رؤية نقدية ... الانتصار على الطبيعة

01:31 صباحا
قراءة 3 دقائق
قام المجتمع الحداثي الأوروبي على نظرية تسييد الإنسان على الطبيعة وإخضاعها لسيطرته. هذا هو القصد المختل الذي استنزل ديكارت الوعي الفلسفي إلى دركه، وهو القصد ذاته الذي عبر عنه فرنسيس بيكون رغم أن الآلة المنهجية التي ابتدعها للوعي الفلسفي كانت مغايرة لقواعد المنهج الديكارتي. لكن رغم هذا الاختلاف البين بينهما فقد التقيا في التعبير عن المقصد نفسه؛ الأمر الذي يؤكد أن لحظة التأسيس الفلسفي للحداثة كانت خاضعة - عند مختلف التيارات المؤسسة للوعي الحداثي - لمنطق الصراع بين الإنسان والوجود لا لمنطق التقارب والتناغم.وبالثورة الصناعية كان انتقال التقنية من مستوى الأداة إلى مستوى الآلة إرهاصا بتحول خطير الأثر، لم يكن بالإمكان كشف أبعاده بسهولة في لحظات التحول الأولى للمجتمع الحداثي الصناعي. وهذه الخطورة تكمن في واقعة الآلة نفسها، بحكم كونها مستقلة في فعلها عن الإنسان، عكس الأداة المرتهنة بأنامله. ومن ثم أصبحت التقنية الآلية، باستقلال حركتها وآليات وشروط تطورها، منفلتة من سيطرة الإنسان وتوجيهه. ولهذا سرعان ما أخذ يرتسم في أفق المستقبل العلمي نوع من فوبيا التقنية، حتى كثر التحذير من استمرار الانسياق في تطويرها، بل الخشية من التقدم العلمي بأكمله، فتنادت الدعوات إلى إيقافه.لكن لماذا كل هذا التشاؤم من مستقبل التقدم العلمي والتقني؟ ألا يشكل التقدم العلمي وإفرازاته التقنية رمز انتصار الإنسان على الطبيعة؟بلى إن اصطناع التقنية من طرف الكائن البشري كان مدفوعا بوهم السيطرة على المحيط الطبيعي وإخضاعه. ومع شيوع التقنية وتطورها المستمر أدى إلى توسيع المسافة بين الإنسان والطبيعة حتى انتهى بالتدريج إلى إخراج الكائن الإنساني من عالمه الطبيعي إلى عالم مصنوع مفبرك. وهذا ما أسس لوسط وجودي جديد مس الكائن البشري ذاته نفسياً وجسمياً؛ لأن الإنسان كائن طبيعي بفعل خلقته، وكلما زاد التباعد بينه وبين الطبيعة، فإن ذلك يؤدي إلى الإخلال بتوازنه. وقد لاحظت العلوم الإنسانية أن كثيرا من الأمراض النفسية والجسمية والاجتماعية التي تصيب الإنسان اليوم، وتخلخل نمط عيشه راجع إلى هذا المناخ التقني الآلي الذي استدخل فيه الكائن البشري. ومن هنا تستمد كل الأحزاب والمنظمات المدافعة عن البيئة مسوغاتها ومبرراتها الواقعية والنظرية لمناهضة هذه الآلية الضاغطة المتغلغلة في نسيج الحياة البشرية كأخطبوط. ولذا حتى لو اعتبرنا التقنية قد حققت سيطرة الإنسان على الطبيعة، فإن هذا الهدف ليس ايجابيا، بل هو مزلق خطير؛ لأن السيطرة على الطبيعة وتغييرها يمسان الإنسان أيضا، إذ يفقدانه المحيط الطبيعي الضروري لنموه النفسي والجسمي السليم. ولذا فما كان ينظر إليه كانتصار على الطبيعة بتوسل التقنية أصبح هزيمة لحقت الإنسان بفعل ثأر الطبيعة لنفسها منه ومن تقنيته على حد سواء.إذن ليس هناك انتصار على الطبيعة، إنما هزيمة للإنسان. فالتقنية لا تستطيع أن تكون بديلا للطبيعة، بل بمقدار شيوع المدنية الميكانيكية، بمقدار ما يزداد الاختلال النفسي في دواخل الكائن الإنساني؛ ويزداد جوعه إلى الطبيعة التي دمرها بنفسه. هذا الاختلال الذي يجعل حضور الإنسان إلى الطبيعة ضرورة لازمة. وهذا ما يتجلى في تلك الحلول المحتشمة، التي لم يجد الفكر الغربي غيرها، حلول يمكن تلخيصها في تلك الوصايا التي حفل بها كتاب روني دوشيت حصيلة الحضارة التقنية، التي تتلخص في حاجة الإنسان إلى الهروب! تلك الحاجة التي لابد لكل فرد أن يجتهد لإشباعها بين حين وآخر، وإلا فلن يتحقق توازنه النفسي.لكن الهروب من ماذا؟إنه الهروب من المدينة ومناخها الآلي الجاف إلى الطبيعة، بعيدا عن المكتب والشركة والمصنع إلى الحقل الأخضر والجبل والبحر والقرية الصغيرة. الهروب من الجدران الإسمنتية إلى الطبيعة حيث يسيح البصر فيرى الأفق البعيد، وتخطو القدم بحرية وطلاقة، لا تعترضها سيارات ولا علامات حمراء.. ضروري جدا هذا الهروب للعود إلى حضن الطبيعة الحقيقية، لا تلك الطبيعة المفبركة التي تصنعها المدينة في حدائقها المغلقة.د.الطيب بوعزة[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"