يوماً بعد يوم تمدنا المطابع بالمزيد من الكتب، التي يحمل غلافها عنواناً مثل «يوميات»، ومع ذلك لا يزال الالتباس والخلط قائماً لدى كثيرين، بين كتابة اليوميات والمذكرات والسيرة الذاتية، خصوصاً بعد تواتر هذه اليوميات، وإتاحتها عبر الشبكة العنكبوتية، في صورة مدونات وكتابات ويوميات.
ولا يزال الغموض يحيط بتاريخ ظاهرة كتابة اليوميات، فبعض الأدبيات الغربية تذكر أن القديس أوغسطين، هو أول من كتبها، أما في اليابان فيذكر البعض أن تلك العادة كانت سائدة بين النساء، وكانت تسمى «كتابة الوسادة»، لأنها بقيت في غرف النوم، بينما في أوروبا أصبحت شائعة خلال عصر النهضة في القرن الرابع عشر، وفي الثقافة العربية لم تكن معروفة كفن أدبي قائم بذاته.
وقد أسهمت كتابة «اليوميات» في كشف الكثير من الأسرار عبر التاريخ، منها ما كشفته يوميات الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي، حين رسم تخطيطاً لأول سيارة ذاتية الدفع في العالم، وقد نشر عدد كبير من الأدباء يومياتهم، للتعبير عن مواقفهم من المجتمع الذي يعيشون فيه، كما أن السياسيين اعتمدوا على تدوين اليوميات في حملاتهم الانتخابية، وخلال الحرب الأمريكية على العراق، كانت المدونات أبرز المصادر المعتمدة لقراءة مسار الأحداث، ومعرفة توجهات الرأي العام العالمي، وشكل اختلاف الوقائع بين ما ترويه وسائل الإعلام الرسمية الموجهة والمدونات الشخصية خطورة ما على الموقف الرسمي من الإعلام في الحرب.
كثير من الكتاب يرى استحالة كتابة اليوميات في البلاد العربية، لطبيعة الذات المحاصرة بالقيود، برغم أن هناك حياة باطنية للفرد، تشكل وعيه، وتجعل من البعض مجرمين وقتلة ومغامرين، والبعض الآخر كتاباً وشعراء ورسامين، وازدهار فن اليوميات، وصلته بطقوس الاعتراف، لا تجعل منه حالة مسيحية، تبعاً لوجهة نظر الكاتب كمال الرياحي.
حين أصدر الكاتب المغربي أحمد المديني كتابه «فتن كاتب عربي في باريس»، جمع فيه بعض رحلاته ويومياته، قدم الرياحي مراجعة نقدية له، أوضح خلالها أن «اليوميات كتابة الهشاشة، هي في عمقها هشاشة الذات، فكيف لهذه الذات المتغطرسة أن تكتب هشاشتها؟ إن اليوميات التي باشرها الشاعر أبو القاسم الشابي، والتي خاض غمارها غسان كنفاني بمقدرة كبيرة، والتي خصص لها أمجد ناصر جزءاً من حياته، لا يمكن أن نقول باستحالتها».
عندما تقدم غسان كنفاني من فن اليوميات، كان يكتب بكل هشاشة الكائن، بعيداً عن صورة المناضل والصحفي والمقاتل والسياسي، لذلك جاءت يومياته حميمية صادقة، تحدث فيها عن حبه ولوعته ومرضه ومعاناته من مرض السكري، والإغماءات التي تحصل له، وتحدث فيها عن لحظة ولادة ابنه، وانتقاله من منطقة الزوج إلى الأب، كانت كتابة اليوميات لدى كنفاني توثيقاً لتجربة الهشاشة الكبرى، التي أبدع في نقلها.
بينما سجل أمجد ناصر في كتابه «بيروت صغيرة بحجم اليد»، وقائع حصار بيروت يوماً بيوم، تحدث عن خوفه وتردده وانكساراته وخيباته، كما تحدث مؤخراً عن تجربته مع المرض.
نقاش تاريخي
هل يمكن اعتماد المعلومات المقدمة في «اليوميات»، مادة صالحة للتأريخ، خصوصاً أننا لا نتوقع إلا أن يكتب صاحب اليوميات إنجازاته، ويحرص على إغفال ما يسيء إليه؟ من الناحية المنهجية لا يمكن الأخذ بجميع المعلومات الواردة في اليوميات، وهناك مؤرخون يتشبثون بفكرة أن الوثائق مثل الرسائل واليوميات وتقارير شهود العيان، وغيرها من المواد المكتوبة في وقت حصول الأحداث، تمثل قطعاً من ماض واقعي، فيما تمثل الشهادات الشفوية تذكراً في الحاضر، يكون عادة متزعزعاً وغير موثوق بصحته، وهناك نقاشات بين فلاسفة التاريخ حول العلاقة بين المصادر الأولى للكتابة التاريخية والواقع، وحول العلاقة بين الحدث الحقيقي، ووصفه في زمن وقوعه، أو بعد وقوعه ممن شاركوا فيه أو شاهدوه.
يرى آخرون إننا إذا حاولنا تحليل طبيعة المادة المكتوبة مثل اليوميات، نجدها تعتمد على مادة شفوية منقولة، أو مادة مفكر بها في وقت الكتابة، وبمعنى آخر فإن مثل هذه المواد مرت بالضرورة بمرحلة، تدخل فيها كاتبها مضيفاً إليها مادة من خياله، أو أن اللغة التي صاغت هذه المادة، كانت قد أسبغت عليها عناصر بلاغية، ألبستها ثوباً جديداً، هذا ما يكشفه كتاب «المعرفة التاريخية في الغرب مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية» للكاتب «قيس ماضي فرو».
ويكشف المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي، أن هناك فرقاً بين المؤرخ وبين الباحث في التاريخ، فالمؤرخ هو الذي يسجل الأحداث التي يعاصرها أولا بأول، أو يوماً بيوم حسب إيقاع الأحداث، دون إبداء رأي أو تحليل أو تفسير، لأنه لا يكتب بحثاً في التاريخ، وهذا النموذج متمثل في المؤرخين الأوائل وآخرهم عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، الذي وقفت أحداثه عند عام 1822 قبيل وفاته في عام 1824.
أما الباحث في التاريخ فهو الذي يعتمد على ما تركه المؤرخ من أحداث، حيث يعمل على إعادة تركيب جزئيات الحدث لتفسير وقائعه والنتائج التي انتهى إليها، والباحث في التاريخ اصطلاحاً يعرف أن تحليل الحدث لا يتم إلا في ضوء توافر مصادره من حيث ما تركه «المؤرخ» وفي ضوء الأوراق الرسمية للدولة (الأرشيف) وأما الذي يقوم بالكتابة عن حدث معاصر دون توافر الوثائق فإنه يغامر، بل يتورط فيما لا يعرفه.
إن تقييم المراحل التاريخية يبدأ بعد أن تنتهي مرحلة معينة، وتأتي بعدها مرحلة أخرى، أي أن كتابة التاريخ تبدأ حين تنتهي السياسة، أي حين يغلق ملف مرحلة وتبدأ أخرى، حتى لا يقع باحث التاريخ تحت تأثير المناخ السياسي للمرحلة التي يعيشها، إن التاريخ علم، والعلم مستقل عن السياسة وعن الدين، أي لا يجب للباحث في التاريخ توظيف أحداثه لخدمة أوضاع واتجاهات سياسية أو دينية، والكاتب الذي يفعل ذلك يفقد علمية التاريخ.
نادراً ما نجد سيراً ذاتية اعتمدت على كتابة (يوميات)، كان صاحبها يسجلها في وقت حدوثها أولاً بأول، وترتبط هذه الكتابة بعدد من الإشكاليات المرتبطة بكتابة (اليوميات)، فهناك خلط بين الذات والموضوع، حيث يسجل السياسيون أحداثاً ومواقف شاركوا في صناعتها أو عاصروها، وبالتالي يخلطون بين تسجيل وتحليل الحدث، وبين دورهم كأشخاص أسهموا في صناعته، وقد يبالغون في دورهم، أو يحاولون تبرير تصرفاتهم، وهناك قيود أخرى تتمثل في سلطة الرقابة الذاتية التي تهيمن على السياسي العربي.
فعل قسري
عندما أراد الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، كتابة يومياته، لم يصمد إلا عبر ثلاثين صفحة، بدت أزمته في الكتابة نابعة من اعترافه بأن اليوميات كتابة غير جادة، وتوقف متسائلاً: «هل اليوميات فكرة جيدة؟ أليس هناك خشية من تحولها إلى فعل قسري، ومن وقوعها في تسلسل زمني مبالغ في تقديره؟»