عاد أبو حامد إلى الأندلس، ولكنه لم يقم فيها طويلا ، إذْ غادرها سنة 511 هجرية ولم يعد إليها البتّة، فكانت السنوات الأربع والخمسون الباقية من حياته ارتحالاً مستمراً موصولاً برحلته الأخيرة إلى جوار ربّه.
حرص الغرناطي في رحلته الثانية على أن يعود إلى مصر بطريق البحر، فمرّ بجزيرة سردينية، فصقلية، إلى أن وصل إلى الإسكندرية، ثم القاهرة، ممّا يدل على أنه لم يقضِ وطره من مصر؛ فأقام بها زمناً لينتقل بعدها إلى بغداد حيث مكث فيها أربع سنوات في رعاية الوزير يحيى بن هبيرة الذي عُرِف بحبه للعلم، ورعايته لأهله.
نحو شمال أوروبا: توجه الغرناطي إلى الأصقاع الشمالية بعد أن ناهز الخمسين من العمر، فمر بأبهر (إيران) سنة 524 هجرية. ثم عبر قزوين متجهاً إلى البلاد الروسية، فوصل إلى مصب نهر الفولغا. وفي أثناء إقامته في تلك البلاد قام برحلات ثلاث إلى خوارزم (أوزبكستان). ثم وصل إلى بلغار (روسيا) سنة 530 هجرية، وبعدها توجه إلى باشغرد التي يرجّح الباحثون أنها في بلاد المجر حيث امتلك فيها منزلاً، وفيها تزوّج ولده الأكبر حامد بسيدتين من أهل تلك البلاد، ولا نعلم شيئاً عن الملابسات التي قادت ولده الأكبر إلى تلك الأراضي، واختيارها مقراً للإقامة الدائمة.
عاد الغرناطي من رحلته الآسيوية الأوروبية إلى بغداد سنة 554 هجرية بعد غيابٍ دام نحو ثلاثين عاماً، ليحل ضيفاً مرةً أخرى على الوزير ابن هبيرة، وفي تلك الأثناء رفع إليه كتابه المسمى (المعرب عن عجائب المغرب).
وبعد ثلاث سنوات نجده في ضيافة الشيخ معين الدين عمر بن الخضر الأربلي بالموصل، وهذا الشيخ الذي أثنى عليه أبو حامد ثناءً جميلاً، هو الذي حثّه على تدوين مشاهداته وتجاربه في كتاب ينتفع به الناس. فأجابه إلى طلبه بتأليف كتابه تحفة الألباب ونخبة الإعجاب.
ثم انتقل من العراق إلى الشام، فأقام بحلب سنوات عدة، ليتوجه بعدها إلى خراسان، ويعود بعد ذلك إلى دمشق حيث توفي فيها سنة 565 هجرية وقد قارب على التسعين.
تدوين الرحلة: دوّن الغرناطي كتابه تحفة الألباب ونخبة الإعجاب بالموصل سنة 557 هجرية، وجعله في أربعة أبواب: الباب الأول: في صفة الدنيا وسكانها من إنسها وجانها والثاني: في صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان. والثالث: في صفة البحار، وعجائب حيواناتها، وما يخرج منها من العنبر والقار، أما الرابع: ففي صفات الحفائر والقبور، وما تضمنته من العظام إلى يوم النشور.
المستشرقون يهتمون: حظيت تحفة الغرناطي باهتمام المستشرقين الغربيين، والمستعربين الروس منذ نهايات القرن الثامن عشر، في الوقت الذي لم تحظ فيه باهتمام يذكر من قبل الدارسين العرب والمسلمين في القديم والحديث. وأول من أعمل النظر في هذا الكتاب هو المستشرق الفرنسي الكبير (رينو).
أما المستشرق الألماني (جورج جاكوب) فقد رأى (أن التحليل الدقيق لرواياته المنسوبة إلى محيط الأساطير قد يكشف في كثير منها عن أسس واقعية، وعن دقته الكبيرة في الملاحظة).
كما يرى كراتشكوفسكي أن الغرناطي قدّم معطيات قيمة عن بعض بلدان أوروبا، كذكره للألمان تحت اسم (نامس)، وحكايته عن هنغاريا التي تُلقي ضوءاً على أصل المسلمين الهنغاريين ووضعهم، كما يرى أن وصفه لرومة ينطبق على القسطنطينية لا رومة نفسها.
أما معطياته عن حوض الفولغا الأوسط والأدنى، وعن شعوب القوقاز فهي تمثل أهمية كبرى. كما نالت اهتماماً كبيراً قصته عن تجارة العظام المندثرة التي نشطت بين سكان الفولغا وخوارزم.
وفي رأيه أن مؤلف الغرناطي اكتسب شهرة لدى جمهرة القراء من بعده لجمعه بين معطيات واقعية، وضروب من العجائب مختلفة في وحدة كوزموغرافية راقت للأجيال التالية مما جعل كلا من القزويني، وابن الوردي، وابن إياس، والدميري، والأبشيهي ينقلون شذرات منه.
على أن بعض المؤرخين العرب أصدروا بحق الغرناطي أحكاماً سريعة ومقتضبة لا تقوم على أساسٍ من الاستقصاء والتحليل، فمنهم من أثنى عليه، ومنهم من اتهمه بالكذب.
ابن عساكر يشكك بالغرناطي: أما ابن عساكر فقد وصمه بالكذب. في حين أن معطيات الغرناطي تسوّغ الرأيين معاً، إذ ذكر وقائع رآها بأم عينه أثبت البحث صحة بعضها، مثلما ذكر أموراً يصعب تصديقها لأنها تدخل في باب الخوارق والأساطير كالعملاق - المار ذكره - الذي رآه في باشغرد، والسمكة التي يضيق بها مجمع البحرين (مضيق جبل طارق) فترجع إلى البحر الأسود (المحيط الأطلسي)! فهذا الكتاب فيه مشاهدات عديدة يصعب تصديقها.
ومما يجدر ذكره أن الغرناطي ألف كتابه بعد أن قارب الثمانين، جامعاً بين دفتيه خلاصة نصف قرن ممّا عاينه خلال ترحاله في بلاد الله الواسعة، فمن منا لا تخونه الذاكرة في مثل هذه السن؟
ومع كل ذلك، والكلام لا يزال للمحقق، فلا بد من أن نسجل للغرناطي إعجابنا بتلك الروح المغامرة، والهمة العالية التي لا تعرف الكلل، وهذا الفضول العلمي الذي يدلّ على رغبة حثيثة في الاطلاع والتنقيب عن الغريب والعجيب في هذا العالم، من قبل رجل تجاوز الخمسين من العمر جرؤ على اقتحام هذه الأصقاع النائية، وتحمل مشاقّ السفر والترحال، والإقامة في بلادٍ مغايرة متعدّدة الأعراق، واللغات، والأديان، والعادات، وهو لا يمتلك - على الأرجح - سوى الإسلام سلاحاً في هذه الرحلة الطويلة الشاقة يحمله بين جنبيه ليعلّمه، وينشر تعاليمه بين أقوام أكثرهم حديثو عهد به، وهم بحاجة إلى من يوضح لهم معالمه، ومراميه، والعمل به على نحو جليّ.
وصف إفريقيا: يقول أبو حامد الغرناطي في وصف إفريقيا وأصقاع أخرى: وقد بقيت من المائة سنة المعمورة عشرون سنة منها أربع عشرة لأنواع السودان وبلادهم مما يلي المغرب الأعلى المتّصل بطنجة ممتداً على بحر الظلمات. وقد أسلم من ملوكهم فيما يقال خمسة قبائل، أقربهم غانة ينبت في رمالهم الذهب التبرُ الغايةُ، وهو كثير عندهم. يحمل التجار إليهم (حجارة) الملح على الجمال من الملح المعدني، فيخرجون من بلدة يقال لها سِجل ماسة آخر بلاد المغرب الأعلى، فيمشون في رمال كالبحار، ويكون معهم الأدلاء يهتدون بالنجوم وبالجبال في القفار، ويحملون معهم الزاد لستّة شهور فإذا وصلوا إلى غانة باعوا الملح وزناً بوزن الذهب، ورب ما باعوه وزناً بوزنين أو أكثر على قدرة كثرة التجار وقلّتهم.
وأهل غانة أحسن السودان سيرة وأجملهم صوراً. سبط الشعور، لهم عقول وفهم. ويحجّون إلى مكّة. وأما فَاوَةَ، وقوقو، وملي، وتكرور، وغَد امِسْ، فقوم لهم بأس وليس في أرضهم بركة، ولا خير في أرضهم، ولا دين لهم، ولا عقول. وأشرهم قوقو، قصار الأعناق، فطس الأنوف، حمر العيون، كأن شعورهم حبّ الفلفل، وروايحهم كريهة كالقرون المحرقة. يرمون بنبلٍ مسمومة بدماء حيات صفر لا تلبث ساعة واحدة حتى يسقط لحم من أصابه ذلك السهم عن عظمه، ولو كان فيلا أو غيره من الحيوانات والأفاعي.
وجميع أصناف الحيات عندهم كالسمك يأكلونها، لا يبالون بسموم الأفاعي، ولا الثعابين إلا بالحية الصفراء التي في بلادهم، فإنهم يأخذون دمها لسهامهم. وقسيهم صغارٌ قصار. رأيتهم في بلاد المغرب، ونبلهم. ورأيت قسيهم وأوتارهم من لحاء الشجر الذي في بلادهم، ونبلهم قصار، كل سهم شبر، ونصالهم شوك شجرٍ كالحديد في القوة، قد شدوه في نبلهم بلحاء شجر، يصيبون الحدقَ. وهم شر نوعٍ في السودان. وسائر السودان. يُنتفع بهم في الخدمة والعمل إلا قوقو فلا خير فيهم إلا في الحرب.
ويجيء من بلاد السودان أنواع من جلود الماعز مدبوغة دباغة عجيبة، الجلد الواحد يكون غليظاً كبيراً ليناً محبّباً في لون البنفسج إلى السواد، يكون الجلد الواحد عشرين منّا يُتخذُ منه الخفافُ للملوك. ولا يبلّ بالماء، ولا يبلى، ولا يفنى مع لينه ونعومته وطيب رائحته. يباع الجلد (الواحد) بعشرة دنانير تبلى خيوطُ الخفّ، ولا يبلى هو ولا يتقطع، فيغسلونه في دورة المياه بالماء الحارّ فيعود كأنّه جديد يتوارثه صاحبه من أبيه عن جده وهو من عجائب الدنيا.
يأكلون الكلاب: ومن أنواع السودان زيلع، وهم أعف أهل السودان، مسلمون يصومون ويصلون ويحجّون إلى مكّة كل سنة مشاة. وبلاد السودان إلى الزنج والبحار (مسيرة) أربع عشرة سنة، يأكلون الكلاب، ويفضلونها على الغنم ويأكلون الفأر.
ويبقى من المائة سنة العمران ست سنين (بين) الحبشة والهند والصين والفرس والترك والخزر والصقالبة والروم والإفرنج والنامس واللكزان والطالشان والعرب وأهل اليمن والعراق والشام ومصر وأندلس إلى رومية العظمى.
وعند صنعاء أمة من العرب قد مُسِخوا كل إنسان منهم نصف إنسان له نصف رأس، ونصف بدن، ويد واحدة، ورجل واحدة، يقال لهم وبار. هم من ولد إرم بن سام أخي عاد وثمود. وليس لهم عقول. يعيشون في الآجام، (و) في بلاد الشجر على شاطئ بحر الهند، والعرب تسميهم النسناس، ويصطادونهم ويأكلونهم وهم يتكلمون بالعربية (ويتناسلون) ويسمّون بأسامي العرب ويقولون الأشعار. ورأيت في تاريخ صنعاء ذُكِرَ أن تاجراً سافر في بلدهم فرآهم يثبتون (لعلها يثبون). على رجل واحدة، ويصعدون الشجر، (ويفرون) خوفاً من الكلاب أن تأخذهم.
ناس بلا رؤوس: وفي بلاد السودان أمة لا رؤوس لهم، ذكرهم الشّعبي في كتاب (سير الملوك)، وذكر أن في فيافي بلاد المغرب أمة من ولد آدم كلهم نساء، ولا يكون بينهم ذكر ولا يعيش في أرضهم، وأن أولئك النساء يدخلن في ماء عندهن، فيحملن من ذلك الماء فتلد كل امرأة بنتاً، ولا تلد ذكراً البتة، وأن تبع ذا المنار وصل إليهن لما أراد أن يصل إلى الظلمات التي دخلها ذو القرنين، والله أعلم. وأن ولده إفريقسون بن تبع ذا المنار هو الذي بنى مدينة إفريقية، وسمّاها باسم نفسه، وأن والده تبع وصل إلى وادي السبت وهو واد بالمغرب يجري فيه الرمل كما يجري السيل لا يمكن حيوان أن يدخل فيه إلا هلك، فلما رآه استعجل الرجوع، وذو القرنين لما وصل إليه أقام إلى يوم السبت، فسكن جريانه فعبر إلى أن وصل إلى الظلمات فيما يقال . والله أعلم.
وأولئك الأمة الذين لا رؤوس لهم أعينهم في مناكبهم، وأفواههم في صدورهم، وهم أمم كثيرة كالبهائم يتناسلون، ولا مضرة على أحد منهم، ولا عقول لهم . والله أعلم.
والعدل الكثير، والنعمة الجزيلة، والسياسة الحسنة، والرخاء الدائم، والأمن الذي لا خوف معه في بلاد الهند، وبلاد الصين. وأهل الهند أعلم الناس بأنواع من الحكم على الطب، والنجوم والهندسة والصناعات العجيبة التي لا يقدر أحد سواهم على أمثالها. وفي جبالها وجزائرهم ينبت شجر العود، وشجر الكافور، وجميع أنواع الطيب كالقرنفل، وجوز بوا، والسنبل، والدار صيني، والقرفة، والسليخة وقاقلّة، وكبّابة، وبسباسة، وأنواع العقاقير (والأدوية). وعندهم حيوان المسك الفائق، وهو حيوان كالغزال يجمع المسك في سرته، وعندهم حيوان الزباد، وهو نوع من الطيب وذلك الحيوان كالسنّور يحمل إلى بلد المغرب. وذلك عرق يؤخذ من ذلك الحيوان كالقطران الأسود ثخيناً يسيل من جسده، وتزيد رائحته بالمغرب بحيث يكون أذكى من المسك، ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت وأكثرها في جزيرة سرَنْديب، وعلى جبلها نزل آدم عليه السلام من الجنة في ما يقال.
بلاد الصين: وأما بلاد الصين فهي كبيرة، وملوكها أهل عدل وإنصاف وهم (أكثر) من أهل الهند أضعافاً مضاعفة وفي أرضهم نِعَمٌ كثيرةٌ، ولهم أنواع من الصنائع لا يهتدي إليها غيرهم كالفخار الصيني، والديباج، وغير ذلك، وهم كأهل الهند لا يأكلون الحيوان، (ولا ما يخرج من الحيوان) كاللبن والعسل، وإذا مرض منهم أحد يُعطي القصّاب مالاً بقدر ما يرضيه أياماً، ويقول: أعتق الحيوان من الذبح أياماً معدودة على قدر ما يرضيه، وإذا مات بينهم غريبٌ وله أحمال من الأموال لا يتعرضون لتركته، ولا لشيء من ماله وأولاده ونسائه، ويحترمون التجار من المسلمين غاية الاحترام، ولا يؤخذ منهم أعشار (في بيع وشراء) ولا مكس.
خبر رومية العظمى: وهي مدينة عجيبة عظيمة دورها عشرون فرسخاً، عليها ثمانية أسوار من الصخر عالية في الهواء، لها باب واحد لأن جوانبها الثلاثة يحيط بها البحر الأسود، والجانب الواحد إلى البر. وهي في جبل داخل في البحر، وقد بنتها الجن لسليمان عليه السلام حفروا ذلك الجبل حتى بنوا المدينة في الجبل والبحر يعلو على المدينة وحول المدينة نهر من النحاس عمقه أربعون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وعليه ألواح من النحاس طول كل لوح خمسون ذراعاً في عرض عشرين ذراعاً في غلظ ذراعين، في ما يقال. والله أعلم. وجعلوا من أول المدينة إلى آخرها أعمدة من النحاس صفّين، وبين الأعمدة نهر من النحاس يدخل ماء البحر، وتدخل السفن فيه بأثقالها وهذا من عجائب الدنيا.
حديث صنم قادس: الذي بناه ذو القرنين والله أعلم بالصواب. وذلك أن في أندلس مجمع البحرين، البحر الأسود، وبحر الروم، (وفي مجمع البحرين) جزيرة قد بنيت فيها منارة من الصخر الأسود الذي لا يعمل فيه الحديد شيئاً البتّة. طولها مقدار مائة ذراع أو أكثر، مربعة الأسفل، مدورة الأعلى، مصمتة ليس لها باب، وعلى رأسها صورة آدمي أسود كأنه زنجي قد التحف بثوب من ذهب بالتحاف عجيب لا يقدر أحد أن يلتحف بمثله، وقد اضطبع بالثوب وأخرج منكبه الأيمن وذراعه، ويده ممدودة يشير بإصبعه المسبّحة إلى ناحية المغرب، واليسرى في البحر الأسود كأنه قابض على مفتاح، وذلك البحر (أبداً) فيه أمواج كالجبال لا تقدر سفينة تدخل فيه لكثرة أهواله والله أعلم.
ذكر ما خص الله تعالى كل بلدة بشيء من الأمتعة دون غيرها
ومما في جزيرة الأندلس أن ابن حزم ذكر في رسالته التي وضعها في وصفها، وذِكْر خصائصها وطبائع أهلها، أن أرضها شامية في طيبها، تهاميّة في اعتدالها واستوائها، أهوازية في عِظَم خراجها وجبايتها، عدنية في منافع سواحلها، صينية في معادنها، هندية في عطرها وذكائه. وأهلها عرب في الأنساب والمعزة والأنفة وفصاحة الألسن وطيب النفوس، وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والنزاهة عن الخضوع، هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم وحبهم لها، بغداديون في ظرافتهم ونظافتهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم ولطافة أذهانهن.
نوع من الخصائص في مدينة حمص من بلاد كرمان: لا يمطر المطر فيها أبداً إلا خارج البلدة، حتى إن الرجل يخرج يده من سورها إلى خارجها فتبتل يداه ولا يبتل ساعده. وبقرية من قرى كرمان حصن عادي ليس فيه فأر، فإذا دخل إليه فأر مات، ولا يوجد بمدينة حمص أيضاً عقرب. ويقال إن الطلسم في قلعتها، ويقال إن حمص لا يدخل مدينتها حية، وإنه متى ذرر عليها من ترابها شيء ماتت لوقتها، وكذلك ليس بها بعوض، ولا بق، وإن الرجل متى أخرج يده من السور وقع عليها البعوض فإذا أدخل يده طار عنها ولا يوجد بسجلماسة ذُباب.
الاكتفاء الذاتي في مصر: وفي مصر أن أهلها مستغنون عن كل بلاد حتى لو ضرب بينها وبين الدنيا سور تغني أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا، وفيها ما ليس في غيرها وهو السقنقور والنمس ولولاهما لأكلت الثعابين أهلها وهم لها كقنافيذ سجستان لأفاعيها والسمك الرعاد، والحطب السنط الذي لا رماد له. ويُقال إنه الأبنوس ولكن البقعة قصرت به عن الكيان، ودهن البلسان، واللبخ وهو ثمر في خلقة اللوز إلا أن المأكول منه الظاهر، والأترنج الأبلق والزمردي، وأهلها يأكلون صيد البحر الرومي، وبحر فارس طرياً، وإن صيفها خريف وشتاءها ربيع وما يقطع في سائر البلاد يوجد فيها في الحر، وكذلك في البرد؛ لاعتدال حرها وبردها إذ هي في الإقليم الثالث من الأقاليم الأربعة، ومما وصفت به أن صعيدها حجازي ينبت النخل والمقل والموز والعشر والقرظ، وأسفل أرضها شامي يمطر بمطر الشام، ويقع فيه الثلوج، وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللوز والفستق وسائر الفواكه.
الحمى في الأهواز
في الأهواز قصبتها مخصوصة بالحمى الدائمة حتى إنها ليست إلى الغريب بأسرع منها إلى القريب، ولا يكاد يوجد فيها وجنة حمراء لصبي ولا لصبيّة، وربما لمست القابلة المولود فتجده محموماً. ومن عجائب خصائصها أن جميع أصناف الطيب تستحيل رائحته فيها الاستحالة الشديدة حتى لا توجد له رائحة، وهذا من كثرة الرطوبة وغلظ الهواء والبخارات الفاسدة وهذا موجود بالقسطنطينية وأنطاكية.
وفي الكوفة أن أصدق ما يقال في أهل بلدها الكوفي لا يوفي. وفي البصرة أن للغربان بها مسودا، ويقع على كل نخلة قد صرم نخلها، ولا يقع على ما لم يصرم ولو بقي عليها عذق واحد. ومن عجائبها أيضاً أن الثمر يكون مصبوباً في بيادره فلا يقع على شيء منه ذبابة لا في ليل ولا في نهار. وأهل البصرة يتخذون المظلات على الثمر والعجوة خوفاً عليها من الجفاف، ومن شأن الذباب الفرار من الشمس إلى الظل فلا يوجد في تلك الظلال شيء منه البتة، فيتوهم المتوهم أن هاتين الحالتين من طلسم له من الخاصية ما يمنع الغربان والذباب وليس الأمر كذلك وإنّما هو من حماية الله ووقايته.
وفي جزيرة العرب أن مكة يريع الذئب فيها الظبي ويعارضه ويصيده، فإذا دخل الحرم كف عنه، ومنها أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا إن كان عليلاً، وأن من عادة الطير إذا حاذت الكعبة أن تفترق فرقتين لا تعلوها.
وفي المدينة على ساكنها الصلاة والسلام أن العطر والبخور يوجد لهما من الضوع والرائحة الطيبة أضعاف ما يوجد في سائر البلاد، ولها في نفسها نعمة طيبة ورائحة عطرية.