لديه من الأسباب ما يكفي ليكتفي الأب في المجتمع الشرقي بأن يلقي بحمل تربية الأطفال على الأم فقط، والاكتفاء بقبلة أو اثنتين واللعب والسؤال للحظة لن تصبح اثنتين، فالعودة من العمل تعني الحاجة للراحة، ومن جهة أخرى يعلم أن التربية من مهام الزوجة منذ أن كان صغيراً وترعرع على هذه الحالة الشرقية، فصورة والده في الذهن هكذا وبالتالي الأطفال للأم وليس عليه مهام سوى تقديم المال الذي يحتاجونه، مع قبلة المساء أو الصباح.
السؤال: هل الأجيال الجديدة التي صقلت بثقافة المزيج بين الغرب والشرق استطاعت أن تتفادى القليل من هذه الحالة؟ وهل عمل المرأة الذي فرض القليل من المشاركة قادر أن يجعل من الأب أقرب إلى المنزل وأطفاله؟ وفي النهاية أليس الأطفال هم بالنتيجة أصحاب المشاعر تجاه الأب؟ والنتيجة أليست منهم وإليهم؟
من المؤكد أن من يشغل مساحة القوة والإحساس بالأمان والعاطفة التي لا يمكن أن يقدمها شخص آخر هو الأب، فمنه الحنان الخاص به والحكمة التي تشكل الحل الوحيد في اللحظات الحاسمة، ومنه الطمأنينة والأمان اللذان لا يمكن أن تقدمهما الأم في معظم الحالات وخاصة في لحظات ضعف الابن والابنة، وكذلك التربية حيث لا يمكن أن تصفق يد الأم بمفردها، والأكيد أنه لن تكتمل شخصية الأولاد إلا بالأب ولا يمكن لأحد أن يعوض الابنة مشاعر الأب التي تثبتها عقدة أوديب.
إذاً الحب والأمان والحكمة والقوة والتربية وغيرها الكثير لن نجدها حتى لدى الأم، فكيف سيكون الحال من دونها أي من دون مقدمها وهو الأب؟ والابن الذي يربى من دونها هل سيستطيع أن يقدمها لأسرته فيما بعد لا سيما وأن فاقد الشيء لا يعطيه؟
العمل الطويل والشاق الذي يفرض على الأب الغياب كثيراً هو أبرز الأسباب التي تجعل مشاعر الأب غائبة أو شحيحة، ولكن أليس من المفترض أن تكون مشاعر الشوق بالمقابل هي المشاعر الطاغية؟
أم حسين عاشت حوالي خمسة عشر عاماً تربي أطفالها بمفردها لأن الأب شبه غائب حيث يحضر إلى المنزل ساعة نهاراً ويعود في الليل متأخراً بعد أن ينام أطفاله فتقول عن تجربتها: تعبت جداً في تربية الأولاد لأن مسؤوليتي شملت الأكل والشرب والنوم واللباس والتدريس والتربية وما إلى هنالك من مشكلات كانوا قد تعرضوا لها، ولكن ما كان يزعج أطفالي أنهم عندما يلتقون بأبيهم يوم الجمعة كان يصرخ فيهم بسبب شجارهم وهذا ما كان يبعدهم عنه أكثر لأنه لا يتفهمهم.
وبعد مرور تلك السنوات اصطدم الأب بالأبناء فجأة وتقول أم حسين الأمر الذي احتاج بالمقابل سنوات أخرى للتأقلم مع بعضهم وإن كانت محاولات الأطفال أكثر من أبيهم.
لينا تقول وهي إحدى أولاد أم حسين: لم يقدم لي أبي أية عاطفة، وكثيراً ما أنظر إلى أب يحمل طفله وأدقق في عيني الأب إن كان مجبراً على حمله أم بالفعل يحبه، أرى أن عاطفة الأب أهم بكثير من تلبية الحاجات.
هذه أقرب حالة للواقع الذي يبرر تحول مكانة الأب من مشاعر إلى واجب بالمنزل، ولكن للحالة نتائجها، لأن لينا لن تطلب غداً من زوجها العاطفة الطبيعية نحو أولادهم وقد تعيش على ردة فعل كبيرة.
الواقع السابق ربما غير مقبول في منزل المرأة العاملة، حيث يجب أن يتشارك الوالدان دورهما في التربية، ما يؤدي لاتصال مستمر بين الأب وأطفاله فيقوم حيناً بدور الأب وحيناً آخر بدور الأم مما يعني المزيد من التواصل والتعايش في أدق التفاصيل وإيجاد الحلول لمشكلاتهم والاحتفال معهم بالأعياد، وهذه حالة نوال الموظفة مع زوجها فراس الموظف أيضاً والذي يقول: لدي ابنتان وهما كل حياتي أدقق في دراستهما وأشجع هواياتهما، وعند مرض إحداهما أنا من يأخذهما للطبيب، أنا أحبهما جداً وكل وقتي لهما، حتى عندما نخرج أيام العطلات أذهب حيثما يريدان ونلعب سوياً، ولكن هل مع كل النساء الموظفات يأخذ الأب هذا الدور بالمنزل؟
تقول زوجته نوال: في الحقيقة لا، لأني أنا من حاولت كثيراً مع زوجي كي يساعدني لأني لن أكون قادرة على العمل داخل وخارج المنزل، ومن ناحية ثانية فراس إنسان متعلم ورجل نشيط، ولهذا دور كبير لأن الرجال الخمولين يتحججون بالتعب.
ولكن فراس أشار لنقطة مهمة جداً وهي أن عمله نهاري فقط وبالتالي يبقى في المنزل أو في حال ذهب إلى أصدقائه لا يتأخر في العودة وليس كحال العمل بدوامين مثل التاجر أو الطبيب وغيره.
ولكن هل يجوز أن نجعل الحياة للعمل المادي فقط كما يفعل البعض؟ أليس قضاء وقت مع العائلة جزء من الحياة اليومية؟ فهو رب الأسرة وهذه المكانة لن يحل مكانها أي شخص آخر والمشاعر النابعة عنها من المؤكد لا غنى عنها، فمن أراد أن يكون حكيماً يجد أن القليل من المادة والكثير من العاطفة للأبناء في مرحلة ما في الحياة هو العمل الصحيح.
وتجد أم حسين أن ابنها حسين حرم من دور الأب ومشاعره، فمن المسؤول عن تخبط ابنها فترة في بداية عمله نتيجة طمع بعض التجار وعدم قدرته على مواجهتهم؟
والسؤال الأدق، أليست مشاعر الأب هي كالأمومة توجد بالرجل عندما يرى طفله أمامه؟ أم أنه يقصر دوره على أداء واجباته الحياتية عندما يقرر أن تكون له أسرة؟
ويطرح السؤال نفسه: هل الأجيال الجديدة المنفتحة والتي تواصلت مع العالم الخارجي عن طريق الإعلام وغيره استطاعت أن تخلق معاملة جديدة؟ فالبعض يرى أن معاملة الشباب مع زوجاتهم تغيرت عن آبائهم وأصبحت أكثر رومانسية وودودة وراقية. وعليه لابد أن تكون أيضاً طريقة الحياة الجديدة خلقت بهذه الأجيال أيضاً رؤية أخرى بالتعامل مع الأبناء.
الحارث، شاب من الأجيال الجديدة تشير زوجته الى أن معاملته لولديه قد تختلف عن معاملة آباء أكبر منه سناً ولكن ليس بالفرق الكبير، على أمل التغيير التدريجي في مجتمعاتنا فزوجته تقول: يلعب مع الأولاد قليلاً في حال لم يكن متعباً أو مضغوطاً من العمل، فالأب قد لا يقدم عاطفة لابنه كل يوم ولكن الأم لا يمكن أن تتغافل عنها يوماً واحداً، كما أشار الحارث الى نقطة مهمة وهي أنه في الآونة الأخيرة أصبحت الأسرة صغيرة ويكتفي الوالدان بولدين أو ثلاثة وعليه يصبح الدلال والعاطفة مركزين أكثر ومكثفين نحو الأولاد ولا يضيعان على كثرتهم. ولكن تبقى التفاصيل الخاصة بالطعام واللباس والنوم خاصة بالأم ولا يمكن أن يصل الآباء إليها بسهولة.
البعض أكد أن الحالة المادية تلعب دوراً كبيراً، فالأب الميسور يعامل أبناءه بطريقة ألطف لأن همومه أقل، أما الأب الفقير فيعارك الليل والنهار من أجل لقمة العيش وبالتالي يبقى الغنج والدلال أقل والقدرة والهمة على الملاطفة أقل.
الإعلانات الغربية التي توضع في طرقاتنا لفتت نظر ريم لأنها لم تر رجلاً يحمل طفله بهذه الروعة في مجتمعنا حيث اعتادت أن يقتصر دور الأب على التوجيه، وما تطلبه الأم أن يقوله لابنه وإن كان هناك القليل من العاطفة فهي للذكر من الأولاد.
محمد يقول: نتيجة عدم اختلاطي بأبي في الصغر أصبحت لدي رغبة في أن أكون قريباً من أولادي كثيراً، ولكن لم يحدث ذلك بسبب عملي الطويل وتفكيري المنصب دائماً بمشكلات العمل، وعندها أيقنت أن الأب لا يمكن أن يكون كالأم مهما قرر أن يكون.
تقول لينا الحسن (علم نفس) إن كانت الأم تراقب الأولاد أثناء اللعب فعلى الأب أن يشاركهم، وإن كانت الأم تقدم النصائح فعلى الأب مراقبة تطبيقها، حنان الأب مغمور بعدة جوانب كالقوة والثقة بالإضافة للمسؤولية، ولإجابات الأب وقع خاص في نفوس الأطفال، فهو القدوة والمثل الأعلى، ومهم جداً مراقبة الأب لأولاده من بعيد وقريب، ولابد من الإشارة إلى أن ضياع عاطفة الأب لها من النتائج الكثير كالتواصل والثقة بالآخرين أو السهولة بالانقياد وراء أشخاص السوء والبعض منها يظهر في أعمار كبيرة.
وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى أن معظم الآباء الذين صادفناهم أكدوا أن مشاعر الأبوة موجودة ولكن تختلف طريقة التعبير حسب طبيعة الأب من جهة وحسب العوامل الخارجية المحيطة به من جهة أخرى، سواء بمعاملة أبيه بالسابق أو الوضع المهني والمادي وغيرها الكثير.