عاشت «آمال» تتمنى أن تتزوج رجلاً في طيبة قلب والدها وحنانه الذي يغمر كل من حوله، لكنها كانت ترفض خيانته لوالدتها وزواجه بفتاة ربما في عمر ابنته، فقد تزوج والدها من والدتها بناء على اختياره فلم يفرضها عليه أحد أويجبره على الزواج، ومع ذلك فبعد ما يقرب من عشرة أعوام رزقهما الله فيها بستة من الأبناء تعرف والدها إلى فتاة صغيرة جمالها يفوق جمال والدة «آمال» حقاً، ولكن أين حق عشرة السنوات الطويلة والأبناء عليه؟ لقد ترك كل ذلك ورفض أن يطلق والدة «آمال» وقسم الحياة بين زوجتيه، لكن العدل لله وحده فبطبيعة الحال كان يميل إلى الشابة الجميلة فكان يقضي معها معظم وقته وأنجب منها أربعة أبناء وبعدها بدأ محاولات تأمين مستقبل أبنائه الأربعة الصغار من زوجته الثانية بحجة أنه لم يبق في العمر ما يسمح له بتربيتهم وتعليمهم مثل أبنائه من زوجته الأولى، فقام بالتنازل عن جزء كبير من ممتلكاته لأطفاله الأربعة. هاجت والدة «آمال»وماجت محتجة على تصرفه الطائش الأهوج واتهمته بظلمه لها ولأبنائها وكان نتاج ثورتها واحتجاجها طلاقها، وبذلك حرمت والدة «آمال» من إنفاق زوجها عليها وأصبحت تنتظر ما يلقيه عليها من فتات كل شهر ومن وقتها لم تفارق المرارة حلقها. كل ذلك أثر في نفس آمال وترسبت داخلها عقدة الخوف من الفقر، وعندما بلغت الرابعة والعشرين من عمرها وكانت قد حصلت رغم ظروفها الصعبة وكل المعاناة التي تواجهها على دبلوم الثانوي التجاري، وبشق الأنفس حصلت على وظيفة في إحدى المصالح الحكومية وتقدم المهندس «حسام» صديق شقيقها للزواج منها ووافقت «آمال» من دون تردد فهي تعرفه حق المعرفة بل كانت معجبة به فهو وسيم ومن عائلة عريقة ومستواه المادي جيد ويعمل مهندساً في إحدى الشركات، وإلى جانب عمله كان لديه إيراد قطعة أرض ورثها عن والديه. تمت الخطوبة وطلب العريس من «آمال»أن تستقيل من عملها بحجة أن دخله يكفي وزيادة للإنفاق على المنزل لكن «آمال» تمسكت بالاستمرار في العمل فهو الشيء الوحيد الذي تثبت وجودها فيه ورفضت هذا المبدأ تماماً فقد كانت على يقين من أن عملها جزء من شخصيتها وأصرت على الاستمرار في عملها فقد سيطر عليها خوفها من المجهول ومن الوساوس التي تراودها بأن زوجها قد يتركها في أي يوم ويطلقها ووقتها تكون قد خسرت كل شيء، فوافق «حسام» على استمرارها في العمل وبعد فترة خطبة قصيرة لا تتعدى شهوراً عدة تم الزواج في حفل جميل وسافر العروسان لقضاء شهر العسل في إحدى القرى السياحية التي طالما سمعت عنها لكنها لم ترها من قبل، وكان الشهر عسلاً بحق التهم فيه الزوجان من السعادة بقدر استطاعتهما، وبعد انقضاء شهر العسل وعودتهما للعمل فوجئت «آمال» بأن «حسام» يطالبها بأن تسلمه راتبها كل أول شهر باستثناء جزء ضئيل لنفقات انتقالاتها على أن يتكفل هو بجميع احتياجات المنزل، لكنها رفضت وأصرت على أن تحتفظ براتبها لنفسها وأن تنفق منه وقتما وكيفما تشاء، وفي الحقيقة كانت «آمال» تود أن تؤمن مستقبلها وكانت لا تريد أن يأتي يوم يتزوج زوجها عليها ويطردها من مملكته فلا تجد لها مأوى كما فعل والدها مع والدتها وكان راتب «آمال» هو الثغرة التي تسربت منها المشاكل إلى العش الجديد الهادئ، وانقلبت الحياة بينهما جحيماً وفي مشاجرة ساخنة بينهما أهان فيها «حسام» زوجته «آمال» انتهت بأن تركت له المنزل غاضبة، لكن شقيقها سرعان ما تدخل للصلح بينهما وأعادها لزوجها أملاً في أن تنتهي هذه الخلافات بالوصول إلى حل وسط بأن تدفع «آمال» نصف راتبها كمساهمة منها في مصروف المنزل، لكن المشاكل سرعان ما تفجرت مرة ثانية بسبب انشغال «حسام» بعمله ففي كل مرة يتأخر فيها تتهمه أنه كان مع امرأة أخرى أو ربما قد عزم على الزواج منها، وكانت تنسج قصصاً وحكايات ليس لها أساس من الصحة، فدائماً صورة زواج والدها مخزونة في ذاكرتها وفي إحدى المرات تأخر«حسام» فاتهمته «آمال» كعادتها بالخيانة، فثار في وجهها واتهمها بأنها مريضة نفسياً ولابد أن تبحث عن علاج لحالتها وحاول أن يقنعها بأنه ليس كوالدها وبأنه لن يتزوج عليها أبداً وإذا حدث وتزوج فستكون هي التي دفعته لذلك بسبب تصرفاتها المرفوضة وعدم ثقتها فيه وإهمالها له وعدم رعايتها لبيتها. ساد الفتور حيات الزوجين وعندما حدث خلاف بينهما جمعت«آمال»ملابسها وتركت المنزل لكنها خلال فترة وجودها في منزل أسرتها اكتشفت أنها حامل فعاد الأمل يتجدد لاستمرار الحياة الزوجية بينهما مرة أخرى لعل المولود يساعدهما على الاستقرار، لذلك عادت «آمال» مجدداً لزوجها ولكن لم يمر غير شهرين حتى تجدد الخلاف بينهما، ففي الحقيقة أن «آمال»لم تقتنع بأن المولود سيكون سبب استقرار حياتهما، فوالدها كان لديه ستة أبناء من والدتها ومع ذلك تزوج عليها وطلقها. تحولت الحياة بين «حسام» و«آمال» جحيماً وتحول المنزل ساحة عراك لا ينتهي واستحكمت الخلافات وتفاقمت المشاكل حتى وصلت إلى طريق مسدود، وفي إحدى المشاجرات التي تعدت التراشق بالألفاظ النابية بينهما اعتدى «حسام» بالضرب على «آمال» وهي ما زالت حاملاً في شهرها السابع، ما جعلها تترك المنزل وتصمم على عدم العودة إليه بل طلبت الطلاق الذي رفضه «حسام» بإصرار، وبعد شهرين وضعت «آمال» طفلتها الأولى وذهب «حسام» من تلقاء نفسه واستخرج شهادة ميلاد لابنتهما، وبعد مرور ستة أشهر على مولد الطفلة لم يبد «حسام» أي استعداد للإنفاق على ابنته وفي الوقت نفسه رفض تطليق «آمال» فتوجهت إلى محكمة الأسرة وأقامت دعوى تطلب فيها نفقة لها ولطفلتها وكان رد «حسام» على هذه الدعوى لم يتوقعه أحد، فقد أقام دعوى أنكر فيها نسب الطفلة ودخل «حسام» و«آمال» في دائرة المحاكم والشكاوى الكيدية فقد قدمت«آمال» ما يثبت أن «حسام» هو الذي قام باستخراج شهادة ميلاد الطفلة بنفسه وهذا يعتبر في حد ذاته اعترافاً صريحاً منه بنسبها، كما جاءت بالشهود الذين أكدوا وجودها في منزل زوجها حتى بلغ حملها الشهر السابع فحكمت المحكمة بثبوت نسب الطفلة، فقد كان هناك زواج شرعي عندما حملت الزوجة بطفلتها. لم تكتف «آمال» بهذا القدر بل أقامت دعوى تطلب فيها الطلاق للضرر واستندت إلى أنها زوجة متعلمة ومن أسرة كريمة وإنكار زوجها نسب ابنتهما يعتبر إهانة لها في شرفها وكرامتها، وبذلك تستحيل العشرة بينهما. أصدرت المحكمة حكمها بتطليق «آمال» طلقة واحدة بائنة للضرر، وتعود «آمال» مرة ثانية لتستكمل سلسلة الدعاوى وتطلب مؤخر صداقها ونفقة المتعة، وتصبح الطفلة الصغيرة ضحية للعناد بين والديها، كما كانت «آمال» من قبل ضحية إهمال والدها وزواجه بأخرى.
قديماً قالوا: «جرائم الآباء يدفع ثمنها الأبناء» والحقيقة أن الحياة تقدم يوماً بعد يوم نماذج لهذه المقولة، منها قصة «آمال»، فعلى الرغم من حبها لوالدها كان هو السبب في عقدتها النفسية وربما في فشلها في حياتها الزوجية. منذ أن وعت عينا «آمال» على الحياة وأدركت كل ما حولها وصورة والدها مع زوجة أبيها لم تفارق خيالها أبداً لاهتمامه بها وبأولادها وإهماله لوالدتها وأشقائها. الليالي الطويلة التي باتت فيها والدتها تبكي حظها العاثر دائماً تمر أمام عينيها.