زواج مزيف

02:54 صباحا
قراءة 5 دقائق
داخل محكمة الجنايات كان المشهد مثيراً بقدر ما هو غريب، شابة حسناء تجاوزت العشرين من عمرها بقليل تجلس على أحد المقاعد شاردة الذهن حائرة العينين وتحمل بين يديها طفلاً صغيراً لا يتعدى عمره الثلاث سنوات، جسدها كان يرتعد من شدة القلق والخوف وبجانبها كانت تجلس أسرتها، والدها الذي تجاوز عمره الستين عاما والذي أثقلت الهموم كتفيه حسرة على ابنته التي تحارب من أجل الحصول على حقوقها الضائعة، وإلى جواره أمها التي لم تفارق ابنتها لحظة واحدة منذ وقوعها في فخ زواجها المزيف .
منذ نشأة "يسرا" وهي تعيش حياة صعبة بائسة ملأى بالأحزان فقد نشأت في أسرة فقيرة مكونة من 7 أفراد والدها موظف بسيط مشغولا في عمله بصفة شبه دائمة فهو في الصباح في عمله الحكومي ويعمل في المساء في محل بقالة، كما كانت والدتها تقضي معظم وقتها في خياطة الملابس للجيران مقابل قروش زهيدة تستعين بها على مواجهة تكاليف الحياة وتعاون بها زوجها، ورغم رقة الحياة والفقر الذي تعيش فيه فقد كانت الأسرة تتمتع بسمعة طيبة بين أبناء المنطقة ومثل كل فتاة كانت "يسرا" تحلم باللحظة التي تتزوج فيها وترتدي الفستان الأبيض، بدأت مأساة "يسرا" منذ حوالي 3 سنوات، من بين الجيران كانت أسرة "محمود" التي يعمل معظم أفرادها في إحدى الدول العربية ويقيمون هناك بصفة شبه دائمة ولا يعودون إلى الوطن إلا في أشهر الصيف فقط، نظرا للعلاقات الطيبة التي تجمع بين والدة "يسرا" بباقي أهل المنطقة فقد طلبت منها والدة "محمود" أن تشاركها في تجارة الملابس النسائية على أن تقوم والدة "محمود" بإحضار كميات الملابس المطلوبة وتقوم والدة "يسرا" بتوزيعها على الزبائن واستلام الثمن وأن يتقاسما الأرباح مناصفة، وبالفعل تمت الشراكة وكانت فاتحة خير على الجميع حتى حدث في أحد الأيام أن طلبت الأم من ابنتها "يسرا" التي كانت وقتها تبلغ من العمر 17 عاماً الذهاب إلى شريكتها لإعطائها مبلغاً من المال الخاص بعملهما سويا، لم تجد سوى "محمود" بمفرده في الشقة ودعاها للدخول ورغم أنها شعرت بالخوف وحاولت التراجع، لكنه أقنعها بأن والدته على وشك الحضور خلال لحظات قليلة فدخلت الشقة لانتظارها وقدم لها كوب عصير كنوع من الضيافة، فجأة تحول "محمود" الذي انبهر بجمالها إلى ذئب فقد لعب الشيطان برأسه، معتقداً أنها لن تمانع وفوجئت به "يسرا" ينقض عليها كالوحش الكاسر فصرخت في وجهه وعضته من يده وحاولت دفعه بيدها على الأرض، لكنه قام بكتم أنفاسها محاولا السيطرة عليها لكنها لم تستسلم واستمرت في مقاومته وصفعته على وجهه ثم حاولت دفعه بيدها ليبتعد عنها فأخذ وسادة السرير وكتم صوتها قبل أن تستغيث بالجيران وأعاد محاولته معها، لكنها قاومته بكل قوتها ودفعته دفعة قوية إلى الوراء حتى سقط على الأرض فانطلقت بكل قوتها ناحية باب الشقة لكنها اكتشفت أنه مغلق بالمفتاح فأخذت تتوسل إليه أن يتركها ومن بين دموعها أكدت له أنها لن تخبر أحداً بما حدث لكنه صفعها على وجهها واعتدى عليها بالضرب حتى سقطت على الأرض، وعندما حاولت الصراخ كتم أنفاسها وتمكن منها حتى إنها فقدت الوعي بسبب تعرضها لنزيف حاد وعادت إلى الوعي لتجد نفسها داخل عيادة أحد أطباء النساء، وعلمت بعد ذلك بأن "محمود" اتصل بأمه وطلب مساعدتها فحضرت وحملوها إلى عيادة الطبيب الذي أصدر تقريراً بتعرضها لهتك العرض مما تسبب في إصابتها بنزيف حاد!
وقتها أسرعت والدة "محمود" إلى أمها وعرضت عليها أن يتزوج ابنها من ابنتها "يسرا" كحل لتلك الكارثة التي تعرضت لها بدلا من مقاضاته وضياع مستقبله كما عرضت تقديم شبكة ثمينة والالتزام بجميع نفقات الزواج، وأكدت أن هذه رغبتها من قبل لكنها كانت تنتظر الفرصة المناسبة خاصة مع صغر عمر "يسرا"، أمام العرض المغري ونظرا لطيبة قلب أمها فقد سقطت في الفخ وصدقت خداعها ولم تدرك أن كل هدفها هو حماية ابنها من دفع ثمن الجريمة التي ارتكبها، خاصة أنه كان منذ طفولته يحصل على كل ما يريد وطلباته أوامر واجبة التنفيذ بلا مناقشة وكان والداه يحرصان على تلبية كل ما يريده باعتباره ابنهما الأكبر وأول فرحتهما وكانا يتعاملان معه وكأنهما لم ينجبا سواه .
تم إعلان الخطبة في حفل عائلي بسيط وخلال أسبوعين فقط كان قد تم تأثيث شقة الزوجية بنفس الحي الشعبي الذي يقيمون فيه، كما قاموا بشراء جميع مستلزمات الزواج حسب الاتفاق وكالعادة في الأحياء الشعبية أقيم حفل كبير في الشارع في اليوم نفسه الذي تم فيه عقد القران في أحد المساجد القريبة، وكما يحدث دائما تم تصوير الحفل بالفيديو لكن نظرا لأن "يسرا" في ذلك الوقت لم تكن قد أكملت السن القانونية للزواج، وهي الثامنة عشرة وكان باقي 3 أشهر فقط فقد تم الاتفاق مع المأذون الذي عقد القران على عدم توثيق الزواج في محكمة الأسرة إلا بعد مرور الشهور الثلاثة وكانت هذه هي الحفرة التي سقطت فيها "يسرا" ووالداها .
بعد الزواج بشهر واحد فقط أي قبل توثيق عقود الزواج كانت المشاكل قد اندلعت بين الزوجين واكتشفت "يسرا" أن عريسها مدمن للمخدرات والخمور وأنه دائما غائب عن الوعي، وبدأ يتعدى عليها بالضرب المبرح حتى كادت تموت بين يديه رغم علمه أنها حامل فتركت منزل الزوجية وأسرعت إلى منزل أسرتها وطلبت الطلاق وبالطبع كان المفروض أن يتم توثيق عقد الزواج أولا بعدها تطلب الطلاق وبالفعل ذهبت "يسرا مع والديها إلى المأذون يطلبون منه قسيمة الزواج لرفع دعوى ضد زوجها وهنا اكتشفوا الخديعة التي تعرضوا لها، فقد أنكر المأذون معرفته بهم أو يكون قد عقد قرانها وعرفوا بعد ذلك أن "محمود" أعطاه مبلغاً من المال مقابل تمزيق عقد الزواج حتى يظهر الأمر وكأن الزواج لم يتم، أسرعوا إلى "محمود" وأسرته ففوجئوا بهم يغلقون باب الشقة عليهم من الداخل وانهالوا عليهم بالضرب المبرح وأجبروهم تحت التهديد على توقيع إقرار بالتنازل عن كل أثاث الشقة وكل حقوقها الشرعية كما أجبروها على توقيع اعتراف كاذب بأنه لم يتعد عليها جنسياً، وأنها لا تحمل منه أي أبناء وبعدها بأيام قليلة كانوا قد أسرعوا بالسفر إلى البلد العربي الذي يعملون فيه .
في لمح البصر وجدت "يسرا" نفسها وقد فقدت كل شيء فليس معها ما يثبت أنها زوجة وأم لطفل لم ير النور بعد وكل ذلك بسبب شاب مستهتر وأسرته ومأذون معدوم الضمير، وأسرعت مع أمها التي وقفت بجانبها في كل خطوة تخطوها إلى أحد المحامين الذي توجه معهم إلى قسم الشرطة المختص وحرروا محضراً بكل ما حدث بجميع تفاصيله، أحيل المحضر إلى النيابة التي اعتبرته جريمة اغتصاب كاملة الأركان، وقررت إحالة "محمود" والمأذون إلى محكمة الجنايات التي أصدرت حكمها غيابياً بمعاقبة "محمود" بالسجن المؤبد وعاقبت المأذون بالسجن المشدد 15 عاماً على اعتبار أنه شريكه بالجريمة وأنه من سهل له هذه العملية .
بعد صدور الحكم بالمؤبد ضد "محمود" المسافر للخارج قام من خلال محاميه بعمل إعادة إجراءات للحكم وتمكن الإنتربول الدولي من القبض عليه وأمضى 45 يوما في الحبس حتى تحددت له جلسة لإعادة المحاكمة من جديد أمام محكمة الجنايات كما هو متبع في الأحكام الصادرة غيابيا، في موعد الجلسة حضر "محمود" وبعد تأكده انه لن ينجو من جريمته البشعة اعترف أمام هيئة المحكمة أن "يسرا" زوجته وأن الطفل ابنه فأمره رئيس المحكمة بسرعة تصحيح الوضع وأمر بإخلاء سبيله وقرر حجز القضية للنطق بالحكم .
خلال تلك الأثناء كانت "يسرا" قد أقامت دعوى أخرى أمام محكمة الأسرة لإثبات العلاقة الزوجية، وبالفعل حصلت على الحكم لصالحها كما أقامت دعوى للحصول على نفقة للطفل ما زالت تتداول في المحكمة حيث طلبت المحكمة في آخر جلسة تحريات المباحث عن دخل الزوج والذي على أساسه تقدر قيمة النفقة الواجبة عليه .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"