وأول سؤال يجابه قارئ الكتاب، هو لماذا إعادة نشر هذه المسرحية؟ وهل تستجيب لحاجة ما في نفس معرّبها؟ أما زالت الدوافع التي جعلت العروي وهو في بداية حياته الفكرية والأدبية هي نفسها التي جعلته يتوجه نحو ترجمة هذا النص، في ذلك الوقت من تاريخ المغرب السياسي، الذي يتميز أساساً بخروج المستعمر الفرنسي من البلاد وبداية بناء الدولة المستقلة .
لا يترك عبدالله العروي هذا السؤال معلقاً، وهو يجيب عنه وعن أسئلة أخرى في المقدمة التي وضعها للمسرحية، يقول الحق أن اهتمامي بهذه المسرحية تم في ظروف خاصة، أعني السنوات التي تلت استقلال المغرب . ما يقوله ألفارو عن انتشار مظاهر اللؤم والخسة في إسبانيا بعد انتهاء الحرب المقدسة فيها، كان يجد صدى في نفسي وأنا أشاهد ما يجري في مغرب الستينات الذي مرّ بسرعة من محنة الاستعمار إلى نشوة الاستقلال، ثم عاد إلى حياته المملوءة بالمساومات والتنازلات الدنيئة، وقد يكون تجاوبي مع محتواها أعمق من ذلك، يعود إلى تساؤلات يصعب التعبير عنها وربما الوعي بها .
هذا التوضيح في غاية الأهمية، لأنه يضيء على ما يمكن أن نسميه الانتقالات المفصلية في حياة الأفراد والشعوب وما يصاحب ذلك من تبدلات في القيم، سواء أكانت هذه القيم ثقافية أو سياسية أو اجتماعية . إن سقوط الأندلس وخروج المسلمين منها على أيدي فرسان الطريقة الإسبان الذين وهبوا أنفسهم منذ قرون طويلة للكنيسة وللملك، والذين لم يكونوا يعرفون إلا حياة الحرب وقيمها التي تربوا من أجلها وعاشوا في كنف تلك القيم، يشبه من حيث التماثل التقابلي استرجاع المغرب لاستقلاله على أيدي جيش التحرير المغربي الذي قاد فعل المقاومة خلال مدة الاحتلال، ولم يعرف إلا قيم القتال من أجل استرجاع التراب، خارج كل المساومات .
وألفارو، الشخصية المركزية في المسرحية، وهو القائد الشهم في فرسان الطريقة وورثة أسرارها ورمز الفارس النبيل، الزاهد في الدنيا، والذي اختار العزلة في كنيسة بعد أن أدى وظيفته كاملة في إخراج من يعتبرونهم كفاراً ومحتلين، يشبه من هذه الناحية، شخصية العديد من رجالات المقاومة وأعضاء جيش التحرير المغربي، الذين اختاروا الابتعاد أو جرى إبعادهم مباشرة من دائرة الحكم، بعد أن حصل المغرب على استقلاله بفضل جهود هؤلاء الرجال وتضحياتهم وتضحيات آبائهم وأجدادهم .
وفي الوقائع السياسية المغربية في تلك الفترة من فجر الاستقلال، ما يشير إلى أن قيادات جيش التحرير المغربي تعرضت لمضايقات كبيرة ولمساومات، لقد اكتشفت هذه القيادات التي تربت على قيم القتال والسلاح، أن ما ناضلت من أجله، هو اليوم مهدد بأن يتحول إلى غنيمة في أيدي القلة، وبالتالي عملت إما على الانتفاض في وجه ما تراه خروجاً عن منهجية ميثاق الاستقلال، أو أنها اختارت النفي الذاتي بالخروج من البلاد أو باعتزال الحياة السياسية والعودة إلى معاقلها الأولى . في حين جرى استدراج قيادات أخرى، عبر إشراكها في إغراء تدبير الشأن العام، وسقطت في لعبة جمع الثروة، بعد أن كان محركها والباعث على وجودها إشعال نار الثورة . ومن ثم كما تشير إلى ذلك الوقائع التاريخية، وقع تصادم دموي وحاد بين خندقين في فرسان المقاومة أو جيش التحرير، فهناك الخندق الزاهد الذي أعلن عدم انجراره وراء الحروب الوهمية وتهريب ثمار الاستقلال، وهناك من اعتبر، عن طمع، أن المساحات الجديدة المفتوحة أمام مغرب الاستقلال لا ينبغي أن ترمى جانباً، لأن ذلك لا يتناقض مطلقاً مع مبادئ المقاومة وجيش التحرير .
النص والسياق
لو عدنا إلى سياق مسرحية شيخ الجماعة لما عدمنا المقارنات ولا التشابهات، يكتب عبدالله العروي سقطت غرناطة فاستعادت بذلك إسبانيا وحدتها الجغرافية والعقائدية . نجحت إذن خطة البابا الصليبية في منطقة الغرب كما تحققت أطماع ملك قشتالة . لكن ما مصير أولئك الفرسان الذين لن يتقنوا سوى صناعة الحرب والذين قد يتحولون بسهولة إلى عنصر شغب يقوّض أركان الوحدة المستعادة ويضعف سلطة الملك؟ .
ويضيف العروي من حسن حظ الجميع أن توافق سقوط غرناطة مع اكتشاف أمريكا . اندلعت في القارة المكتشفة حرب مقدسة جديدة، هدفها ليس استرجاع جزء من الوطن، بل توسع ذلك الوطن إلى أراض جديدة مع دعوة السكان إلى اعتناق دين المسيح . الذهاب إلى أمريكا كان يعني في آنٍ التخلص من كابوس البطالة والفقر ومواصلة خدمة أهداف الملك .
من الأكيد تماماً أن يكون الدون ألفارو صاحب عقيدة ترى في أن الحرب المقدسة قد انتهت بعد خروج المسلمين من غرناطة، وأن آخر شبر من الأراضي الإسبانية قد حرر، وبالتالي لم يعد هناك من مبرر لكي يخوض هؤلاء الفرسان حروباً أخرى مجانية، لا قضايا عادلة لها .
ويشير العروي إلى أن هذه هي حقيقة دون ألفارو الملقب بشيخ الجماعة، لأنه يترأس ما تبقى من فرسان القديس ياغو . لقد حاول أصدقاؤه جرّه للذهاب معهم إلى العالم الجديد، أمريكا، وهم كانوا على وشك أن يقنعوه بذلك، بالتواطؤ مع ابنته ماريانا، التي تريد الزواج من أحد أبناء أصدقاء والدها، لكنهما لا يملكان المال اللازم للقيام بذلك، لذلك يقترح عليها أصدقاء والدها أن تحمله على تصديق حكاية انتدابه باسم الملك للذهاب للحرب في أمريكا من أجل المبادئ نفسها، لكن الخطة ستفشل، وستتراجع الابنة ماريانا في آخر لحظة، ليختار الدون ألفاور المضي قدماً في اتجاه عزلته إلى آخر نفس، على أن يصبح من الأغنياء يحارب من أجل الثروة ومن أجل القيم الفاسدة .
ويعتقد عبدالله العروي أن دوافع أخرى كامنة وراء إقدامه على ترجمة هذه المسرحية، وهو يعترف أنه لا يعرفها بالتحديد، وربما تكون دوافع دفينة مستقاة من الواقع المتأرجح والملتبس الذي كان يعيش فيه المغرب في فترة بداية الاستقلال وبناء الدولة، وهي الفترة التي بقدر ما كانت ملأى بالحماس، وبالتطلعات المشرعة الآفاق فإنها في الوقت نفسه كانت محبطة بالنسبة للكثيرين من المحاربين الذي قدموا الغالي والنفيس، والذين حاربوا أيضاً باسم القيم الثلاثة: الله والوطن والملك، ليجري اكتشاف أن مطالب الحركة الوطنية أو جزء منها على الأقل جرى التحايل عليه، أو أن البعض اتخذ من الاستقلال أصلاً تجارياً وباباً للمتاجرة وتكديس الثروة، وهو شأن العديد من القيادات التي حولت مكتسب الاستقلال إلى ملكية شخصية وإلى باب لاكتساب الريع المادي، في حين طمرت الكثير من الجهود المضيئة للقيادات الوطنية الحقيقية . ومادام العروي لم يعلن صراحة عن هذه الدوافع الأخرى، فليس شيئاً معيباً تصورها، أو تلمّسها . وقد جرت العادة أن يعود المفكر أو الأديب إلى نصوص أو لحظات في الماضي من أجل مطابقتها مع الحاضر واستخلاص الدروس منها، فلا تعدم هذه النصوص من تمثّل أشباح الماضي في الحاضر وإشعال نار التذكر، حتى ليبدو الحاضر ابناً شرعياً لهذا الذي يتخلق الآن أو ذلك الذي يلوح في المستقبل .
كتاب شيخ الجماعة يدخل المفكر المغربي عبدالله العروي إلى ساحة السجال الثقافي والفكري من جديد، بعد سلسلة كتبه الأخيرة، التي تنحو منحى جماهيرياً، ويشير إلى القدرة اللماحة للعروي في دفع القارئ إلى فهم لحظات تاريخية من خلال نصوص أدبية، فأحياناً تكون الحقيقة ساطعة حتى من مجال ضيق مثل مسرحية، ألم يقل بطل المسرحية ألفارو ما أسطع النجوم لمن يراها من قلب زقاق ضيق، وهو يعبر في مكان آخر عن تضايق المجتمع منه، حينما يقول أعلم أن رجلاً بلا طموح يضايق المجتمع .
وكأن بالمفكر رغبة في التواصل مع أكبر عدد من القراء، وهي الرغبة التي تترجم اليوم من خلال إقدامه على ترجمة كتاب للكاتب والمسرحي الفرنسي هنري دي مونترلان، الكاتب الأرستقراطي الذي عايش تقلبات القيم والحياة ما بين الحربين العالميتين . فما هي دلالات هذا الاختيار؟ وما هي خلفياته؟
حتماً إن رسائل المفكر عبدالله العروي لا تنتهي، فقد اختار أن يطل على قرائه هذه المرة من خلال ترجمة كتاب للكاتب والروائي والمسرحي الفرنسي هنري ميلون دي مونترلان . ويعتبر الكتاب الجديد، الذي يعبر عن اختيار دقيق للمفكر المغربي الكبير، ثمرة حوار وجسر قرابة بينه وبين مونترلان، ذلك أن أكثر من أواصر قرابة تجمع بين الرجلين، فمونترلان عاش تحولات الطبقة الأرستقراطية الفرنسية والأوروبية بشكل عام وهي تكتوي بنيران الحرب العالمية الأولى والثانية، والعروي عاش أيضاً تحولات مغرب ما بعد الاستقلال وبناء الدولة الوطنية .
ولو مضينا في المقارنات لوجدنا أكثر من وشيجة، منها على وجه التحديد التعدد المعرفي للرجلين، واهتمامهما بفنون وثقافات الآخر، وكلاهما جذبهما السرد والرواية وفن المراسلات والمسرح، ووجدا في العمل التخييلي حاملاً من حوامل الفكر، كما أن عملهما الأكاديمي أضفى عليهما نوعاً من الوقار المعرفي والفكري .