شجاعة في‮ ‬الحق‮.. ‬ورفق ولين مع الجميع

هذا رسولنا
03:11 صباحا
قراءة 7 دقائق
رغم حرصه الشديد على نشر قيم الرحمة والتسامح والعفو بين المسلمين جميعاً‮ ‬من خلال توجيهات نبوية متعددة ومتنوعة؛ فقد بنى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شخصية المسلم على القوة والشجاعة والانحياز للحق والعدل،‮ ‬مؤكداً‮ ‬أن المسلم الحق ليس إنساناً‮ ‬ضعيفاً،‮ ‬ولا هزيلاً‮ ‬ولا مستسلماً‮ ‬لما‮ ‬يجلب له الإهانة والخزي‮ ‬بين الناس،‮ ‬وليس من شيمة المسلم الواثق في‮ ‬عدالة خالقه أن‮ ‬يكون راضياً‮ ‬قانعاً‮ ‬بكل ما‮ ‬يتعرض له من ظلم وقهر‮.‬

لذلك علمنا رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، أن المسلم الحق لا‮ ‬يعرف الضعف والهوان،‮ ‬فهو‮ ‬يتحلى دائماً‮ ‬بالشجاعة والجرأة في‮ ‬الحق،‮ ‬ويدافع عن حقوقه وحقوق الآخرين بكل الوسائل المشروعة،‮ ‬من دون أن‮ ‬يتجاوز في‮ ‬حق أحد ومن دون أن‮ ‬يظلم أحداً‮.‬

يقول المفكر الإسلامي،‮ ‬د‮. ‬محمود حمدي‮ ‬زقزوق،‮ ‬عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ووزير الأوقاف المصري‮ ‬الأسبق‮: ‬إذا كانت الشجاعة عند فلاسفة الأخلاق إحدى فضائل النفس،‮ ‬فهي‮ ‬في‮ ‬نظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إحدى المكونات الأساسية لشخصية المسلم،‮ ‬وهي‮ ‬من أمهات الفضائل الأربع‮: ‬العفة،‮ ‬الشجاعة،‮ ‬الحكمة،‮ ‬العدالة‮.‬
والشجاعة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تلازم المسلم في‮ ‬كل أحواله لا تعني‮ ‬التهور والاندفاع،‮ ‬فهي‮ ‬فضيلة بين رذيلتين،‮ ‬هما‮ (‬التهور،‮ ‬والجبن‮)‬،‮ ‬فإذا استعمل المسلم القوى الغضبية في‮ ‬حد الاعتدال كانت فضيلة،‮ ‬وإذا جنح بها إلى أحد الطرفين إما بإماتتها والتفريط فيها فيكون الجبن،‮ ‬وإما بالإفراط فيها فيكون التهور،‮ ‬وكلا الطرفين مذموم،‮ ‬والمحمود منها هو حد الاعتدال والتوسط،‮ ‬فالمسلم الحق لا‮ ‬يجبن ولا‮ ‬يتهور‮.‬

الرسول المربي

والشجاعة التي‮ ‬ربانا عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما‮ ‬يقول د‮. ‬عبد المقصود باشا أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر تميز شخصية المسلم،‮ ‬ففي‮ ‬الأثر‮: «‬من استغضب ولم‮ ‬يغضب فهو حمار‮»‬،‮ ‬وقد وضع لها الإسلام ضوابطها وقيدها بحد الاعتدال،‮ ‬ففي‮ ‬الحديث الشريف‮: «‬ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي‮ ‬يملك نفسه عند الغضب‮» ‬وعرفها الجرجاني‮ ‬بأنها‮: «‬هيئة خاصة للقوى الغضبية لتلزم بها حد الاعتدال،‮ ‬بين التهور والجبن،‮ ‬وبها‮ ‬يقدم الإنسان على أمور‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يقدم عليها كلقاء الأعداء،‮ ‬ومناصرة المظلوم‮».‬

ويصف علماء الأخلاق الشجاعة بأنها‮ «‬إحدى الملكات التي‮ ‬وظيفتها حراسة النفس وحمايتها،‮ ‬وهي‮ ‬خاضعة في‮ ‬أفعالها لحركة القوى الغضبية،‮ ‬وينبغي‮ ‬أن‮ ‬يلزم بها صاحبها حد الاعتدال،‮ ‬وذلك بخضوعها المطلق للقوى العاقلة التي‮ ‬تتحكم في‮ ‬قوى النفس الأخرى الشهوانية والغضبية،‮ ‬فإذا تمردت القوى الغضبية ولم تخضع للقوى العاقلة خرجت عن حد الاعتدال إلى إحدى الرذيلتين،‮ ‬إما الإفراط فيحصل لها التهور،‮ ‬أو التفريط فيكون الإنسان جباناً‮».‬

وعلماء النفس‮ ‬ينظرون إلى الشجاعة على أنها‮ «‬ملكة مكتسبة‮» ‬ويختلفون مع علماء الأخلاق الذين‮ ‬ينظرون إليها على أنها‮ «‬فضيلة أخلاقية راسخة في‮ ‬النفس‮»‬،‮ ‬ويمكن اكتسابها من ثقافة المجتمع والبيئة المحيطة بالإنسان،‮ ‬ويرى آخرون عدم وجود تعارض بين الرأيين،‮ ‬فهي‮ ‬ملكة نفسية‮ ‬يمكن تغذيتها وتقويتها،‮ ‬أو إماتتها والقضاء عليها‮.‬

الشجاعة الأدبية

ويضيف د.باشا‮: ‬إن أبرز صور الشجاعة التي‮ ‬ربانا عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هي‮ «‬الشجاعة الأدبية‮»‬،‮ ‬حيث علمنا أنها إحدى قيم الإسلام المهمة التي‮ ‬تمثل صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي‮ ‬عن المنكر،‮ ‬وحسن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى،‮ ‬والشجاعة الأدبية تحتاجها مواقف الحياة الفاضلة كالجهاد في‮ ‬سبيل الله،‮ ‬وجهاد أهل الباطل،‮ ‬والوقوف في‮ ‬وجه الظلم والظالمين،‮ ‬والجهر بكلمة الحق،‮ ‬وهذه الشجاعة الأدبية التي‮ ‬يتحلى بها المسلم هي‮ ‬التي‮ ‬تدفع صاحبها إلى أن‮ ‬يقول كلمة الحق،‮ ‬لا‮ ‬يخاف لومة لائم،‮ ‬وقد ذكى القرآن الكريم من‮ ‬يفعلون ذلك من دون ظلم أو تهور وإساءة التعامل مع الآخرين فقال سبحانه‮: «‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ‮». ‬وهنا‮ ‬يقول رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه‮: «‬ألا لا‮ ‬يمنعن أحدكم رهبة الناس أن‮ ‬يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا‮ ‬يقرب من أجل ولا‮ ‬يباعد من رزق أن‮ ‬يقول بحق ويشهد بعظيم‮».‬

ويعقب أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر على هذا النص القرآني‮ ‬وذاك الحديث النبوي‮ ‬قائلا‮: ‬الإسلام من خلال نصوص القرآن والسنة حث المسلم على أن‮ ‬يكون قوياً‮ ‬شجاعاً،‮ ‬لا‮ ‬يخاف في‮ ‬الحق لومة لائم،‮ ‬ويعتمد على خالقه ولا‮ ‬يخاف من مخلوق،‮ ‬فالله وحده هو القادر الذي‮ ‬بيده مقاليد السموات والأرض،‮ ‬وهو على كل شيء قدير،‮ ‬وما كتبه الله على الإنسان سوف‮ ‬يكون،‮ ‬وما لم‮ ‬يكتبه الله لا‮ ‬يصيبه،‮ ‬وعلى المسلم أن‮ ‬يتسلح دائماً‮ ‬بقول الله تبارك وتعالى‮: «‬قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‮»‬،‮ ‬وقول الرسول الكريم‮: «‬واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن‮ ‬ينفعوك لم‮ ‬ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن‮ ‬يضروك لن‮ ‬يضروك إلا بشيء قدره الله عليك‮».. ‬ثم‮ ‬يقول‮: «‬واعلم أن ما أخطأك لم‮ ‬يكن ليصيبك وما أصابك لم‮ ‬يكن ليخطئك‮».‬

تحذير من الترف

ومن وسائل التربية الجيدة التي‮ ‬اعتمد عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتربية أتباعه على القوة والشجاعة،‮ ‬تجنب وسائل الترف التي‮ ‬تغرق المسلم في‮ ‬الشهوات والملذات وتجعله‮ ‬يتعامل بلا وعي‮ ‬مع نعم الله،‮ ‬فقد أخبرنا، صلوات الله وسلامه عليه، أن نعم الله عز وجل لا تدوم‮.. ‬هي‮ ‬لا تدوم للأفراد كما لا تدوم للأمم،‮ ‬وأن كثرة النعم تلد الرفاهية،‮ ‬وأن الأمم المرفهة والمنعمة لا تعرف الجد إلا قليلاً،‮ ‬ولا تصمد أمام تحديات الحياة وتغير الأيام إلا نادراً،‮ ‬لذلك كان النبي،‮ ‬صلى الله عليه وسلم،‮ ‬يربي‮ ‬أصحابه على الرجولة والخشونة واحتمال الشدائد،‮ ‬وينهى عن الإغراق في‮ ‬الرفاهية والترف،‮ ‬والركون إلى الراحة والدعة،‮ ‬إدراكاً‮ ‬لآثارها الضارة بالأفراد وبالجماعة على السواء‮.‬

والناظر في‮ ‬أساليب التربية النبوية‮ ‬يجد أدلة كثيرة على ذلك،‮ ‬فحين‮ ‬ينهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن لبس الذهب والحرير للرجال،‮ ‬وحين‮ ‬ينهى عن التشبه بالنساء في‮ ‬الرقة والتلطف والملبس وغير ذلك،‮ ‬وحين‮ ‬ينهى عن جر الإنسان ثوبه خيلاء ويحذر من‮ ‬يفعل ذلك تحذيراً‮ ‬شديداً‮ «‬لا‮ ‬ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء‮»، ‬وحين‮ ‬يمدح من أمسى كالاً من عمل‮ ‬يده،‮ ‬وينظر إلى رجل قد اخشوشنت‮ ‬يده من العمل فيقول‮: «‬هذه‮ ‬يد‮ ‬يحبها الله ورسوله‮»، ‬حين‮ ‬يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذلك كله ويفعله،‮ ‬فإنه في‮ ‬الواقع‮ ‬يربي‮ ‬الأمة على الأخلاق النافعة الصالحة،‮ ‬التي‮ ‬تستدام بها النعم،‮ ‬ويمكن لأصحابها عند فقدها أن‮ ‬يصبروا على الحرمان وأن‮ ‬يجاهدوا لاستعادة ما فقدوه وتعويضه‮.‬

الاعتزاز بالنفس

وقد‮ ‬غرس الرسول، صلى الله عليه وسلم، في‮ ‬المسلم قيمة الاعتزاز بالنفس من دون تكبر أو تعال على خلق الله الذين‮ ‬يجب أن نتعامل معهم برفق ولين،‮ ‬وحذّر المسلم من الاستهانة بنفسه،‮ ‬لأن المسلم قوي‮ ‬بما‮ ‬يعتقده،‮ ‬وبما‮ ‬يؤديه من عمل،‮ ‬حتى ولو كان بسيطاً‮ ‬أو هامشياً،‮ ‬وأكد، عليه الصلاة والسلام، أن تحقير النفس سلوك‮ ‬يتنافى مع روح الإسلام وما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون عليه المسلم من قوة واعتزاز بالنفس،‮ ‬يقول، صلوات الله وسلامه عليه‮: «‬لا‮ ‬يحقرن أحدكم نفسه،‮ ‬قالوا‮: ‬يا رسول الله كيف‮ ‬يحقر أحدنا نفسه؟ قال‮: ‬يرى أمراً‮ ‬لله عليه فيه مقال ثم لا‮ ‬يقول فيه،‮ ‬فيقول الله عز وجل‮ ‬يوم القيامة‮: ‬ما منعك أن تقول في‮ ‬كذا وكذا؟ فيقول‮: ‬خشية الناس،‮ ‬فيقول‮: ‬إياي‮ ‬كنت أحق أن تخشى‮».‬

ومن هذا التوجيه النبوي‮ ‬الكريم‮ ‬يؤكد النبي،‮ ‬صلى الله عليه وسلم، أن الإسلام‮ ‬يربي‮ ‬أتباعه على الشجاعة وقوة الإيمان وعدم الضعف،‮ ‬وألا‮ ‬يخشى الإنسان أحداً من الخلق فالله أحق بالخوف منه‮.. ‬ومن هنا فإن الله،عز وجل، سوف‮ ‬يحاسب كل إنسان ضعيف‮ ‬يفرط في‮ ‬حقوقه جبناً‮ ‬وخوفاً،‮ ‬كما أنه، عز وجل، سيحاسب كل مسلم‮ ‬يتخلى عن نصرة أخيه المظلوم،‮ ‬وفي‮ ‬قدرته أن‮ ‬يناصره ويساعده على أخذ حقوقه المغتصبة‮.‬

لا لقهر الآخرين

لكن،‮ ‬من الخطأ أن‮ ‬يفهم أحد هذه التوجيهات النبوية الكريمة على‮ ‬غير مقصدها،‮ ‬وأن‮ ‬يظلم أو‮ ‬يقهر أو‮ ‬يغتصب الحقوق،‮ ‬ويمارس البلطجة اعتقاداً‮ ‬بأن ما‮ ‬يفعله من صور الشجاعة التي‮ ‬يريدها الرسول لأتباعه‮.. ‬فكل ذلك مرفوض ومدان كما‮ ‬يقول د‮. ‬مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر فالإسلام لا‮ ‬يقر البلطجة السلوكية من أحد،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقبل ظلماً‮ ‬ولا عدواناً‮ ‬تحت ستار أخذ الحقوق،‮ ‬كما أن الحقوق لا تغتصب،‮ ‬بل تؤخذ بالطرق والوسائل الشرعية،‮ ‬ذلك أن الإسلام ربى أتباعه على اتباع الحق مهما كلف الإنسان هذا الأمر،‮ ‬وعلم المسلم ألا‮ ‬يميل مع أهواء النفس،‮ ‬وألا‮ ‬يقع فريسة الشهوات والنزوات والأحقاد،‮ ‬قال، صلى الله عليه وسلم‮: «‬لا تكونوا إمعة،‮ ‬تقولون إن أحسن الناس أحسنا،‮ ‬وإن ظلموا ظلمنا،‮ ‬ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا ألا تظلموا‮».‬

وختاماً‮.. ‬فإن التوجيهات النبوية الكريمة تربي‮ ‬المسلم على الشجاعة والاعتزاز بالنفس،‮ ‬من دون تكبر،‮ ‬ومن دون ظلم،‮ ‬ومن دون إهدار لحقوق الآخرين،‮ ‬وعلى كل مسلم أن‮ ‬يفرق بين الشجاعة التي‮ ‬يريدها له رسوله الكريم،‮ ‬وبين ظلم وقهر الآخرين بلباس الشجاعة والقوة،‮ ‬حيث توعد الله كل ظالم جبار بالانتقام منه في‮ ‬الدنيا والآخرة‮.‬ على الجميع أيضاً‮ ‬أن‮ ‬يتذكر أن التواضع قيمة إسلامية، وفضيلة أخلاقية، والمسلم الواعي‮ ‬البصير بتعاليم وأخلاقيات دينه‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يكون قوياً‮ ‬شجاعاً‮ ‬يدافع على الحق وينصر المظلوم من دون أن‮ ‬يكون ظالماً‮ ‬قاسياً‮.. ‬وقد قال سبحانه لرسوله الكريم‮: «‬وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‮»، ‬وأمره بما‮ ‬يزيد من حب أصحابه وأتباعه له،‮ ‬وأنسهم به فقال‮: «‬وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‮».‬

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"