يسألني كثيرون ممن يأتون من البلاد التي تطبق مذهب الإمام أبي حنيفة الفقهي كمصر وسوريا والعراق والأردن، عن زواج المرأة من غير ولي أو من غير علم أهلها.
ويستغربون إذا قلت لهم: لا نكاح إلا بولي (رواه أحمد والترمذي وأبو داوود)، ويقولون: تزوجنا في بلادنا، ولم يقل لنا أحد بأنه لا يجوز النكاح إلا بولي.
حتى أن أحدهم قال لي: أنا متزوج أصلاً، وذهبت في الصيف وتزوجت بأخرى من غير أن يعلم بنا أحد، لا أحد من أهلها علم بزواجنا، ولا أحد من أهلي.
قلت: وكيف تم الزواج؟ قال: اتفقت مع بنت في التاسعة والعشرين، وذهبنا الى أحد المأذونين الشرعيين، وكان أحد أئمة المساجد بمثابة وكيل عنها، فزوجني إياها بحضور شاهدين اثنين.
وبعد أن أتممنا عقد النكاح، أخذ المأذون الورقة ووثقها رسمياً من المحكمة في ذلك البلد، وأقمنا بعد ذلك حفلاً صغيراً بالمناسبة في بيت إمام المسجد الذي تبنى إتمام زواجنا أولاً.
لكن بعد أن ذهبنا إلى قطر للعمل هناك، وعلم بعضهم بزواجنا بهذه الطريقة، أي من غير علم أهلها، قال لنا: زواجكما باطل، وإن كان بينكما حمل، فيعتبر من زنا، ومنذ ذلك اليوم ونحن نعيش حالة صعبة.
قلت له: ما فعلته في بلدك، طالما أنه موثق شرعاً وقضاء، فلا يعد باطلاً، لأن العمل تم بموجب مذهب فقهي معتبر لدى أهل السنة والجماعة.
والنكاح كما فهمنا تم بشروطه باستثناء حضور ولي أمر الفتاة والولي موضع خلاف بين الفقهاء، وقد أجاز أبو حنيفة رحمه الله نكاح المرأة من غير ولي، متى كانت رشيدة، ووافق صاحبه أبو يوسف على ذلك، إلا أنهما قالا: يستحب أن تكل عقد زواجها لوليها صونا لها من التبذل.
ووليها ليس له حق الاعتراض، متى زوجت نفسها بكفء، وحجة الحنفية قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره (الآية: 230 من سورة البقرة) فالآية أسندت الزواج الى المرأة، مما يعني أن لها حق تزويج نفسها.
وقاست الحنفية الزواج على البيع، فقالوا: إذا جاز لها أن تبيع وتشتري، فكيف لا يجوز لها أن تعقد زواج نفسها؟ أليس ذلك عقداً وهذا عقد مثله؟
إذن فإن زواجها من غير ولي لا يصح إذا كانت ناقصة الأهلية، كأن تكون صغيرة مثلاً، أما وإنها بالغة عاقلة رشيدة، فإن زواجها من غير ولي جائز.
لكن جمهور الفقهاء اشترطوا الولاية واعتبروها شرطاً في صحة العقد لقوله تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم (الآية: 32 من سورة النور)، واحتجوا بحديث لا نكاح إلا بولي.
قال الترمذي: والعمل على حديث النبي لا نكاح إلا بولي، عند أهل العلم من أصحاب النبي منهم عمر وعلي وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وغيرهم.
لذلك فإن أهل دول مجلس التعاون أخذوا برأي الجمهور، فمتى عقد زواج في هذه الدول من غير ولي، عد العقد باطلاً، لأن القضاء لا يأخذ به ولا يوثقه.
وفي البلدان الأخرى التي ذكرناها، يصح العقد عندهم، لأنه صح شرعاً واعتمد قضاء، وقضاء القاضي يرفع خلاف الفقهاء كما يقول العلماء، وعلى الناس أن يراعوا ذلك كل في بلده.