لذلك علمنا رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، أن المسلم الحق لا يعرف الضعف والهوان، فهو يتحلى دائماً بالشجاعة والجرأة في الحق، ويدافع عن حقوقه وحقوق الآخرين بكل الوسائل المشروعة، من دون أن يتجاوز في حق أحد ومن دون أن يظلم أحداً.
يقول المفكر الإسلامي، د. محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ووزير الأوقاف المصري الأسبق: إذا كانت الشجاعة عند فلاسفة الأخلاق إحدى فضائل النفس، فهي في نظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إحدى المكونات الأساسية لشخصية المسلم، وهي من أمهات الفضائل الأربع: العفة، الشجاعة، الحكمة، العدالة.
والشجاعة التي ينبغي أن تلازم المسلم في كل أحواله لا تعني التهور والاندفاع، فهي فضيلة بين رذيلتين، هما (التهور، والجبن)، فإذا استعمل المسلم القوى الغضبية في حد الاعتدال كانت فضيلة، وإذا جنح بها إلى أحد الطرفين إما بإماتتها والتفريط فيها فيكون الجبن، وإما بالإفراط فيها فيكون التهور، وكلا الطرفين مذموم، والمحمود منها هو حد الاعتدال والتوسط، فالمسلم الحق لا يجبن ولا يتهور.
الرسول المربي
والشجاعة التي ربانا عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما يقول د. عبد المقصود باشا أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر تميز شخصية المسلم، ففي الأثر: «من استغضب ولم يغضب فهو حمار»، وقد وضع لها الإسلام ضوابطها وقيدها بحد الاعتدال، ففي الحديث الشريف: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وعرفها الجرجاني بأنها: «هيئة خاصة للقوى الغضبية لتلزم بها حد الاعتدال، بين التهور والجبن، وبها يقدم الإنسان على أمور ينبغي أن يقدم عليها كلقاء الأعداء، ومناصرة المظلوم».
ويصف علماء الأخلاق الشجاعة بأنها «إحدى الملكات التي وظيفتها حراسة النفس وحمايتها، وهي خاضعة في أفعالها لحركة القوى الغضبية، وينبغي أن يلزم بها صاحبها حد الاعتدال، وذلك بخضوعها المطلق للقوى العاقلة التي تتحكم في قوى النفس الأخرى الشهوانية والغضبية، فإذا تمردت القوى الغضبية ولم تخضع للقوى العاقلة خرجت عن حد الاعتدال إلى إحدى الرذيلتين، إما الإفراط فيحصل لها التهور، أو التفريط فيكون الإنسان جباناً».
وعلماء النفس ينظرون إلى الشجاعة على أنها «ملكة مكتسبة» ويختلفون مع علماء الأخلاق الذين ينظرون إليها على أنها «فضيلة أخلاقية راسخة في النفس»، ويمكن اكتسابها من ثقافة المجتمع والبيئة المحيطة بالإنسان، ويرى آخرون عدم وجود تعارض بين الرأيين، فهي ملكة نفسية يمكن تغذيتها وتقويتها، أو إماتتها والقضاء عليها.
الشجاعة الأدبية
ويضيف د.باشا: إن أبرز صور الشجاعة التي ربانا عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هي «الشجاعة الأدبية»، حيث علمنا أنها إحدى قيم الإسلام المهمة التي تمثل صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والشجاعة الأدبية تحتاجها مواقف الحياة الفاضلة كالجهاد في سبيل الله، وجهاد أهل الباطل، والوقوف في وجه الظلم والظالمين، والجهر بكلمة الحق، وهذه الشجاعة الأدبية التي يتحلى بها المسلم هي التي تدفع صاحبها إلى أن يقول كلمة الحق، لا يخاف لومة لائم، وقد ذكى القرآن الكريم من يفعلون ذلك من دون ظلم أو تهور وإساءة التعامل مع الآخرين فقال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ». وهنا يقول رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق ويشهد بعظيم».
ويعقب أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر على هذا النص القرآني وذاك الحديث النبوي قائلا: الإسلام من خلال نصوص القرآن والسنة حث المسلم على أن يكون قوياً شجاعاً، لا يخاف في الحق لومة لائم، ويعتمد على خالقه ولا يخاف من مخلوق، فالله وحده هو القادر الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وهو على كل شيء قدير، وما كتبه الله على الإنسان سوف يكون، وما لم يكتبه الله لا يصيبه، وعلى المسلم أن يتسلح دائماً بقول الله تبارك وتعالى: «قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »، وقول الرسول الكريم: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قدره الله عليك».. ثم يقول: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك».
تحذير من الترف
ومن وسائل التربية الجيدة التي اعتمد عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتربية أتباعه على القوة والشجاعة، تجنب وسائل الترف التي تغرق المسلم في الشهوات والملذات وتجعله يتعامل بلا وعي مع نعم الله، فقد أخبرنا، صلوات الله وسلامه عليه، أن نعم الله عز وجل لا تدوم.. هي لا تدوم للأفراد كما لا تدوم للأمم، وأن كثرة النعم تلد الرفاهية، وأن الأمم المرفهة والمنعمة لا تعرف الجد إلا قليلاً، ولا تصمد أمام تحديات الحياة وتغير الأيام إلا نادراً، لذلك كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يربي أصحابه على الرجولة والخشونة واحتمال الشدائد، وينهى عن الإغراق في الرفاهية والترف، والركون إلى الراحة والدعة، إدراكاً لآثارها الضارة بالأفراد وبالجماعة على السواء.
والناظر في أساليب التربية النبوية يجد أدلة كثيرة على ذلك، فحين ينهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن لبس الذهب والحرير للرجال، وحين ينهى عن التشبه بالنساء في الرقة والتلطف والملبس وغير ذلك، وحين ينهى عن جر الإنسان ثوبه خيلاء ويحذر من يفعل ذلك تحذيراً شديداً «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء»، وحين يمدح من أمسى كالاً من عمل يده، وينظر إلى رجل قد اخشوشنت يده من العمل فيقول: «هذه يد يحبها الله ورسوله»، حين يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك كله ويفعله، فإنه في الواقع يربي الأمة على الأخلاق النافعة الصالحة، التي تستدام بها النعم، ويمكن لأصحابها عند فقدها أن يصبروا على الحرمان وأن يجاهدوا لاستعادة ما فقدوه وتعويضه.
الاعتزاز بالنفس
وقد غرس الرسول، صلى الله عليه وسلم، في المسلم قيمة الاعتزاز بالنفس من دون تكبر أو تعال على خلق الله الذين يجب أن نتعامل معهم برفق ولين، وحذّر المسلم من الاستهانة بنفسه، لأن المسلم قوي بما يعتقده، وبما يؤديه من عمل، حتى ولو كان بسيطاً أو هامشياً، وأكد، عليه الصلاة والسلام، أن تحقير النفس سلوك يتنافى مع روح الإسلام وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من قوة واعتزاز بالنفس، يقول، صلوات الله وسلامه عليه: «لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى».
ومن هذا التوجيه النبوي الكريم يؤكد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الإسلام يربي أتباعه على الشجاعة وقوة الإيمان وعدم الضعف، وألا يخشى الإنسان أحداً من الخلق فالله أحق بالخوف منه.. ومن هنا فإن الله،عز وجل، سوف يحاسب كل إنسان ضعيف يفرط في حقوقه جبناً وخوفاً، كما أنه، عز وجل، سيحاسب كل مسلم يتخلى عن نصرة أخيه المظلوم، وفي قدرته أن يناصره ويساعده على أخذ حقوقه المغتصبة.
لا لقهر الآخرين
لكن، من الخطأ أن يفهم أحد هذه التوجيهات النبوية الكريمة على غير مقصدها، وأن يظلم أو يقهر أو يغتصب الحقوق، ويمارس البلطجة اعتقاداً بأن ما يفعله من صور الشجاعة التي يريدها الرسول لأتباعه.. فكل ذلك مرفوض ومدان كما يقول د. مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر فالإسلام لا يقر البلطجة السلوكية من أحد، ولا يمكن أن يقبل ظلماً ولا عدواناً تحت ستار أخذ الحقوق، كما أن الحقوق لا تغتصب، بل تؤخذ بالطرق والوسائل الشرعية، ذلك أن الإسلام ربى أتباعه على اتباع الحق مهما كلف الإنسان هذا الأمر، وعلم المسلم ألا يميل مع أهواء النفس، وألا يقع فريسة الشهوات والنزوات والأحقاد، قال، صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا ألا تظلموا».
وختاماً.. فإن التوجيهات النبوية الكريمة تربي المسلم على الشجاعة والاعتزاز بالنفس، من دون تكبر، ومن دون ظلم، ومن دون إهدار لحقوق الآخرين، وعلى كل مسلم أن يفرق بين الشجاعة التي يريدها له رسوله الكريم، وبين ظلم وقهر الآخرين بلباس الشجاعة والقوة، حيث توعد الله كل ظالم جبار بالانتقام منه في الدنيا والآخرة. على الجميع أيضاً أن يتذكر أن التواضع قيمة إسلامية، وفضيلة أخلاقية، والمسلم الواعي البصير بتعاليم وأخلاقيات دينه يعرف كيف يكون قوياً شجاعاً يدافع على الحق وينصر المظلوم من دون أن يكون ظالماً قاسياً.. وقد قال سبحانه لرسوله الكريم: «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»، وأمره بما يزيد من حب أصحابه وأتباعه له، وأنسهم به فقال: «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ».