تُعد الأسرة اللبنة الأولى للبناء المجتمعي المُستقر، لذا يتطلع الكثير من الشباب لتأهيل نفسه نفسياً وسلوكياً وتربوياً قبل عقد العزم على الشروع في مؤسستها وإكمال نصف دينه، فكل شاب يميل بفطرته إلى أن يَظْفَرَ ببيتٍ وزوجةٍ وذريةٍ، وحتى يشتد أركان هذا البيت، يسعى العديد من الشباب إلى التسجيل بدورات وبرامج توسع مداركهم، وترفع مستوى ثقافتهم حول كل ما يتعلق بهذه المؤسسة الشرعية، بغيةَ الإحاطة بكل جوانبها القانونية، والنفسية، والاجتماعية، والدينية، وحتى مهارات التخطيط المالي من إنفاق وادخار.
التقت «الخليج» بشريحة من هؤلاء الشباب الذين يروون في مثل هذه الدورات ضرورة قصوى، وتعرفت إلى أبرز المهارات التي تزودهم بها، من خلال خبراء تربويين واستشاريين أسريين، كما تعرفت على أبرز البرامج والدورات التي تنظمها مراكز التنمية الأسرية في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة.
يرى سعد عبد الكريم أن لدورات التأهيل والتدريب الأسري أهمية كبيرة في تعزيز مهارات التعاملات الزوجية وبناء أُسسها السليمة، حيث تؤدي إلى تقليل المشاكل بين الزوجين، وملابسات عدم الفهم قدر الإمكان، ويتابع: «أسعى بدوري إلى الانتظام في دورات عدة في هذا الإطار، لأنها تكسبني فن التعامل والإقناع والحوار، وتعمل على تغيير سلوكي الاجتماعي بشكل فعلي، مع زوجتي والمحيطين بي، إلى جانب لعبها دور أكبر في خفض المشكلات في سنة الزواج الأولى، وهذا يُدلل على فاعلية برامج التأهيل للزواج ونفعها للفرد»، ناصحاً الشباب جميعهم بالسعي للاستفادة من مثل هذه الدورات لما سيلمسونه من مردود ملحوظ على تعاملاتهم، وواقع حياتهم الزوجية.
ويُثني عبد العزيز الهرن على كلام عبد الكريم قائلاً إنه عند طلب التعيين لأي وظيفة كانت، يتم تدريب الموظف لفترة لا تقل على ستة أشهر (أي نصف سنة)، ومن الأولى أن يسعى الشاب والشابة إلى تدريب نفسه أسرياً، قُبيل الشروع في بناء مؤسسة الزواج، التي ينبغي أن تكون قائمة على اللبنة الأساسية فيها، وهي التفاهم والمودة، لافتاً إلى أن مثل هذه الدورات لا ينبغي أن تكون خياراً أمام الشباب المقبلين على الزواج بل ضرورة واجبة، ولا تشترط على أن تكون في مرحلة الخطوبة فحسبْ، فكم من الأزواج احتاجوا لتوجيهات ونصائح بعد عقد نكاحهم، وهنا تبرز ضرورة مواصلة أخذ مثل هذه الدورات، في مراحل الزواج المختلفة، لتعلم كيفية التعامل مع الأولاد، والزوجة قبل وبعد الولادة، ومراعاة حالتها النفسية، وغيرها من الأمور التي مهما اعتقد الفرد أن خبرته كافية حولها، يجد نفسه جاهلاً للعديد من الأمور، وبحاجة ماسة إلى تعلمها والسؤال عنها.
وتؤيد سمر عيراوي الانضمام لمثل هذه الدورات، خاصة في فترة ما قبل الزواج، حتى تكون الفتاة والشاب على بينةٍ من أمرهما، ومستعدين لمواجهة الحياة بحلوها ومرها، وبكل مسؤولياتها القادمة، وتضيف: «في البداية لم أكن مقتنعة بالتسجيل في مثل هذه الدورات، حيث رافقت صديقتي العروس في إحداها، فوجدتها في غاية الأهمية، وتُفتح مدارك الفتاة العزباء لأساليب التعامل مع الزوج والطرق التربوية السليمة لتربية الأطفال في مراحلهم العمرية كافة، لذلك سجلت فيها وعند تسجيلي في كل دورة كنت أحصد العديد من المهارات وأحصل على شهادة لمشاركتي فيها، الأمر الذي شجعني وزودني بخبرة في أغلب مناحي الحياة الأسرية».
وتشير جيهان إبراهيم إلى أن هذه الدورات من شأنها تقليل معدلات الطلاق المتزايدة في الفترة الأخيرة، بسبب تزويدها بنظرة توعوية للفتاة والشاب عن طبيعة الحياة الزوجية بصعوباتها وتحدياتها، إذ تصقلهم بعدة مهارات، منها الدقة، والقناعة في مسألة اختيار الشريك، والبحث عن نقاط التوافق فيما بينهم، لتلافي المشكلات إلى حدها الأقصى.
وتتابع إبراهيم: «على القائمين على مثل هذه الدورات الإلمام بجوانب التنمية الاجتماعية وأساليب التعليم الأسرية والتربوية، بحيث لا تُوكل مهمة التدريب والتأهيل إلا إلى المختصين والمشرفين، ممن لهم خبرة واسعة وكبيرة في هذا المجال».
وتبيّن إيمان إيناوي أن ابنتها البالغة من العمر أربعة وعشرين عاما انفصلت عن زوجها مؤخراً، بسبب الاستهتار بالعلاقة الزوجية، لذلك يجب على الشباب كافة أن يسعوا إلى الالتحاق بمثل هذه الدورات، لتجنب الطلاق لاحقاً في عمر صغير، وتقول: على المعلمين والمدربين في برامج الإعداد والتأهيل الأسري والتربوي التعامل بإخلاص وتفان تام، ويوهبوا كل ما لديهم من خبرة عملية ومعنوية لهؤلاء الشباب؛ فيعلمونهم الإخلاص واحترام الطرف الآخر ومراعاة حقوقه وواجباته».
بدورها تؤكد لارا الدحنوس على أهمية أخذ هذه الدورات والبرامج؛ لكونها تؤهل الشباب للحياة الزوجية والأسرية، وتساعد على بناء أسرة واعية وسليمة على المدى البعيد، مشيرة إلى أن هذه البرامج التربوية التوعوية ستجعلهم يستفيدون من خبرات وتجارب غيرهم ممن خاضوا هذه التجربة من قبل، وتعلمهم طرق تنشئة الأطفال نشأة سوية، في جو أسري مُفعم بالحب والحنان والتربية الدينية؛ بغيةَ بناء جيل يتقي الله، ويثق في نفسه وقدراته، وينطلق نحو أهداف محددة ويعمل على تحقيقها بكل ما لديه من طاقة.
ويشير الاستشاري الأسري أحمد عبد الله إلى أن دورات التأهيل للزواج تعود على الشباب بأثر نفسي ممتاز بشرط أن تكون مادتها العلمية عميقة وعمليّة، كونها تقدم للشباب «خارطة طريق» لمرحلة الزواج بأكملها، وتزودهم بمفاتيح التعامل
النفسي والاجتماعي مع الآخر، فأن يكون الشاب زوجاً وأن تكون الشابة زوجة أمر يتطلب مهارات، وليس مسألة مُسمى فقط، ومن ضمن هذه المهارات التي يتطلبها الزواج، مهارات التعامل مع الأبناء، حيث إن الناتج الطبيعي لعلاقة الزواج الأبناء، وكما أن تعامل الشاب والفتاة مع بعضهما كزوجين يتطلب مهارات، فإن التعامل مع الأبناء
أيضاً يتطلب مهارات، أهمها مهارة التوافق بين الزوجين ابتداء، لهذا فإن التأهيل قبل الزواج يساعد كثيراً في توفير مهارات التوافق، ويتم الوصول له سريعاً، وبالتالي سيعود
كل هذا على التعامل مع الأبناء بإيجابية كبيرة.
ويضيف عبد الله: «من باب استشعار ضرورة وجود مادة عملية للشباب والشابات، قمت بإعداد كتاب وهو دليل معرفي للمقبلين على الزواج بعنوان«رِحْلّةً عُمْر» أخاطب فيه الشباب والشابات، وأقدم لهم التطبيقات العملية التي تعينهم في وضع خطط لحياتهم الزوجية المقبلة مع آليات عملية في فترة التعارف، ليقرر كل طرف، هل الآخر مناسب له أم لا، مع وضع آلية مسار لفترة الخطبة، لينتقل الطرفان منها إلى الزواج بسلاسة ويسر»، وبالإضافة إلى هذا الكتاب أعمل على تقديم دورات عدة للجمهور، بما يتعلق في فترة التحضير للزواج «الخطبة»، أو في آليات التعارف بين الشاب والفتاة كما أسعى لتقديم مادة علمية عملية في آنٍ واحد، لتكون المعلومة أكثر رسوخاً والفائدة أكثر عمقاً.
وعلى هامش حالات الطلاق المتزايدة في مجتمعاتنا العربية، يرى سالم عبيد، خبير تربوي وأسري، أن الشباب غالباً ما يقبلون على الزواج في أعمار صغيرة، بحيث يجهلون أبسط الأسس الدينية والاجتماعية للتعامل مع هذا الشريك الجديد، لذا يقع غالبيتهم في فخ الخلافات، واللجوء إلى الطلاق بشكل سريع، لحل المعضلة التي وقعوا فيها، مطالباً الشباب بالتريث والاستعداد النفسي والديني والاجتماعي للزواج قبل عقد النية عليه، لأن الحياة الزوجية محفوفة بالمسؤوليات والصعاب، بعكس مايتخيل البعض، حيث يفكر غالبية الشباب أن الحياة الزوجية جنة، ولكن يندهش كلا الطرفين عند ارتطامه بأولى العقبات، ومن هنا تبدأ سلسلة الخلافات.