ينصت حمد القابض الطنيجي إلى سيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم عبر المذياع بكل هدوء في الصباح، وعندما يحل عليه المساء يهرب من سكون الليل البهيم في الذيد إلى زحمة العالم الخارجي عبر إذاعة بي بي سيالعربية، يستمع إلى أحداث العالم وتسمع المذيع ماجد سرحان يقول: هنا لندن اليكم العالم هذا المساء . حينها تعلن ساعة بغ بناللندنية الموعد يتوقف على كتف الطريق يعدل ارتفاع اللاقط لموجات الأثير، لكي ينصت للعالم من حوله، بينما انعكس ضوء القمر على جسم السيارة الأحمر، ورائحة ازهار الشتاء تملأ المكان، وهو في طريقه إلى لقاء أصدقائه في الموعد اليومي على ربوه بجوار الفريج، لينقل لهم أحدث الأخبار والأحداث ودليله اليهم النار الموقدة .
هو حمد سعيد القابض الطنيجي ولد وترعرع في الذيد نحو ،1935 تلك الواحة الي تحتضنها الرمال الذهبية، عرفت طفولته كأقرانه من أهل البادية قساوة الصحراء وقلة الموارد إلا من فلج الشريعة، معنى الحياة للذيد، تحمل المسؤولية مبكراً رغم صغره كعادة البدو بالقيام بواجبات الرجال في رعاية العائلة، ومرت الأيام والسنون عليه ورغم عبوسها في وجهه كان يقارعها بالابتسامة .
على بساتين النخيل عند فلج الذيد وظعون البدو كان يتردد، ففي الصيف كان يحصد الرطب وفي الشتاء يمضي مع الراحلين على ظهور الرواحل إلى البوادي بحثاً عن الكلأ، ولم تعرف الحياة سكون وراحة هذه الأيام .
عند تأسيس قوة الساحل المتصالح 1951 في الإمارات انضم الطنيجي إليها، إلى جانب مجموعة من البدو وتلقوا تدريباتهم العسكرية وتنقلوا بين معسكرات القوة من الهمهام في رأس الخيمة إلى المرفأ في أبوظبي، وبعد ان انهى فترة الخدمة العسكرية بدأ بتأسيس اعماله الخاصة بالأموال التي تجمعت لديه من الخدمة في قوة الساحل .
يعد حمد القابض الطنيجي من اوائل من اقتنى سيارة وتعلم القيادة في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، وكان الامتحان الكبير للسائق في المنطقة هو رملة عشيو، فهي السبيل الوحيد والوعر من الذيد . في رحلته إلى الشارقة ودبي وعجمان، عرفته الرمال التي يجتازها ذهاباً وإياباً كل أسبوع، وأفضل توقيت لعبورها هو الليل فحين تبرد الصحراء يسهل على عجلات السيارة أن تمخر عباب الرمال، فمن عرقوب لوغله إلى طوي سيف مروراً برملة عشيو إلى طوي راشد، وعند طوي سيف يتوقف للتزود بالماء وعندها يجد مجموعة من البدو أنهكهم المسير على اقدامهم قادمين من بوادي الذيد في طريقهم للساحل فينقلهم معه على الرحب والسعة، ويطرق أبواب أسواق الساحل للتبضع لدكانه الذي أسسه في أواخر الخمسينات من القرن الماضي على طريق قوافل الابل التي تستخدم وادي الذيد الكبير للعبور، وفي الجانب الآخر تقابل الدكان بساتين النخيل لواحة الذيد مصدر رزق الاهالي . وفي بداية الأمر كان الدكان عبارة عن خيمة من ثم كان البناء من الطوب في 1962 .
يقول: كانت الذيد قرية صغيرة تتمتع ببساتين النخيل حول فلج الشريعة ويحميها حصن الذيد الكبير إلى جانب حصون اخرى على اطراف غابات النخيل أعلى الوادي وبجوارها مخازن التمر (الينز) لكل عائلة مخزن تخزن فيه محصول الصيف لفصل الشتاء، وكانت الذيد معبراً مهماً للقوافل وفيها الكثير من الحيوانات والطيور المحلية التي انقرضت بسبب القنص الجائر .
في العام 1975 أسس حمد القابض الطنيجي أول شركة مقاولات بالذيد ليضع كل خبراته طوال السنين التي مضت من حياته في هذه المؤسسة، التي تعد نقطة تحول لأنه دخل بها نادي رجال الاعمال، الأمر الذي فتح له باب التعرف إليهم في الشارقة مرورا بدبي إلى أبوظبي، مما جعله على تواصل مستمر مع المؤسسين للتجارة بالمنطقة .
على الرغم من أن قاعات الدراسة لم تعرف حمد القابض الطنيجي ومن هم في جيله من الذيد، كان له آراؤه ومناقشاته التي تفوق بها على الكثيرين عبر الإقناع بالدلائل والشواهد من التاريخ .
بقيت العلاقة بين أركان المثلث: الطنيجي ونخيل الذيد وفلج الشريعة قوية على الرغم من منغصات الزمن، وبقي هو الرقم الصعب في معادلة حماية والمحافظة على هذا الموروث، فعبر خبراته المتراكمة التي لم يدخر وسعاً في نقلها للمؤسسات المعنية للحفاظ على تراث الآباء والأجداد، بقي وفياً لنخيل الذيد لإنقاذه حين جفت الشريعة وهب في كل صوب يبحث عن الحلول ومتسلحاً بالمقترحات، حتى كان التدخل السامي من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بحفر الآبار ومد المياه عبر الفلج لإنقاذ بساتين النخيل من الموت المحقق في لمسة حانية تعود عليها سكان الذيد من سموه .
يقول الطنيجي نحن اليوم في نعمة بفضل الرعاية التي شملتنا بها القيادة الرشيدة، واليوم لا نريد سوى المحافظة على هذه البساتين من النخيل والفلج والحصون، التي رعاها وحافظ عليها الآباء طيلة العقود الماضية، ونحن نسلمها لجيل اليوم ليتحمل مسؤولية رعايتها والحفاظ عليها لتبقى رمزاً للمنطقة والاهالي وللأجيال القادمة على مدى تعلق الإنسان بأرضه ووطنه .