سباق صواريخ بين الهند وباكستان

03:14 صباحا
قراءة 7 دقائق
د . رضا محمد هلال
جددت التجارب الهندية الناجحة لأحدث صواريخها قصيرة المدى القادرة على حمل رؤوس نووية، واستعراضها لقدرات أحد صواريخها طويلة المدى أثناء العرض العسكري الاحتفالي بيوم الاستقلال أمام الرئيس الأمريكي باراك أوباما في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، احتمالات استمرار وتزايد حدة السباق العسكري بينها وبين باكستان والمستعر منذ بداية عقد الستينات في القرن العشرين، وتسبب في نشوب ثلاث حروب بينهما راح ضحيتها مئات الألوف من القتلى والمصابين من الجانبين، فضلاً عن استنزاف مواردهما الاقتصادية ومعاناة المواطنين فيهما من مشكلات الفقر وضعف الحصول على الخدمات الأساسية للحياة والمعيشة من صحة وتعليم ومياه شرب صحية وآمنة ووسائل نقل وانتقال حديثة .
أولاً: سباق التسلح بين قيادات متطرفة وتشجيع الكبار
أولت قيادات دولتي الهند وباكستان منذ استقلالهما عن التاج البريطاني في نهاية الخمسينات في القرن العشرين اهتمامها على غير عادة قادة الدول النامية حديثة الاستقلال بإقامة منظومة تسليحية وعسكرية متميزة تعينها على تحقيق طموحاتها القومية في السيطرة على أرجاء الدولة المترامية الأطراف والمتعددة الأعراق والأديان واللغات بدلاً من تبني صيغة للتوافق والتعايش الوطني السلمي المرتكز على احترام حقوق الإنسان وتعزيز سيادة وحكم القانون والتداول السلمي للسلطة، وكبح وصد أي محاولات للخروج على السيطرة المركزية والاستقلال السياسي والاقتصادي، وكسر أيادي المساعدة الخارجية المقدمة لهذه الأقاليم والمدن ودحر القوات العسكرية الداخلية والخارجية التي يمكن أن تمس هذا الاستقرار الداخلي "المزعوم" . وقد حفز وجود مثل هذه الترسانات العسكرية من قيام ثلاث حروب بين الدولتين انتهت بانفصال باكستان الشرقية وقيام دولة بنغلاديش، علاوة على استمرار قضية كشمير التي ما زالت تمد العلاقة بين الطرفين بعوامل الاصطدام والتنافر وتغذي الصراع بينهما، والذي اتخذ صوراً عديدة سياسية وعسكرية، واستخدم فيه عديد من الأدوات، كان من أخطرها تهديد كل منهما الأخرى باستخدام السلاح النووي ضدها . غير أن حدة هذا الصراع قد ساهم فيها دخول أطراف أخرى إقليمية مثل الصين التي دخلت مع الهند في حرب على الحدود عام ،1962 وما زالت العلاقات الهندية- الصينية يشوبها الكثير من التوتّر على الرغم من توقيع العديد من الاتفاقات بينها وبين الهند إما بسبب المطامع الصينية في الأراضي الحدودية المتنازع عليها بين الدولتين في منطقة التبت أو بسبب المساعدات الصينية العسكرية والتكنولوجية والنووية المتقدمة المقدمة منها تجاه باكستان التي فرضت عليها، إضافة إلى "إسرائيل" التي تتربص بباكستان منذ بدئها في برنامجها النووي في منتصف السبعينات من القرن الماضي وإعلان القيادات الصينية المتتابعة وقوفها إلى جانب باكستان في مواجهة الطموحات الهندية، بينما وجدت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في التعاون والتحالف مع الهند أقصر وسيلة للوصول إلى أهدافها في القضاء القوى المعارضة لوجودها في اتجاهين هما: إعاقة البرنامج النووي الباكستاني عن طريق توجيه ضربة عسكرية صاروخية له، والثاني إشغال باكستان بالتهديد النووي الهندي لمنعها من التفرّغ لنقل التقنية النووية للعالم الإسلامي أو العربي . وقد شجع على التعاون الاستراتيجي الهندي- الأمريكي- "الإسرائيلي" صعود الأحزاب السياسية اليمينية ذات قيادات سياسية متطرفة تحركها نزعة دينية متطرفة لتفسير استمرار الصراع مع الآخرين والإصرار على محو الآخر المختلف سياسياً ودينياً وعرقياً وحضارياً أو إعادة هيكلة تفكيره وسياساته بما يجعله تابعاً لها . وعلى الجانب الباكستاني، نوهت القيادات السياسية المدنية عن استعدادها للعيش على "أكل التراب والرمل" وتنفق آخر سنت على جلب وتوطين التكنولوجيا النووية واستخداماتها السلمية والعسكرية، وتكرارها التصريحات والمقولات الخاصة بأنها لن تتوانى أو تتأخر على مسايرة ومنافسة الهند في الحصول على هذه التكنولوجيا مهما كلفها ذلك من ثمن سياسي واقتصادي يتحمله الشعب الباكستاني البائس، وليست قياداته المترفة "داخلياً وخارجياً" .
ثانياً: سباق بلا نهاية مهما كانت الأعباء والنفقات
ارتأت قيادات البلدين (الهند وباكستان) أن الحاجة لحيازة التكنولوجيا النووية العسكرية يرتبط بها ويتلازم معها تطوير البحوث والتجارب الخاصة بالأسلحة والمعدات الناقلة للرؤوس النووية من أرضها إلى أراضي ومدن الدولة الخصم، وخالفت الدولتان الأسس المتعارف عليها بين أغلبية دول العالم من تخصيص نسبة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على تطوير نظم التسليح والمعدات العسكرية وتأهيل العسكريين وتدريباتهم، وأعلنت كل منها أن أولوية الحفاظ على مستوى تسليح متميز ومتفوق على الخصوم يسمو على أي غاية أو هدف آخر، أن مجرد المناداة بخفض الإنفاق العسكري يستدعي النيل من وطنية المطالب بها أو الرقابة على أوجه الصرف والتخصيص غير مقبول بدواعي حماية الأمن القومي .
غير أنه بالرجوع إلى المصادر العلمية المتخصصة في هذا الشأن، ومنها التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام المعروف اختصاراً باسم سابري (SIPRI) الخاص بالإنفاق على التسلح ونظم التسليح والمعدات العسكرية وحجم وكميات الأسلحة ونوعياتها المتوافرة أو المطورة لدى أغلبية دول العالم، نكتشف أن: مساحة الهند تبلغ أربعة أضعاف مساحة باكستان (مساحة الهند 29 .3 مليون كيلومتر مربع بينما مساحة باكستان لا تزيد على 796 ألف كيلومتر مربع)، أن إجمالي طول الحدود الهندية تفوق ستة أضعاف ونصف طول الحدود الباكستانية (يبلغ إجمالي طول الحدود الهندية سبعة آلاف كيلومتر بينما لا يزيد إجمالي طول حدود باكستان على 1046 كيلومتراً) . وفي نهاية عام 2013؛ بلغ إجمالي سكان الهند 1،22 ألف مليون نسمة في حين لم يزد إجمالي سكان باكستان على 193 مليون نسمة، ووفقاً لإجمالي الناتج المحلي الإجمالي فقد بلغ في نهاية 2013 نحو 176 .4 تريليون دولار في الهند مقارنة بنحو 547 بليون دولار لباكستان (أي بنسبة 6 .7 :1) .
ولا شك أن تكون للمؤشرات السابقة صداها على القوى والتوازن العسكري بين الدولتين؛ حيث تحتفظ الهند بقوات عسكرية يبلغ عددها 1،3 مليون جندي في الخدمة الفعلية بالقوات البرية والبحرية والجوية علاوة على 1 .1 مليون جندي احتياطي، بينما لا يزيد عدد الجنود والضباط بالجيش الباكستاني على 643 ألف جندي وضابط منهم 304 آلاف جندي وضابط تقتصر خدماتهم على حفظ الأمن والاستقرار داخل البلاد ومواجهة أوجه الإخلال بالأمن والاستقرار في مناطق القبائل على الحدود مع أفغانستان .
ومع ذلك، فإن الهند- وفقاً لتقارير معهد سابري- تعد المستورد الأول في العالم للأسلحة، حيث قفزت مشترياتها من الأسلحة من نسبة 7% خلال الفترة بين عام 2004-2008 إلى نحو 14% من إجمالي مبيعات الأسلحة سنوياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و،2013 وقد جاءت نسبة 75% من إجمالي مشتريات الأسلحة من جمهورية روسيا، ويليها الولايات المتحدة بنسبة 7%، ثم المشتريات من الترسانة العسكرية "الإسرائيلية" بنسبة 6% سنوياً . بينما جاءت باكستان في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث شراء الأسلحة بنسبة مشتريات بلغت 2% خلال الفترة بين عام 2004-2008 زادت إلى 5% من إجمالي مبيعات الأسلحة عالمياً بين عامي 2009-،2013 وقد جاءت نسبة 54% من إجمالي المشتريات من الصين، و27% من الولايات المتحدة التي رفعت العقوبات الخاصة بمنع تصدير الأسلحة على باكستان في عام ،2008 وأخيراً 6% من الأسلحة من السويد . ونوهت تقارير سابري إلى السباق المحموم بين الدولتين على استيراد السلاح حيث ارتفعت واردات الأسلحة الهندية خلال الفترة بين عامي 2004-2008 وعامي 2009-2013 بنسبة 111%، وسايرتها باكستان في ذلك حيث ارتفعت وارداتها خلال ذات الفترة بنسبة 119% . وقد جاء إجمالي الإنفاق على الدفاع في كل من الهند وباكستان والصين في عام 2012 وفقاً لتقرير سابري وجينس والموازنة العامة في الدول الثلاث على النحو التالي: 60 .157 بليون دولار للصين، 26 .48 بليون دولار للهند، و72 .6 بليون دولار لباكستان .
على الرغم من قيام الدولتين بتحديث معداتها العسكرية خاصة الطائرات والدبابات وقطع المدفعية في إطار برامجها للتسلح، إلا أن التركيز الأكبر لهما جاء في قطاع تطوير الصواريخ الناقلة والحاملة للصواريخ والرؤوس النووية، حيث كان لا بد أن يوازي جهد إنتاج القنبلة النووية جهداً آخر في إنتاج الصواريخ القادرة على نقل هذا السلاح، وقد بدأت الهند برنامجها الصاروخي منذ عام 1967م بإنشاء برنامج لأبحاث الفضاء والأقمار الصناعية، حيث أثمر هذا البرنامج عن تجربة الصاروخ "روهني 560"، وهو صاروخ ذو مرحلتين ويعمل بالوقود الصلب ويصل إلى ارتفاع (334) كيلومتراً، وقادر على حمولة تصل إلى (100) كيلوغرام . وتكللت الجهود بإطلاق صاروخ ثانٍ لحمل الأقمار الصناعية عام 1979 . وخلال الفترة بين عام 2005 و2015 قامت الحكومة الهندية بتطوير وإنتاج منظومات مختلفة من الصواريخ المتعددة الأغراض والمدى، وتمتلك الهند حالياً ترسانة محلية الصنع لأنواع متعددة تتراوح من قصيرة إلى بعيدة المدى، وبعضها قادر على حمل الرؤوس النووية، ويغطي مداها الصين وباكستان كما أنها طوّرت أنواعاً منها يمكن إطلاقها من البحر وهو ما قامت البحرية بتجربته مؤخراً . ويمثّل صاروخ (آجني) المتوسط المدى الذي يغطي مداه جميع الأراضي الباكستانية (1500) كيلومتر، ويستطيع حمل شحنة وزنها طن واحد أهم الصواريخ في الترسانة الهندية، حيث يتوقع إنتاج أعداد كبيرة منه لصالح القوات الهندية خلال عامي 2015-،2017 مع الإشارة إلى أن الهند منشغلة بتطوير صاروخ (بريثفي) بعيد المدى (8000) كيلومتر الذي يستطيع بلوغ أي مكان في آسيا بما في ذلك الصين وأجزاء من الشرق الأوسط، كما أجرت الهند في عام 1998م تجربة لإطلاق الصاروخ (ساكاريكا) من الغواصات ويستطيع حمل رأس نووي ويصل مداه إلى (300) كيلومتر .
وعلى الجانب الباكستاني، أُنشئت هيئة أبحاث الفضاء الباكستانية (سباركو) عام 1961م بغرض امتلاك القدرات اللازمة في مجال الصواريخ، وفي السبعينات من القرن الماضي استطاعت الهيئة امتلاك التقنيات اللازمة لتصنيع أجزاء من الصواريخ محلياً، ومن ضمنها إنتاج الوقود الصلب، وتكللت جهود الهيئة بإنتاج الصاروخ (عاطف 1) ومداه (80) كيلومتراً، ويحمل شحنة قدرها (500) كيلوغرام، ومن ثم إنتاج الصاروخ (عاطف 2) والذي يصل مداه إلى (300) كيلومتر في عام 1999 . وفي عام ،1992 أثمر التعاون الصيني- الباكستاني عن حصول باكستان على (30) صاروخاً بالستياً من طراز M-11 الذي يحمل شحنة قدرها (800) كيلوغرام، وفي عام 1997م أعلن عن تجربة الصاروخ (عاطف 3) الذي يبلغ مداه (800) كيلومتر . ولكن الإنجاز الأكبر كان في التجربة الناجحة للصاروخ (جوهري) الذي يبلغ مداه (1500) كيلومتر ويستطيع حمل رأس نووي .
على الرغم من تحقيق الدولتين حلمهما بامتلاك الأسلحة النووية وتطوير قدرتهما على تصنيع وتطوير الصواريخ الناقلة لها لأراضي الخصم، يبقى التساؤل مشروعاً حول جدوى الاستمرار في سباق تسلح نووي وصاروخي، خاصة في ظل امتلاك كل منهما نحو 90 -110 رؤوس نووية قادرة على إفناء الطرف الثاني وتدمير منطقة جنوب المحيط الهندي على النحو الذي يهدد جنوب آسيا والخليج العربي، علاوة على استنزاف مواردهما المالية والاقتصادية التي يتعين إعادة توجيهها للتنمية المستدامة الخادمة لشعوب الدولتين في المستقبل على غرار ما فعلت دول أخرى مثل روسيا بوتين والولايات المتحدة في ظل إدارة أوباما .

* باحث وأكاديمي مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"