يقول الدكتور محمد يوسف متحدثاً عن الخطوة الأولى رغم التجربة إلا أن هناك خوفاً من الخطوة الأولى أبحث عنها في كل مكان. أين وكيف سأقف ومن سيساعدني على السير.. هل قدمي اليمنى أم اليسرى كيف أتعلم المشي خطوة تلو الأخرى، أنا مشدوه بالبداية.. قلقي يدفعني إلى الاسئلة السرابية.. ولا توجد لها أجوبة أو ربما يتأخر الجواب.. ولكنني سأستمر بالبحث عن الخطوة ولا أحلم بالوصول إليها حتى أكمل الاستمتاع بالبحث عنها. أنا مسكون بأشياء جميلة لا ترونها ولا تشعرون بها.. وسأبقى ألهث حباً في البحر والصحراء والطبيعة كلها.. شمسها وقمرها كم أنا عاشق للطبيعة، أخاف الوصول وتنتهي رحلتي. أكرر أنا لست إلا باحثاً في جماليات مكنونة في النفس.
حوار: محمد إسماعيل زاهر
في عام 1953 ولد الدكتور محمد يوسف وقضى طفولته الأولى بين أماكن عابرة بالناس في الشارقة، حيث كان يلعب مع أترابه من الأطفال ويصنع من الأخشاب والعلب الفارغة ألعاباً تشكيلية بسيطة، ومن الأوراق وبقايا الأقمشة سفناً صغيرة يضعها على شواطئ بحر الشارقة وكثيرا ما ذهب الى خور الشارقة وراقب حركة السفن والمجاديف والأشرعة ومدّ بناظريه متأملاً ذلك البحر العظيم، لعله يري فيه شيئاً جديداً لم تقع عليه عيناه من قبل. ويظل هائماً على وجهه بين كثبان الرمال وشواطئ البحر وبساتين النخيل وأشجار الغاف في وضح النهار تارة وفي الليالي المقمرة تارة أخرى.
ويوسف من رعيل الفنانين الإماراتيين الأوائل، تخرج في كلية الفنون الجميلة في القاهرة سنة 1978 وأسس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في عام 1979 وترأس مجلس إدارتها حتى عام 2003 وأسهم في تأسيس مسرح الشارقة الوطني. كما اسهم في تأسيس جماعة الجدار، والنادي العلمي في الشارقة وبينالي الشارقة الأول عام 1993 وهو أول فنان تشكيلي من دولة الامارات يفوز بجائزة تقديرية فنية من معرض الفنانين العرب عام 1979 وتشرف بتكريم خاص من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وذلك لجهوده المخلصة في تأسيس وتكوين الحركة التشكيلية وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية عام 1995. وكرمه مهرجان أيام الشارقة المسرحية في هذا العام لإسهاماته العديدة في مجال المسرح.
في البداية ماذا يمثل لك التكريم من قبل مهرجان أيام الشارقة المسرحية؟
عندما كرمني صاحب السمو حاكم الشارقة في عام 1995 على اسهاماتي في مجال التشكيل اعتبرت ان ذلك جاء بمثابة الولادة الثانية بالنسبة لي ودفعني الى العمل وبذل المزيد من العطاء. وأعتبر ان التكريم هذه المرة بمثابة الولادة الثالثة والتي ستدفعني الى الاستمرار خاصة أنني كنت قد قررت منذ فترة التوقف عن أي عمل والتفرغ لأسرتي وحياتي الخاصة، ومن ناحية أخرى اعتبر ان هذا التكريم لجيلي بأكمله خاصة صديقي عبدالله المناعي الذي شاركني في خطوات عدة من حياتي. وأهدي هذا التكريم بصفة خاصة الى أبي يوسف وأبني يوسف أيضاً وأراه يمثل رحلة ممتدة من الجد إلى الحفيد تمتليء بالرموز والدلالات.
لقد عاش والدي ظروفاً صعبة وبذل الجهد لكي يؤمن لنا الحياة الكريمة وأتمنى ان يسير ابني على المنوال نفسه خاصة ان ظروفه أفضل. أتذكر أنني عملت في الجيش وفي الطباعة لأستطيع شراء الملابس التي أرتديتها عندما ذهبت الى القاهرة لأدرس الفنون الجميلة. فلم تكن حياتنا مملوءة بالورود. وأوجه الى ابني وجيله رسالة أناشدهم فيها بتأسيس أنفسهم علمياً وثقافياً.
وماذا عن ذكرياتك في المساهمة في تأسيس مسرح الشارقة الوطني؟
مسرح الشارقة الوطني يمثل واحدة من التجارب الناجحة والتي تمت بروح الجماعة، ففي منتصف السبعينات من القرن الماضي رأت مجموعة من الشباب نهضة اقتصادية ضخمة تبدأ في الإمارات ووجدت تلك المجموعة ان الاهتمام منصب على البناء الاقتصادي والعمراني في البلاد فأخذت على عاتقها مهمة البناء الثقافي وانطلاقاً من فكرة تطوير فرق جنينة عدة كانت موجودة على الساحة آنذاك وبمساعدة صاحب السمو حاكم الشارقة تأسس مسرح الشارقة الوطني وبدأ بقوة ولم ينصب اهتمامه على المسرح فحسب وانما امتد لأنشطة ثقافية أخرى وأتذكر اننا عقدنا ندوات لكبار الشعراء العرب امثال محمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة واستضفنا يوسف أدريس في احدى الندوات وأسسنا مجلة الرولة المسرحية والتي لعبت دوراً مهماً في نشر الثقافة المسرحية في الإمارات، واستطعنا اجتذاب العديد من الفنانين العرب مثل صقر رشود وفؤاد الشطي والمنصف السويسي وجواد الأسدي. وتحول مسرح الشارقة الوطني الى جامعة مسرحية كبيرة تخرجت فيها مواهب عدة في التأليف والتمثيل والإخراج والديكور، ولدينا في المسرح أرشيف ضخم يرصد الحياة الثقافية في الإمارات عبر تجلياتها المختلفة لمدة تزيد على ثلاثة عقود.
يلاحظ ان القضايا التي تطرحها الندوات التطبيقية والفكرية المصاحبة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية تدور حول طروحات تتكرر كل عام بشأن النصوص والاخراج والأداء... إلخ فبرأيك ومن خلال مشوارك المسرحي الطويل أين تكمن مشكلة المسرح الأساسية؟
علينا ان نعترف ان من يهتم بأحوال المسرح ويحرص على متابعته هم النخبة، ومشكلتنا الأساسية تتمثل في رغبة خفية وكامنة في أعماق المسرحي للاقتراب من الجماهير ولكن المسرح لا يأتي على رأس أولويات هؤلاء الغنية، فهاك السينما والتلفزيون بالاضافة الى فنون أصبحت شائعة بفضل تقنيات العصر كأغنية الفيديو كليب وغيرها. بالاضافة الى مشاكل أخرى عديدة تتمثل أولاً في ظاهرة غياب النجم وضعف التمويل الذي يفرض على الفرق عدم الاستعانة بنجم مسرحي من مصر أو سوريا أو الكويت، وهناك مشكلة في النصوص وإلا لماذا نشاهد عروضاً كعلي جناح التبريزي؟ هناك اسماء لامعة في مجال التأليف المحلي مثل إسماعيل عبدالله وجمال سالم ولكنهم قلة تدفع احياناً بالمخرج الى تأليف نصه الخاص به. أما الظاهرة اللافتة للنظر هذه الأيام فتتمثل في توجه العديد من المسرحيين الى السينما وهو بمثابة القفز على الحواجز فأنا ممن يعتقدون ان البنية الأساسية الجيدة المتوافرة في البلاد بالنسبة للمسرح لا يوجد ما يماثلها في مجال السينما.
بين المسرح والتشكيل
عملت لسنوات طويلة في المسرح والتشكيل فكيف ترصد العلاقة بينهما؟
أرى هذه العلاقة من زاويتين، الأولى تتعلق بنشأتي وطفولتي، والثانية ترتبط برؤيتي لجماليات المسرح كأحد الفنانين التشكيليين الذين عملوا في المسرح، في طفولتي كنت أرى أبي يقوم بإصلاح الأشياء المكسورة في البيت ويقوم بطلاء الجدران وتلوينها وتزيينها وكنا نسكن بجوار خور الشارقة القديم حيث تأثرت بحركة البحر وصوت الأمواج وانطبعت في مخيلتي الألوان الزرقاء والصفراء وأخذتني حركة المجاديف والأشرعة الى عوالم بعيدة لم تقتصر على كل ما يرتبط بالبحر فحسب وإنما تأثرت أيضاً بمنظر الجمال في سوق العرصة ورحلت بالخيال الى عمان وصحراء رحبة لا نهاية لها. وعندما دخلت المدرسة وجدت كل هذه الأشياء عالقة في الذهن للدرجة التي دفعتني الى عدم الانغماس في الحصص الدراسية وإزاء شقاوتي في الصف لم يكن امام المعلمين من سبيل إلا طردي فكنت أذهب الى شاطئ البحر للاستحمام أو لعب الكرة، وبعد فترة وجدت نفسي في حصص الأشغال التربية الفنية حالياً ومن هنا جاء الدخول الى عالم التشكل مقترنا بشقاوة طفل كان يقلد جميع العاملين في المدرسة بدءاً من المدير وحتى عمال النظافة.
وبعد فترة انضممت الى فريق الكشافة وكنت اول من غنى المونولوج في الإمارات، لقد تضافرت ظروف عدة في نشأتي لأسلك طريق التشكيل والمسرح في الوقت نفسه، وبلا شك هناك علاقة قوية بين المسرح والتشكيل حيث يمكن القول ان المسرح ما هو إلا لوحة تشكيلية متحركة ولقد عملت في المسرح كمصمم للديكور وأدرك كيف توثر جماليات المسرح المختلفة من ديكور وإضاءة وملابس واكسسوارات على نجاح أي عرض.
قمت بتأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في عام 1979 فمن أين جاءتك الفكرة في هذا الوقت الباكر؟
بدأ التفكير في إنشاء جمعية للفنانين التشكيليين بعد عودة مجموعة منهم الى الإمارات في اعقاب انتهاء الدراسة في الخارج، كانت جهودنا مبعثرة فكان لابد ان نفكر في مظلة تجمعنا معاً وعبر جهود عبدالرحيم سالم، وحسن شريف وحسين شريف ونجاة مكي وغيرهم استطعنا تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في عام ،1979 وكنت في ذلك الوقت رئيس مجلس إدارة مسرح الشارقة الوطني وبدأت الجمعية اجتماعاتها في مكتبة المسرح حتى أهدانا صاحب السمو حاكم الشارقة أول مقر للجمعية في شارع الخليج العربي وانتقلنا بعدها الى اكثر من مقر، لقد بدأت الجمعية كفكرة محلية ولم تلبث ان امتدت الى محيطها الخليجي ثم العربي فاستضفنا العديد من الفنانين العرب ولا ننسى مساعدة الشيخ احمد بن محمد القاسمي رئيس دائرة الثقافة والاعلام آنذاك وعبر الدعم المقدم للجمعية من جهات عدة استطاعت ان تسهم في نشر ثقافة الفن التشكيلي في أماكن مختلفة من الإمارات فأقمنا مراسم عديدة منها مرسم رأس الخيمة، ومرسم أبوظبي، ومرسم خورفكان وغيرها. وبعد تحقيق الكثير من أهداف الجمعية فكرنا في الانطلاق الى العالمية ومن هنا جاءت فكرة بينالي الشارقة الدولي للفنون حيث مثل نافذة عالمية للتعرف الى أحدث التجارب العالمية في الفن التشكيلي والاحتكاك بتجارب أخرى ونأمل ان يتوسع البينالي في السنوات المقبلة ويصل بالفن الإماراتي الى العالمية.
في مشروعك الذي تقدمت به للحصول على الماجستير قمت بتقديم فكرة تتمثل في تفكيك كتلة النحت التقليدية واعتماد عناصر جديدة مستوحاة من البيئة مع ربطها بمفاهيم الحركة والزمن حيث عادت مشاهد البحر والمراكب والأشرعة لتكون مادة أساسية في التشكيل فهل يمثل ذلك حنيناً الى الطفولة ورغبة في احياء القديم؟
كان لدي طموح لكسر الأشكال التقليدية في الفن مع احترامي التام لها، ومن ناحية اخرى اتصور ان حب الطبيعة والتفكر في عناصرها هيمن عليّ طوال حياتي فكثيراً ما راقبت حركة الرياح والشمس والقمر وانشأت في بيتي حديقة نباتات مختلفة حيث اراقب نمو الأزهار والثمار ونشأت بيننا علاقة حميمية استطعت من خلالها رصد الأحوال المختلفة للنبات، في حزنه وفرحه ويأسه واقترابه من الذبول، علاقة التأمل تلك رصدتها في أطروحة الدكتوراه عبر دراسة مقارنة بين التأمل عند المسلمين وأتباع الديانات الأخرى في آسيا وانعكاسه على الفن التشكيلي لدى الفريقين، فالمسلم في حالة تأمل دائمة ومتعاقبة على مدار اليوم وعبر الصلوات الخمس بعكس الديانات الآسيوية التي يقتصر التأمل فيها على أوقات يومية محددة وثابتة.
مخاض الخطوة الأولى
في أحد النصوص الموثرة لك هناك خوف وقلق من الخطوة الأولى، ألا ترى ان هناك تناقضاً بين هذا الشعور والعديد من الانجازات التي حققتها؟
كان هناك العديد من الصعوبات في حياتي ومازلت أذكر قراري بالعودة من أمريكا وعدم إكمال رسالة الماجستير حيث كنت أشعر بغربة شديدة هناك بالاضافة الى عوائق عديدة تمثلت في اللغة وعوالمها. لقد ذهبت الى الولايات المتحدة للحصول على الماجستير وعمري 45 عاماً وبالتالي فإن تعلم اللغة في هذه السن أمر شديد الصعوبة، وبالفعل حزمت حقائبي وقررت العودة، وعندما ذهبت لأودع المشرف على الرسالة وجدت اثنين من المعاقين يتحدثان الى الاستاذ بلغة الاشارة، هذا الحدث غير حياتي وعلمني معنى الاصرار وتحمل مخاض الخطوة الأولى والتي قد تأتي في أي وقت من حياة الانسان.
ماذا عن تجربة معرض الخروج الى الداخل؟
بعد عودتي من الولايات المتحدة وجدت ان حياتي قد سرقت في العمل فقررت الخروج الى الداخل في حالة خاصة أتنفس بها ما بداخل نفسي بعد تجربة طويلة بين الرفض والقبول، لذلك قررت العودة الى داخل النفس بعد ان اكتشفت ان التقدم خطوة الى الخلف أو رجوع خطوة الى الأمام أصابتني بالشلل واللاوعي، لذلك سأخرج الى تجربتي الخاصة داخل النفس أي داخل بيتي لعلي أجد ضالتي وحريتي في حوار متجدد مع الطبيعة، ولذلك جاء المعرض داخل البيت، معرض مستمد من عناصر الطبيعة التي احبها.
نقلة نوعية
نعيش للأسف حالة من الأمية الشديدة بالنسبة للقدرة على تذوق الفنون التشكيلية وحتى من يهتم باقتناء اللوحات والأعمال التشكيلية يقوم بوضعها في منزله كديكور للتزيين والتجميل فحسب وحتى الآن لا يستطيع الانسان العادي فهم لوحة كلاسيكية، فما بالنا بالفن المفاهيمي ولكني اعتقد ان كثرة المراسم الخاصة وتعدد المعارض التشكيلية سيسهم في جذب الجمهور إلى الفن التشكيلي. وهناك خطة ستعتمدها وزارة التربية والتعليم قريباً تقوم على إدخال الفن التشكيلي كمادة أساسية في التعليم الابتدائي حيث سيعمل التلميذ على إنجاز أحد المشروعات التشكيلية طوال المرحلة الابتدائية وخلال عمل التلميذ سيتعرف الى كل ما يتعلق بمشروعه وهو الأمر الذي يمثل نقلة نوعية في تقدير حكومة الإمارات لأهمية الثقافة والفنون بصفة خاصة وأتمنى ان تعمل كل القوى المعنية بالثقافة في بلادنا على إنعاش الفنون التشكيلية والدفع بها قدماً إلى الأمام.