الأمانة من القيم الإسلامية الرفيعة ومن الخصائص التي ينبغي أن تتميز بها شخصية المسلم . . فالإنسان الأمين ذو ضمير حي وذو قلب سليم، ومعاملاته مع الناس نقية من الشوائب، وعلاقاته الإنسانية تشرق بالحب والإخلاص، وتتسم بالصدق، ونفسه عفيفة، وكفه شريفة نزيهة، يحافظ على حقوق الناس ويصون أماناتهم، فهو موطن الرجاء، وملتقى الثقة، يقبل الناس على معاملته بيعا وشراء، ويأمنونه على ودائعهم وأسرارهم .
لكل ذلك كان اهتمام الإسلام بخلق الأمانة، وكان حرص هذا الدين العظيم على ضرورة أن يلتزم المسلم بهذه الصفة الرفيعة حتى يكون جديرا بثقة الآخرين وقادرا على أداء الأمانات، فالأمانة في نظر القرآن الكريم هي صنو الحكم بالعدل، بل هي الصفة التي تدفع الإنسان إلى الحكم بين الناس بالعدل ولذلك قدمها الحق سبحانه على الحكم بالعدل في قوله تعالى: إِن اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ الناسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ .
يقول الشيخ فرحات السعيد المنجي الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر والداعية المعروف: ما أحوجنا الآن إلى خلق الأمانة بعد أن شاع الغش والتزوير في حياتنا . . ففي كل المجتمعات الإسلامية غش في التجارة حيث أصبح الغش التجاري وباء اقتصاديا واجتماعيا يلحق بنا خسائر فادحة . . وهناك خيانة للأمانة تتمثل في السرقات والاختلاسات والعدوان على المال العام، وهناك غش في الامتحانات حيث أشارت دراسات مزعجة إلى أن نسبة كبيرة من الطلاب يحرصون على الغش في الامتحانات ومثل هذه الانحرافات السلوكية والأخلاقية لا سبيل لنا إلى مواجهتها إلا بالتربية الإسلامية الصحيحة . . فالعقوبات وحدها لا تكفي لمواجهة كل صور الخيانة التي اقتحمت حياتنا وشاعت بين الكبار والصغار .
ويرى الشيخ المنجي أن خلق الأمانة يحمي أولادنا من آفات كثيرة ويعصمهم من تجاوزات خطيرة ويوفر لهم مناخا آمنا في سلوكياتهم ومعاملاتهم ويقول: الأمانة هي أساس كل الفضائل والذي يتربى على الأمانة يعيش حياة سعيدة حيث يثق الناس به، فلا يخونه أحد ولا يشك في سلوكياته وتصرفاته أحد .
المعاملات المالية
والأمانة مطلوبة في كل شيء، وهي أبرز ما تكون في المعاملات المالية، ولذلك كان من أهم القيم والمبادئ التي تقوم عليها المعاملات المالية الإسلامية قيمة الأمانة . . فبالأمانة تشيع الثقة بين المتعاملين . . وبالأمانة تأتي المكاسب والأرباح الحلال، وبالأمانة تستقر المعاملات ولا تحدث الخسائر والكوارث الاقتصادية التي شاعت في عالم اليوم وطال ضررها وخطرها عالمنا الإسلامي .
يقول د .حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر: لو سادت قيمة الأمانة في المعاملات المالية في أمريكا وأوروبا وغيرها من الدول الكبرى لما حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألحقت الضرر البالغ بالعالم كله . . ولو سادت قيمة الأمانة بين المسلمين الآن لما سمعنا وقرأنا عن غسيل الأموال وعن الغش التجاري الذي أصبح من عموم البلوى في كل بلادنا العربية والإسلامية بلا استثناء . . ولو كانت الأمانة موجودة في حياتنا لما كان هناك تملق ولا نفاق ولا خيانة .
ويضيف: إن كل تعاليم وأحكام الإسلام تصب في خانة الأمانة . . فالدين الحق أمانة عند المسلم فلا يجوز له أن يخون دينه، ولذلك يقول الحق سبحانه: يا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ . وَاعْلَمُواْ أَنمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَن اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . . ولأهمية الأمانة في ترسيخ أصول العقيدة وتثبيت الإيمان يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له .
وجوارح الإنسان أمانة وهو مطالب بألا يستخدمها إلا في طاعة الله وفي كل خير، والمال الذي تحت أيدينا أمانة فلا ينبغي أن يستغله الإنسان في معصية الله أو أن يكتسبه من غير وجوهه الشرعية، والأبناء أمانة فيجب على المسلم أن يحسن تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم، وشريعة الله أمانة والمسلم مطالب في كل الأحوال بالوقوف عند حدودها وعدم الخروج على أحكامها . . ولذلك فإن علماء الأمة مطالبون بالأمانة في نقل الأحكام الشرعية للناس .
ظواهر شائعة
وعن الظواهر السلبية التي شاعت في بلاد المسلمين الآن وتكشف عن تلاشي قيمة الأمانة في حياتهم يقول د .حسين شحاتة: من أبرز هذه الظواهر الغش التجاري . . فالغش الآن أصبح في كل شيء، في المكيال والميزان رغم الوعيد الإلهي الوارد في قوله سبحانه: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وهناك الاحتكار الذي شاع في حياتنا التجارية والصناعية وألحق الضرر بالفقراء والأغنياء على السواء رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر منه ويقول في الحديث الصحيح من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ منه الله .
أيضا هناك الرشوة التي انتشرت في بلادنا العربية والإسلامية والتي تعد أبشع صور خيانة الأمانة . . وهناك أيضا استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية . . كل هذه الظواهر السلبية التي شاعت في حياتنا الآن هي بسبب غياب الأمانة .
مواجهة مطلوبة
د . رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر يؤكد ضرورة إشاعة خلق الأمانة في أسواقنا حتى تعود الثقة والطمأنينة بين المتعاملين وحتى يعود الاستقرار إلى هذه الأسواق ويقول: لابد أن نعترف أن غياب الأمانة ألحق بنا خسائر مادية فادحة، فغياب هذه الصفة عن تعاملاتنا كان وراء السطو على أموال الفقراء ومحدودي الدخل في البنوك، حيث استطاعت فئة ضالة منحرفة الحصول على أموال المودعين في شكل قروض من دون ضمانات حقيقية والهروب بها إلى خارج الأوطان، وقد حدث هذا في مصر وفي العديد من الدول العربية ولو كان هناك أمانة لما حدث .
ويضم د . رفعت العوضي صوته إلى صوت د .حسين شحاتة ويطالب بمواجهة جادة وحاسمة لكل الصور السلبية التي شاعت في حياتنا نتيجة غياب خلق الأمانة وفي مقدمتها الغش التجاري والاحتكار ويقول: لقد وصل الغش التجاري إلى الأدوية التي نتناولها لعلاج أمراضنا وتخفيف آلامنا حيث أعلن وزير الصحة المصري مؤخرا أن أكثر من 20% من الأدوية المتداولة في الصيدليات والمستشفيات مغشوشة وغير مطابقة للمواصفات .
وإذا كانت التربية الإسلامية مطلوبة لغرس فضيلة الأمانة في نفوس الأجيال الجديدة منذ الصغر فإن د . رفعت العوضي يؤكد ضرورة تشديد عقوبة كل الخائنين للأمانات، ويقول: الغشاشون والمزورون والمحتكرون يجب أن ينالوا عقابا رادعا، فالتهاون مع هؤلاء والتسامح معهم يعرض أمننا الاجتماعي والاقتصادي للخطر، والله سبحانه وتعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولذلك لابد من تشديد العقوبات لكي تكون زاجرة ورادعة .
لكن الشيخ فرحات المنجي يعود ليؤكد ضرورة أن تقوم أجهزة ومؤسسات الدعوة الإسلامية بواجباتها لمواجهة كل صور خيانة الأمانة في حياتنا ويقول: لابد من التوعية الدينية والاجتماعية بأهمية أن يكون الإنسان أمينا ووفيا في أداء ما عليه من واجبات، ولا بد من أن نكون نحن علماء ودعاة الإسلام قدوة طيبة للجماهير المسلمة في كل مكان، وعلى أجهزة الإعلام أن تقوم بواجبها في ذلك عن طريق إبراز النماذج المشرفة التي تتخلق بخلق الأمانة . . فالموظف الذي يرفض قبول رشوة لابد أن يحظى بالتكريم المادي والمعنوي من جهة عمله ومن كل وسائل الإعلام في المجتمع . . التاجر الصادق الأمين يجب أن يكافأ على أمانته بالمزيد من الحوافز والتسهيلات . . وهكذا .