارة التربية الرياضية والصحية في الوزارة، برنامجاً خاصاً بمعالجة مرض السمنة، حيث قمنا بحصر أعداد الطلبة ذوي الأوزان غير الطبيعية . وحددنا لهم برنامجاً غذائياً خاصاً، تتم مراجعته أسبوعياً، ومن يتابع الطلاب هذا العام لا يصدق أن هذه هي هيئتهم البدنية ولياقتهم البدنية التي عرفها في العام الماضي . لدرجة أن أولياء أمورهم طلبوا نفس البرامج لتطبيقها عليهم في المنزل .
تقول إبتسام محمود (مدرسة تربية رياضية في مدرسة النخبة للغات في دبي): أصبحت التربية الرياضية من الضروريات المهمة في العملية التعليمية، نظراً لارتباطها الوثيق بالعملية التعليمية، فكما أن العقل السليم في الجسم السليم، فإن الجسم السليم في العقل السليم . لأن العملية تبادلية بين الجسم والعقل .
ولأن الحركة هي أساس النمو البدني والذهني، اهتم المسؤولون على أعلى المستويات بزيادة حصص التربية الرياضية، إيماناً منهم بحاجة الطلاب إلى مزيد من التقوية العضلية والحركة، لا سيما في المراحل الأولى من التعليم الأساسي، التي يتأسس فيها الحجاز العضلي والعصبي للطالب .
أما أبنتها جنا أنور (9 سنوات) فتقول: ألعب الجمباز مع أصدقائي، واشتريت منذ أيام حذاء خاصاً بتلك الرياضة، وأطمح في المستقبل لأن أشارك في المسابقات المحلية أو العالمية، لأكون بطلة في تلك اللعبة .
ويعلق حسن لوتاه مدير إدارة التربية الرياضية في وزارة التربية ويقول: إن الإيمان بالفوائد الصحية للنشاط البدني قد أدى إلى ايلاء حصة التربية الرياضية داخل الدولة مزيداً من الاهتمام، وذلك من خلال زيادة عدد حصص التربية في كل المراحل الدراسية . لتصبح 3 حصص أسبوعياً، بدءاً من الصف الأول وحتى الصف السابع، وحصتين للصف الثامن حتى المرحلة الثانوية، حيث تؤمن الوزارة باستمرار ممارسة الطلبة للنشاط البدني داخل أسوار المدرسة، في كل مراحلهم العمرية اللاحقة . ما ينعكس إيجابياً في وقايتهم من الأمراض الناجمة عن الخمول البدني، وقلة الحركة مثل السمنة، والسكري، وأمراض القلب وتصلب الشرايين، وهشاشة العظام، والضغوط النفسية وغيرها .
ويضيف لوتاه أن النشاط البدني أو الحركي عنصر مهم من العناصر المعززة لصحة الطالب ونموه في كل مراحله، فالأنشطة الحركية توفر فرصة ثمينة للطلبة يتمكنون من خلالها من التعبير عن أنفسهم، ومن استكشاف قدراتهم، بل وتحديها أحيانا . ويوضح أن الأنشطة الحركية بمقدورها أن توفر جانباً اجتماعياً مهماً، عبر الاحتكاك بالآخرين والتفاعل معهم، حيث تقود التجارب والخبرات الحركية التي يمر بها الطالب، والانخراط مع زملائه من خلال الأنشطة الرياضة، بمعدل لا يقل عن 135 دقيقة أسبوعيا، إلى مساعدته على الشعور بالنجاح، والاستمتاع بالمشاركة، والثقة بالنفس، وتحسين التحصيل الأكاديمي .
ويشدد مدير إدارة التربية الرياضية بالوزارة، على إن مرحلة الدراسة تعد فترة مهمة جداً لتطوير المهارات الحركية لدى الطالب، وتنمية السلوك الحركي الايجابي . كما يرتبط التطور الحركي للطفل ارتباطا وثيقا في تطوره المعرفي، والوجداني، والاجتماعي . فأثناء هذه المرحلة الحاسمة من حياة الطالب تبدأ المهارات الحركية الأساسية بالتطور التدريجي، وفي حالة إجادة هذه المهارات الحركية في الصغر، يمكن للطفل فيما بعد ان يتطور لديه التوافق الحركي مع الممارسة المنتظمة، من خلال حصص التربية الرياضية المدرسية وأنشطة المشاركات الخارجية .
وكما هو معروف أن النشاط البدني والحركي للطلاب يساعد كثيرا في تطوير الجهاز العصبي، فالطفل يولد ولديه ما يقارب 100 مليار خلية عصبية، لا تزيد مع تقدمه في العمر . لكن ممارسة النشاط البدني والحركي بشكل منتظم يزيد من عدد تلك المشابك العصبية، وهي نقاط التوصيل بين تلك الخلايا العصبية . مما يسهم في تطوير وسيلة التواصل ونقل الإشارات والمعلومات فيما بين الخلايا العصبية، وبالتالي حدوث تطور في الجهاز العصبي للطلبة مما ينعكس ايجابيا على تحصيلهم الأكاديمي.
مكافحة الأمراض والقوة البدنية أهم الفوائد
تعد حصص التربية الرياضية من أهم الوسائل الفعالة لرفع وتحسين مستويات النشاط البدني لدى الطلاب . وذلك بسبب التأثير الايجابي لهذا النشاط البدني على صحتهم البدنية والنفسية وعلى نموهم وتطورهم الحركي والعقلي، إضافة إلى زيادة قدرتهم على التحصيل الدراسي والأكاديمي، ويمكن تلخيص أهم فوائد حصص التربية فيما يأتي :
1- ضبط الوزن وخفض نسبة الشحوم في أجسام الطلاب، حيث تشير الدراسات إلى ان الأطفال الأكثر نشاطا هم اقل عرضة للإصابة بالسمنة، وإلى أن ممارسة الأنشطة البدنية في الطفولة تؤدي إلى السيطرة على عدد الخلايا الشحمية ومنع زيادتها مستقبلاً .
2- تعد الأنشطة البدنية التي يتم فيها حمل الجسم، كالمشي والجري والهرولة، والقفز من أهم الأنشطة المفيدة لصحة العظام، وكما هو معروف ان بناء كثافة العظام يتم خلال العقدين الأولين من عمر الإنسان . ما يعني أهمية فترة الطفولة بمراحلها المختلفة من 6 إلى 18 عاماً، في تزويد العظام بالكالسيوم وتعزيز كثافتها، الأمر الذي يقلل من احتمالات الإصابة بهشاشة العظام في الكبر .
3- على الرغم من أن أمراض شرايين القلب لا تحدث غالبا قبل منتصف العمر، إلا أن ممارسة الأنشطة البدنية في مرحلة الطفولة، يفيد القلب والأوعية الدموية . كما أن ممارسة النشاط البدني من قبل الأطفال بانتظام يقود أصلا إلى خفض مخاطر الإصابة بأمراض القلب عند الكبر . كما يسهم في الوقاية من بعض الأمراض المزمنة، كارتفاع ضغط الدم، وداء السكري . حيث أشارات نتائج البحوث أن أمراض القلب، وتصلب الشرايين، تبدأ من عمر الطفولة المبكرة .
4- ممارسة الأنشطة البدنية لدى الأطفال تساعد على تنمية قوة العضلات والأوتار العضلية وتعزز من مرونة المفاصل .
5- الانخراط في الألعاب الحركية، مفيد أيضا للصحة النفسية للطفل، كما أن ممارسة الأنشطة البدنية مع الجماعة أو الأصدقاء يعد عنصراً مهماً للتطور الاجتماعي للطفل .
6- من خلال الأنشطة الحركية المبرمجة يتمكن الطلاب من التعرف إلى كيفية استخدام أجزاء الجسم .
7- من خلال السلوك الحركي واللعب يتم حث الأطفال على التفكير وتجهيز عقولهم للإدراك والتعلم .
8- تؤكد بحوث الدماغ أن ملكة التفكير لدى الطلاب، تتحسن عندما ينخرطون في الأنشطة البدنية، مما يجعل بعض العلماء جازمين أن الجسم هو الذي يعلم الدماغ وليس العكس، فالنشاط البدني ينشط الأماكن الكسولة بالدماغ . ويؤدي لزيادة كمية الدم الواردة للدماغ والمحملة بالأوكسجين والغذاء، مما يؤدي إلى زيادة القدرة على الاستيعاب والتحليل والابتكار والفهم والتذكر .
9- تحد من السلوكيات غير الصحية كالتدخين، وشرب الكحول، والتغذية غير الصحية، والتصرفات العنيفة بين الأطفال من خلال اكسابهم سلوكيات ايجابية نحو الصحة والحياة .
10- تقلل من احتمالات التعرض لخطر الإصابة بالمرض القلبي أو سرطان القولون بنسبة تزيد 50% .
11- إن تعلم المهارات الحركية الأساسية في مرحلة الصغر يساعد الطفل على سرعة تطور توافقه الحركي . الأمر الذي يعزز انخراطه في أنشطة حركية متقدمة فيما بعد، ويساعد على خلق نمط حياتي نشط في مرحلة الرشد والمراحل العمرية اللاحقة ليصبح النشاط البدني أسلوب حياة.