د . سهام الدين كلداري: يحكمنا انتهاء الدوام لا التجربة

مستشار الشؤون الأكاديمية والبحث العلمي في مؤسسة الجليلة
05:22 صباحا
قراءة 6 دقائق
حوار: أشجان محمود
البروفيسور سهام الدين كلداري مستشار الشؤون الأكاديمية والبحث العلمي في مؤسسة الجليلة تم تكليفه لتولي المنصب من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بهدف تحقيق إنجازات غير مسبوقة في القطاع الصحي من خلال الاستثمار في التعليم والبحث الطبي، يتمتع كلداري بخبرة مهنية طويلة تمتد ل 23 عاماً حيث يشغل أيضاً منصب أستاذ الكيمياء الحيوية والخلايا الجزيئية بكلية الطب والعلوم الصحية ومستشار نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية في جامعة الإمارات، يرى كلداري أن الدولة حالياً تسعى جاهدة لتعزيز مكانة البحث العلمي لتشجع على بناء جيل جديد من الباحثين والعلماء، خاصة أن الفترة الأخيرة ومع تحول الدولة للاستثمار شهدت عزوف الطلاب عن الالتحاق بالتخصصات العلمية الجامعية والتحول نحو الأدبي، يرجع كلداري تفوقه العلمي إلى وجود هدف واحد كان يسعى إليه طوال فترة تعليمه في الخارج وهو النجاح في دراسته وأن يكون فخراً لأبويه والسعي إلى رد الجميل للوطن، ويرى أن الحب هو العصا الوحيدة للتعامل مع الأبناء الذين غرس فيهم أهمية العمل ورد الجميل للوطن .
* حدثنا عن نشأتك؟
- من مواليد بر دبي، أبي كان يهتم بتعليمي وأخوتي، أرسلني إلى عائلة بريطانية انضممت إليها وحصلت على "A level" في الكيمياء والفيزياء والرياضيات وعمري ستة عشر عاماً، وبذلك تأهلت للالتحاق بالجامعة في بريطانيا، وكانت أختي سبقتني إلى الجامعة هناك، ولحق بي بعد عدة سنوات أخي الصغير، وعلى الرغم من أن الحياة لم تكن سهلة في الغربة خاصة مع عائلة أجنبية تختلف عاداتها وتقاليدها عنا إلا أنه كان أمامي هدف واحد وهو الحصول على قدر كبير من التعليم حتى أكون فخراً لوالدي، وأرد الجميل لأسرتي ووطني، ومع ذلك فكان لانضمامي لهذه الأسرة بعض الإيجابيات ومنها أنني أصبحت أكثر انفتاحاً على الثقافات الأخرى واحترمت عادات وتقاليد الآخرين، وفي نفس الوقت كنت أشد حرصاً على الاحتفاظ بعاداتي وتقاليدي وفخوراً بها، والمجتمع البريطاني بوجه عام يحترم العرب وخاصة الإماراتيين ويتفهم طبيعتهم .
* هل كان هناك توجيه دائم من الأسرة وأنت في الغربة؟
- بالعكس لم يكن هناك أي توجيه في تربيتنا، ولكننا تربينا بإشراف ذكي فالأب كان على قدر كبير من التعليم ويتكلم الفصحى ومتفهم لكل أمور الحياة وما يحدث حوله في المجتمع، وكانت نظريته دائماً أن المال يفنى لكن العلم هو الباقي، ولذلك استثمرنا الفرصة التي أعطانا إياها للتعليم في أفضل الجامعات في الخارج على نحو أمثل، وساعدتني الغربة كثيراً في بناء شخصيتي وتكويني كإنسان عصامي، فلم أندم مطلقاً على السنوات التي قضيتها في الخارج .
* كيف التحقت بالجامعة في بريطانيا؟
- نظراً لشغفي بمادتي الفيزياء والكيمياء منذ صغري وخاصة الأخيرة التي اعتبرها لغة الحياة، فكان لدي فضول كبير لمعرفة كل شيء، ولذلك التحقت بجامعة ساوثهامبتون عام ،1987 وتخصصت في دراسة العلوم الحيوية ولكنني بعدها قررت دراسة العلوم الفيزيائية، فدرست الكيمياء الحيوية . وخلال فترة دراستي الجامعية لم يكن هناك غيري من الطلاب العرب الملتحقين بهذا التخصص، وبدأت وقتها طفرة في دراسة العلوم الجينية والكيمياء الحيوية، فأحببت الكيمياء الحيوية لأن معظم الاختبارات تجرى في المختبر، وهناك أساتذة كثر لهم فضل كبير علي أتذكر منهم البروفيسور ريجن وكان يدرسني مادة المنهاج وكيفية وضع الخطط وعمل الأبحاث والتجارب، والبروفيسور وكر الذي شجعني كثيراً وهو الذي أجرى لي المقابلة عند دخولي الجامعة وربما التحقت بهذه الجامعة لحبي لشخصه، والفصل الدراسي الأول كان يتسم بالصعوبة لأنه في المختبر النتيجة لا تكون دقيقة للغاية ويكون الهدف من تكرار التجربة هو الحصول في كل مرة على نتيجة أفضل .
وفي الفصل الدراسي الثاني واجهت كارثة وفاة والدي وأثرت علي بشكل كبير، فكنت أجتهد وكل همي أن أحصل على الشهادة حتى أجعله يفتخر بي، وفي هذا الوقت أخفت علينا الوالدة خبر وفاته لأننا كنا على وشك دخول الامتحانات، وأخبرتنا أنه سافر للعلاج في الخارج، وبعد الامتحانات أخبرتنا السفارة في لندن بخبر وفاته، وحضر بعض أفرادها ليقدموا لنا واجب العزاء، وكانت الصعوبة في العام الأول واجتزته بنجاح وتلاها بعد ذلك العام الثاني والثالث حتى أنهيت التعليم الجامعي وحصلت على البكالوريوس، وكان عدم وجود أبي وضع على عاتقي مسؤولية مضاعفة .
* كيف استكملت دراسة الدكتوراه؟
- في السنة الأخيرة بالجامعة كان ندرس مادة بحث، وقمت بإجراء بحثي عن مستقبلات الأنسولين التي كنا نأخذها من المشيمة، ونحضرها من المستشفى ونضعها في براد ونستخلص منها البروتين ونجري عليها الاختبارات لمعرفة التفاعلات التي تحدث فيها، ففتح ذلك عيني على مجال جديد وهو اتصالات الخلايا، وتعمقت أكثر في دراسة المادة فعرفت أنها أساس الأمراض الأخرى مثل السكري والسرطان، وبعد تخرجي وحصولي على البكالوريوس مع مرتبة الشرف قررت التقدم مباشرة للحصول على الدكتوراه والتحقت وقتها بجامعة امبريال كولدج ودرست اتصالات الخلايا في مجال الربو وكانت فترة الدكتوراه من أجمل فترات حياتي .
* كيف رجعت إلى أرض الوطن والتحقت بجامعة الإمارات؟
- حصلت على الدكتوراه من الكلية الملكية وعمري 27 عاماً وكنت من أوائل من تخصصوا في مجال اتصالات الخلايا، واقترحوا علي هناك الالتحاق بهيئة تدريس لكنني فضلت وقتها أن أرجع وأساهم في بناء كلية الطب في جامعة الإمارات وكانت وقتها تحت رعاية سمو الشيخ نهيان بن مبارك، وأسست فيها أول مختبر لاتصالات الخلايا على مستوى منطقة الشرق الأوسط والخليج، وببناء كلية الطب أحسست أنني ساهمت في بناء أحد الرموز المهمة في الدولة .
* إلى أي مدى ترى اختلاف الخريج الجامعي في أوروبا عن جامعتنا العربية؟
- الخريج الجامعي الذي يدرس الدكتوراه عالم تحت التدريب، المختبرات والمكتبات مفتوحة أمامه 24 ساعة في اليوم، وأبواب العلماء جميعها مفتوحة لاستقباله والكل يشجعه على البحث وإجراء التجارب العلمية، فالبيئة العلمية تشجع على الابتكار والتطوير، وأتيحت لي أيضاً فرص التدريس في الجامعة خلال دراستي للدكتوراه أما هنا فيحكمنا دوام انتهاء العمل وليس انتهاء التجربة .
* هل مازال هناك اختلاف بين الوضع التعليمي في أوروبا عن عالمنا العربي والإسلامي؟
- مازالت هناك فجوة كبيرة في التعليم بيننا، ولكن في الإمارات بشكل خاص أصبح هناك دعم كبير من الحكومة الرشيدة وشيوخها للاهتمام بالتعليم، فأصبحوا يجلبون أفضل الأساتذة من الخارج للتدريس، والفارق أن الطالب فيما مضى كانت لديه الرغبة في العلم والبحث عن المعلومة، ومتحمس تلقائياً ليكون عالماً وباحثاً وذلك نتيجة لتطور المدارس هناك واهتمامها بإيجاد جيل يتعلم كيف يبحث عن المعلومة بنفسه، وحالياً بدأت المدارس النموذجية والخاصة اتباع منهاج البحث العلمي، ونأمل أن يكون الجيل القادم أفضل من الحالي لأن البيئة السابقة كانت تجعلهم يعزفون عن دراسة المواد العلمية والاتجاه لدراسة الأدبي، وكل ذلك ظهر جلياً في افتقادنا للبحوث في المجالات الطبية وصناعة الأدوية، ومؤسسة الجليلة أخذت على عاتقها تقديم ذلك للطلاب من خلال المنح الدراسية التي تقدمها للمواطنين لتشجيعهم على الدخول إلى مجال الطب وإجراء الأبحاث الطبية، وكذلك منح الدراسات العليا .
* بصفتك مستشار الشؤون الأكاديمية والبحث العلمي في مؤسسة الجليلة ما هو الدور المنوط بها للاستثمار في التعليم؟
- الجليلة مؤسسة عالمية غير ربحية تكرس جهودها للارتقاء بمستوى الناس من خلال دعم التعليم والبحوث الطبية، وتقدم منحاً بقيمة تتجاوز 4 ملايين درهم ل 15 باحثاً متخصصاً في المجال الطبي في أبحاث السرطان والقلب والشرايين والسكري والصحة النفسية، وتم اختيار الباحثين بناء على اختبارات اجتازوها تحت إشراف نخبة من العلماء على مستوى العالم، والهدف من ذلك تطوير علاجات أفضل تساعد في التصدي للأمراض الأكثر انتشاراً في الإمارات ومنطقة الخليج والشرق الأوسط .
* هل هناك نتائج أبحاث مبشرة؟
- اكتشفنا طرقاً بحثية نشرت في المجالات العلمية واستفاد منها الكثيرون ويهمنا بالدرجة الأولى الاقتصاد المبني على المعرفة قمنا بإجراء أبحاث كثيرة في مجال السرطان وندرس حالياً موت الخلايا لأن إحدى مشاكل مرض السرطان أن الخلايا لا تموت وتتكاثر فإذا اكتشفنا طريقة تؤدي إلى موت الخلايا سيكون اكتشافاً رائعاً، وحالياً ندرب علماء المستقبل، وهذا كله يصب في مجال الاقتصاد المعرفي المبني على البحوث وهو التفكير خارج الصندوق، وفي معملي نقوم بعمل مزيد من الأبحاث لاكتشاف نظم خلوية يمكن التدخل من خلالها لجعل الخلايا تموت ولا تتكاثر .
* هل اتبع أبناؤك خطواتك في المجال الطبي؟
- لم أرغم أياً منهم على ذلك لدي ابنة التحقت بالطب في جامعة الإمارات والبعض الآخر يدرسون العلوم المصرفية وعلم نفس خارج الدولة، أطلب منهم جميعاً الولاء للوطن، وللعمل الذي يعملون فيه، وحرصهم على أن يكونوا مواطنين صالحين يخدمون الأرض الطيبة التي دعمتهم وشجعتهم، وأنا فخور بهم للغاية وأتعامل معهم بمنطق الصداقة وتعتبر أقوى عصا لتأديب الأبناء هي الحب، فعندما تزرع في قلوبهم الحب سيحققون كل المرجو منهم .
قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5txskuk