د . عاصم حفني: الغرب بدأ يغيّر نظرته للثقافة العربية

بعد الاحتجاجات الشعبية في مصر وتونس واليمن
02:33 صباحا
قراءة 5 دقائق

الدكتور عاصم حفني، واحد من الباحثين المصريين الذين حملوا على أكتافهم إبراز الثقافة العربية في ألمانيا، حيث يعمل محاضراً للدراسات العربية والإسلامية في مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة ماربورغ الألمانية، إلى جانب عمله منسقاً لدراسات العقيدة الإسلامية، وتأهيل الأئمة في ولاية هسن في ألمانيا .

في حديثه إلى الخليج يتناول د .حفني رؤية المثقفين الألمان للثقافة العربية، والتي يعتبرها بدأت تتجه إلى النظرة الطبيعية لإبراز الصورة الصحيحة للمثقفين العرب في ألمانيا، بالإضافة إلى إبراز هذه الصورة في الغرب عموماً .

يقول د .حفني إن تصحيح هذه الصورة بدأ يتضح جليا في الغرب، بعدما شهدت بلدان عربية ما يعرف بربيع العرب، ونجاحها في إسقاط نظامي تونس ومصر السابقين .

وتعرض إلى أبرز الفوارق بين المثقفين العرب والغربيين، ومنها أن المثقف الغربي يتمتع بنقد الذات، عكس الآخر العربي . متناولا الأسباب التي أدت إلى انبهار المثقفين العرب بنظرائهم الغربيين .

الآن . . بعد اندلاع ما يعرف بالربيع العربي، ما نظرة الثقافة الغربية لعالمنا العربي؟

- هناك تغير تدريجي كبير، فهناك رغبة كبيرة في أوساط الثقافة الغربية لفهم العرب والمسلمين، بعدما كان العديد من الأنظمة يستخدم الإسلاميين فزاعة لتخويف الغرب منهم .

وفي المقابل، أدركت الثقافة الغربية أن الشباب العربي على وعي بالديموقراطية، وأنه يستطيع التعايش مع القيم المشتركة بين الجانبين، وهذا لا يعني أن نوجه دعوة إلى شبابنا بالانصهار في تقاليد المجتمع الغربي، بقدر ما نعني التعايش من خلال القيم المشتركة .

ولذلك ظهرت كتابات لمستها في الإعلام الألماني تدعو إلى ضرورة تغيير الصورة الذهنية عن العرب والمسلمين، وأنهم ينبغي أن يقدموا صورة مغايرة في الجوار بين الأنا والآخر .

ما تقييمك لرؤية المثقف الألماني للثقافة العربية، في ظل الصورة الذهنية المغلوطة عن المثقفين العرب، والتي ظلت سائدة في الغرب عموما؟

- رؤية المثقف الألماني وفقا للسياق التاريخي، كانت تتماشى مع التطور التاريخي لتعاطيه مع الثقافة العربية الإسلامية عن الشرق الأوسط وعادات وقيم أهله .

وكان غرض التعارف في السابق إحكام السيطرة والتحكم من جانب الغرب تجاه الشرق، وكان ذلك أقصر السبل إلى التأثير في العقلية العربية، إلى أن جرى تحول جديد بمرور الوقت بتلاشي تعامل العقلية العسكرية الغربية من التأثير في الثقافة العربية لتتجه إلى سيطرة معرفية وثقافية .

ومن هنا بدأ تعامل مختلف مع المثقفين العرب، ترافق معه احتكاك مشترك، وكان لذلك تأثيراته العكسية بأن أصبح المثقف الغربي ينظر إلى الآخر العربي على أنه في صراع مع الذات، وعليه لم يتمكن المثقف الغربي، ومنه الألماني من فهم الشخصية العربية المثقفة، ولذلك لم نتمكن من التوصل إلى شخصية عربية ثقافية خالصة، حتى أصبح يُنظر إليها على اعتبار أنها شخصية تابعة، تعتمد على رد الفعل، وليس الفعل ذاته، وأنها دائما في موقف الدفاع .

هذا الأمر ظهر واضحاً في ألمانيا أكثر من غيرها، لأن لغتها من أكثر اللغات المترجم إليها، فأبرز الكتب التي تصدر في بلدان العالم، تتم ترجمتها سريعاً إلى الألمانية، ما يجعل المثقف الألماني مطلعاً على ما يدور حوله، ومنه الوطن العربي، لأن من بين الإصدارات العالمية، ما يتعلق بالعربية .

هل هذه النظرة في موضعها الصحيح، وإذا كان الأمر كذلك، فما أسباب وصول الصورة العربية إلى هذه الحالة؟

- نعم الأمر يبدو كذلك، ويرجع هذا للشعور العربي بحالة الانبهار بالتقدم الغربي، وإنتاجه الثقافي الغزير، مقابل قلته لدى العرب، فإذا كان المثقف العربي يشعر بأنه دون نظيره الغربي، لغزارة إنتاج الأخير، فإن المثقف الغربي يرى أنه الأكثر تأثيرا في غيره .

ما تفسيرك لحالة الانبهار الدائم من المثقفين العرب بنظرائهم الغربيين؟

- الانبهار له أسبابه، فالمثقف الغربي أحد مقوماته الأساسية أنه ينظر إلى العقل، وليس إلى الظواهر السطحية الخارجية، عكس المثقف العربي الذي ينظر إلى الظواهر الشكلية، وإن كان بالضرورة النظر إلى الجوهر، وما وراء العقل، والبحث في الأسباب التي أدت إلى التقدم والرقي الحضاري .

كما أن أحد أبرز الفوارق أن المثقف الغربي يتمتع بنقد الذات، فأي تجربة غريبة دائما من ينقدها، يستفيد منها إذا رأى منها فائدة له، خلاف تمتعه بالإخلاص، بصرف النظر عن الناحية الدينية، وخلاف أنها فكرة إسلامية بحتة، فإن الإخلاص بالنسبة للغربي هو إخلاص للعمل، وهو ما يؤدي إلى إبداعه . ولذلك نجد المثقف العربي ينبهر بثقافته .

لكن هناك من ينتقد هذه الثقافة الغربية من داخل الأوساط الثقافية العربية ذاتها؟

- هذا صحيح، لكننا نجد أن هناك من ينظر إلى الثقافة الغربية على أنها، جعلت الإنسان شيئا، وأن علاقة الغربي بالدين تحولت إلى علاقة شخصية، بمعنى أدق، تغييب القيم في الغرب، والنظر إلى الدين منتجاً اجتماعياً، وليس وحياً من السماء .

وهذا الرأي لا يمكن بالطبع تعميمه، ولكنه في كل الأحوال موجود بالغرب، وفي الوقت نفسه لا يمكن تعميم هذه النظرة في عالمنا العربي بالنظر إلى المثقف الغربي، ولكنها نظرة موجودة في أوساطنا الثقافية العربية .

وما تفسيرك لأساب انسلاخ المثقف الغربي عن الدين؟

- ربما يرجع ذلك إلى نظرة الكنيسة إلى العلم، وموقفها العدائي منه تاريخياً، وهو ما كان نتيجته هذه النظرة من جانب المثقف الغربي للدين، الأمر الذي جعله ينظر إلى أن القيم يمكن أن ينتجها الإنسان نفسه، وليست نابعة من الدين، بل وينظر إلى الإنسان على أنه مقياس المعايير، وأن ما يرتضيه الإنسان لنفسه هو الخير والأصلح دائما .

وفي الوقت نفسه نجد المثقف الغربي مخلصا لهذه الفكرة، بل ويعمل من أجلها، ولذلك نجده متسقا مع ذاته في تبنيه لها .

أمام العلاقة المتبادلة بين المثقف العرب ونظيره الغربي، كيف تنظر إلى مستقبل الاستشراق في ألمانيا تجاه الثقافة العربية؟

- في الوقت الحالي أصبح هناك تكثيف للدراسات الاستشراقية للعالم العربي والإسلامي، وهو ما يعد امتداداً للدراسات الاستشراقية التي بدأت حول الأدب العربي، ثم إلى العلوم الإسلامية، ومنها وصلت هذه الدراسات حاليا إلى التخصص، وهو ما أفرزته صور متعددة، وليس صورة نمطية واحدة عن العرب والمسلمين .

ومع نظرتهم الايجابية إلى الأدب العربي، فإنهم نظروا نظرة مغايرة تجاه التاريخ الإسلامي، لأنهم وجدوا فيه عدم تعرضه للتطور الفكري، وعدم إعمال العقل، نتيجة لغلق باب الاجتهاد في القرن التاسع، ولكن الصورة تحسنت نسبيا بالنسبة للتراث الأدبي من شعر ونثر، نتيجة الانفتاح، بعد أن كانت هذه النظرة تاريخيا تغريبية بشكل كبير، وهذا الانفتاح زاد بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن اختلف الحال بالنسبة للدراسات الإسلامية، بعدما وجدنا تمويلاً لمشاريع تخدم أهدافاً بعينها . بمعنى أن المهتمين بالاستشراق، وخاصة الإسلامي، كانت تأتيهم أوامر فوقية بدعم دراسات محددة، منها ما يتعلق بالإرهاب، أو ربط الشخصية الإسلامية بطبيعتها القائمة إلى العنف، على حد زعمهم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"