ذو النون المصري.. الطريق إلى الله يبدأ بالمحبة

أحد أبرز أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري
03:21 صباحا
قراءة 5 دقائق
كتب: علاء الدين محمود

«إن لله عباداً ملأ قلوبهم من صفاء محض محبته، وهيج أرواحهم، بالشوق إلى رؤيته، فسبحان من شوّق إليه أنفسهم، وأدنى منه هممهم، وصفت له صدورهم؛ سبحان موفقهم، ومؤنس وحشتهم، وطبيب أسقامهم؛ إلهي: لك تواضعت أبدانهم، منك إلى الزيادة انبسطت أيديهم، ما طيبت به عيشهم، وأدمْت به نعيمهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك، ففتحت لهم أبواب سماواتك، وأتحت لهم الجواز في ملكوتك؛ بك أنست محبة المحبين، وعليك معول شوق المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك أنست قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين؛ قد بسطت الراحة من فتورهم، وقل طمع الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم، ولا يفترون عن التعب والسهر؛ يناجونه بألسنتهم، ويتضرعون إليه بمسكنتهم، يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح عما وقع الخطأ به في أعمالهم».
يرسم الشيخ الصوفي ذو النون المصري «179 - 245 ه» عبر هذا النص الذي أورده عنه أحمد بن عبد الله الأصفهاني في كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»؛ الطريق نحو الخلاص، وهو خلاص النفس من أحمالها وأثقالها وشرورها وسيئاتها، فمحبة الله طريق الهدى والنجاة من هم النفس وغمها، وبمحبة الله يتحرر المرء من الطمع والفساد، فتسمو روحه وترتفع، فلا يتلفت المرء إلى الصغائر من الأمور، بل تعلو همته لتعانق عنان السماء بما كسبت ووجدت في محبة الله سبحانه وتعالى، ومحبة الله أيضا تشترط العمل الصالح، وإذ تتخلص النفس من تلك الحمولات الثقيلة التي تشدها نحو الملذات والشهوات، فهي تقترب من الصفاء ووضوح الفكرة والرؤية، فتدخل في مدارج المقربين من الله عز وجل، بالعمل والإيمان الصادق، وعندما تزهد النفس في كل شيء سوى محبة الخالق، عندها تكسب كل شيء، فهي تكسب المعرفة وترى الحقيقة، لأن الزهد يسمو بصاحبه ويطهر روحه ويجعلها مهيأة لمحبة الله سبحانه وتعالي، فيغمرها حينئذٍ نور المحبة الذي يضيء لها الطريق.
إن الله يفتح للمحب أبواب السماء فتأنس بها النفوس المشتاقة، التي قدمت البدن الفاني، فأصحاب هذه النفوس قد تواضعت أجسادهم لله سبحانه وتعالى بفعل الزهد وتجنب الشهوات، فتفتحت عندهم مواضع البصائر، وزودهم الله بالأفهام الحقيقية، فأبصروا ما لا يبصر وسمعوا ما لا يسمع، واطمأنت نفوسهم، ولأصحاب النفوس المطمئنة مقام الرضا والجنان عند رب العزة إذ يقول في محكم تنزيله: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي»، فهم في مقام العباد، أولئك الذين يقربهم الله، لما أخلصوا له من الحب والطاعة، وما بذلوا له من المحبة.

خطاب للراهن

وربما يبدو ما ذهب إليه ذو النون في تلك الكلمات في مقام المحبة؛ راهناً ومطلوباً بشدة في زمن كثر فيه التنطع باسم الدين، وتفشى خطاب الكراهية بفعل جماعات تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فتسيء إلى الإسلام كدين يدعو للمحبة والسلام والتعارف بين الناس، إذ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»، فالناس في حاجة ماسة للخطاب الذي يجمع على المحبة والتعارف، ولا ينفي الآخر ولا يقصيه، وفي كلمات ذي النون تلك نجد سيلاً من المعاني والدلالات التي تشير إلى وجوب سيادة المحبة كخطاب لا بديل له، فالمحبة من قيم الإسلام الحق، الذي يدعو للأخلاق، ويحض على السلام، ويدعو إلى نبذ العنف.
يبين ذو النون في تلك الكلمات طريق محبة الله، التي تخلق رابطة ووثاقاً بين المحبين، هي أقوى من رابطة الدم والعرق والقرابة، هي رابطة المؤمنين في ما بينهم، إذ لا تجمعهم المصالح ليختلفوا، بل المحبة الخالصة لرب العالمين، وتزيد من وحدتهم وقوتهم، وتخلق وشائج عميقة بينهم، ليكون دربهم واحد، وهمهم واحد، وهو الخلاص بالمحبة لله، ليصبحوا من الأصفياء المنارة قلوبهم بمحبة الخالق، وهذه الرابطة هي التي تجمع المؤمنين حقا، وتجعلهم في تواد ورحمة وتعاضد ووحدة.
الحب الخاص هو مذهب ذو النون، وهو منهجه وطريقه، والتواضع إلى الله عز وجل هو السبيل نحو المحبة، تواضع بالأرواح والأبدان، فهو يقول: «من تذلل بالمسكنة والفقر إلى الله رفعه الله بعز الانقطاع إليه»، ويقول أيضا: «لا تسكن الحكمة معدة مُلئت طعاماً»، وهنا دعوة للزهد في الدنيا حتى يكسب المرء ما عند الله سبحانه وتعالى، فيصير غنياً بحبه، وعفيفاً بمودته وقربه، وزاهداً عما عند الناس، ولا سبيل إلى ذلك إلا بطهارة النفس وصفائها، وهو الصفاء الذي يرتقي بصاحبه إلى الإلهام والمعرفة.
وبتلك الكمات ومثلها كان ذو النون يخاطب الناس، فيدعوهم إلى عبادة الله من دون أن ينسوا أنفسهم وحظهم في الحياة، فمنهجه يقوم على التوسط والاعتدال، وتحرير العقل من الخرافة والجهل والسير في طريق الله بنور الهداية، فقد كان إماماً يجمع الناس ويعلّمهم الخير لينقذهم من الشر، عبر الخطب أو عبر الشعر الذي نسجت خيوطه محبة الله سبحانه وتعالى، لتأتي كلماته تحمل ذلك النور البديع، ومرجعيته في كل ذلك هي الإسلام الحق، فقد فهم مقاصده ومراميه كدين يدعو للعدل والإحسان وأن يحب الناس بعضهم البعض ويحبوا الله خالقهم.

صاحب الإشارات الدقيقة

ذو النون المصري هو ثوبان بن إبراهيم، كنيته «أبو الفيض» ولقبه «ذو النون»، أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، ولد في أخميم بمدينة سوهاج في مصر سنة 179 ه الموافق 796م في أواخر عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقد أقام فيها فترة ثم هجرها نتيجة حادثة مفادها أنه سمع يوماً صوت لهو ودفوف، فسأل، ما هذا؟ قيل: عرس. وسمع بجانبه بكاءً وصياحًا، فسأل، ما هذا؟ قيل: فلان مات. قال: أعطى هؤلاء فما شكروا وابتلى هؤلاء فما صبروا، لله علي إن بت بهذا البلد. أبوه كان نوبياً من كبار المتصوفة وأهل الطريق وهو من المحدثين الفقهاء، وقد كتب ذو النون مؤلفات عديدة منها كتاب «حل الرموز وبرء الأرقام في كشف أصول اللغات والأقلام»، وكان من البارعين في صناعة الكيمياء، وتعلم السريانية، وقد روى عن مالك أحاديث عديدة، وكان يرى أن الحديث من أركان الدين، وقد أنتجت الدراما المصرية مسلسلاً تلفزيونياً عن حياته وأفكاره عام 1997، حمل اسم «ذو النون»، وجسد دوره الممثل ممدوح عبد العليم.
وصفه عبد الرؤوف المناوي في كتابه «الكواكب الدرية» بأنه: «العارف الناطق بالحقائق، الفائق للطرائق، ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، والصفات الكاملة، والنفس العاملة، والهمم الجلية، والطريقة المرضية، والمحاسن الجزيلة المتبعة، والأفعال والأقوال التي لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها، وأشرق بنوره ليلها ونهارها».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"