الدكتور سعيد إسماعيل علي، أستاذ التربية بجامعة عين شمس، يلقب بشيخ التربويين الإسلاميين باقتدار، ويشهد له ويؤكد جدارته باللقب قرابة المئة كتاب التي ألفها وتناول في أغلبيتها القضايا التربوية من المنظور الإسلامي . . ولم يكتف بذلك، بل رصد الأمراض التي أصابت منظومة القيم والأخلاق وجعلت مجتمعاتنا العربية تعاني الانهيار المستمر الذي أصاب مختلف الأجيال، سواء الآباء والأمهات أو الأبناء، مما ينذر بتحول المرض إلى مرض عضال إذا لم نحسن تشخيصه وتقديم العلاج له .
من هنا تأتي أهمية هذا الحوار الذي يعرض للكثير من الأمراض التي أصابت منظومة القيم والأخلاق التربوية لعله يكون جرس إنذار قبل فوات الأوان ووقتها لن يجدي البكاء على اللبن المسكوب .
يجب أن نفخر بلغة القرآن لأن كرامة البشر من كرامة لغتهم
في البداية: سألنا شيخ التربويين: التدين في تزايد والتراجع الأخلاقي والانهيار التربوي مستمر . . فما تفسير هذه المعادلة غير العقلانية؟
- هذا تناقض شكلي حيث نلاحظ اتساع دائرة التدين لكن في الوقت نفسه نرى تراجعاً شديداً في التربية الأخلاقية، وقد يربط بعض المغرضين أو السذج بين انتشار التدين والتراجع التربوي والأخلاقي، لكن الحقيقة أن هذا الربط غير منطقي لأن أي نوع من التدين الذي ينتشر نجده تديناً يركز على العبادات وليس المعاملات . . ويتصور كثير من المتدينين أنهم طالما يصلون ويصومون ويؤدون العمرة فهم بذلك كاملو التدين، بينما شرع الله العبادات نفسها ليس لحاجته إليها بل لمصلحة البشر حتى يحسنوا أخلاقهم ومعاملاتهم في ما بينهم وبين بعضهم .
وهذا التناقض ناتج عن قصور في فهم الدين مع أن أغلبية آيات القرآن والأحاديث النبوية لا تفصل العبادات عن المعاملات فنجد آيات كثيرة جدا يرتبط فيها الإيمان بالعمل الصالح قال تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
لقد أساء أصحاب التدين الظاهري إلى الدين ونفروا الناس منه بدلاً من أن يكونوا عوامل جذب وهداية لغيرهم من العصاة المسلمين أو حتى غير المسلمين، ولهذا لا بد من توافق المظهر والجوهر حتى نقدم صورة طيبة للإسلام ونرتقي بمجتمعاتنا .
فهم خاطئ
ألا ترى أن هناك من اتخذوا من هذا التناقض وسيلة لتبرير عدم أداء العبادات إذا كان هذا سلوك المتدينين والمتدينات؟
- للأسف أساء البعض تفسير هذا التناقض بالتقاعس عن أداء العبادات وحث الآخرين على عدم أدائها بقوله: الدين المعاملة، أي: طالما أن معاملتي طيبة مع الناس فلا قيمة للعبادة أصلا، وإذا أردت أن تجادله وتثبت له خطأ تفسيره قام بعرض نماذج شنيعة من الأفراد الذين تتناقض عباداتهم مع أخلاقهم وأفعالهم بوجه عام، حيث يقول لك: أليس هؤلاء من يحرصون على أداء العبادات؟!
والأغرب أن هذا الساخر من تناقض التدين الظاهري يستشهد لك على صحة تصوره فيقول: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . . وألم يصف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله وإنك لعلى خلق عظيم فالمهم هو الأخلاق لا العبادات .
معنى هذا أننا لم نترب على ما تحث عليه العبادات أو الحكمة منها؟
- للأسف غابت عن حياتنا كل حكم العبادات، ولنا أن نقارن بين هذه الحكم التي وضحها القرآن في كثير من آياته وكذلك وضحها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وبين الواقع المرير الذي نعيش فيه، حتى إننا أصبحنا صورة منفرة للإسلام لدرجة أن كثيراً من المسلمين الجدد أكدوا أنهم أسلموا اقتناعاً بالإسلام المكتوب وليس بالإسلام الموجود في حياة المسلمين، فمثلاً الحكمة من الصلاة أنها تنهى عن المنكر في حين أننا نجد كثيراً من المصلين يرتكبون من المنكرات ما ظهر منها وما بطن . . أما الزكاة فقال عنها الله يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، وللأسف كثير منا يفعلون ما تنهى عنه الآية .
أما فريضة الصوم فقد جعل الله حكمته في التقوى، فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . . ووضع الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الآية الضوابط الأخلاقية للصائم حتى ينال التقوى، فقال إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله، فليقل: إني صائم، وقال أيضا من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه . . فهل يلتزم الصائمون بذلك؟
وكذلك فريضة الحج فقد قال الله تعالى عنها الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولي الألباب، وبالتالي نجد العبادات كلها تصب على الأخلاق التي نحن للأسف تنهار عندنا بشدة مع أن الرسول حدد المسلم الحقيقي بقوله المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وقوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . . فهل نحن كذلك؟
ضعف الدعاة
هل نجح دعاة المساجد في نشر القيم التربوية والأخلاقية؟
- المفترض شيء والواقع شيء آخر، فمثلاً ينبغي أن يكون دعاة المساجد قدوة ومثلاً أعلى لغيرهم لأنهم علماء والعلماء ورثة الأنبياء، وهم فئة ممن وصفهم الله بقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء، ووصفهم رسول الله دون غيرهم بقوله إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر . . هذا هو الوضع المفترض للدعاة لكن الواقع أن كثيرا منهم بعيدون عما وصفهم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمستواهم العلمي والدعوي والأخلاقي واللغوي والسلوكي والتربوي دون المستوى، حتى إنك عندما تسمع خطبة الجمعة يصيبك الضغط من الأخطاء اللغوية التي تصل إلى الخطأ في نطق آيات القرآن والأحاديث النبوية مع أنه من المفترض أنه يكون الداعية حافظاً للقرآن عن ظهر قلب قبل التحاقه بالجامعة وخلال الجامعة يعيد تأكيد حفظه بالقراءات والتفسير، لكن للأسف أصابهم الضعف والتراجع الشامل ما أفقدهم قدرتهم على التأثير بعد أن تحولوا من أصحاب رسالة إلى أصحاب وظيفة، وأجبرهم تردي مستواهم المادي على العمل في مهن وضيعة تقلل من هيبتهم وزاد الطين بلة سخرية وسائل الإعلام منهم .
ما خطورة هذا الواقع الدعوي المؤلم على مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟
- الدعاة يمثلون المخزون الاستراتيجي في التربية، بمعنى أنه إذا قصرت الأسرة والمدرسة في التربية فيمكن للدعاة علاج هذا التقصير وسد الفجوة من خلال المسجد ووسائل الإعلام التي يظهر فيها مشاهير الدعاة الذين عليهم ملاحظات سلبية كثيرة تضر بدورهم المنوط بهم في الجوانب العلمية والدعوية والتربوية، ولهذا فإني أخشى في ظل التراجع المستمر في مستوى الدعاة أن نصل إلى ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا .
أيتام في أسرهم
يقال إن الأسرة تخلت رغماً عنها عن وظيفة تربية أبنائها . . فهل توافق على هذا التوصيف أم أنه مبالغ فيه؟
- للأسف الدور التربوي للأسرة في تراجع مستمر على مستوى كل الدول العربية ولأسباب مختلفة من دولة لأخرى، ففي الدول الغنية تركت الأسر وظيفتها للخدم والنوادي وأصدقاء السوء والإعلام في حين انشغل الآباء والأمهات بالترفيه وجمع المال واستثماره والبحث عن الوجاهة الاجتماعية والثراء الاقتصادي، أما في الدول الفقيرة فإن الآباء والأمهات انهمكوا في العمل ليلاً ونهاراً لتوفير الاحتياجات الأساسية للأولاد فانشغلوا بلقمة العيش عن التربية بكل معانيها وتركوا أولادهم مع أطفال الشوارع وأصدقاء السوء والنتيجة واحدة في كل الحالات، وهي أن أبناءنا أصبحوا أيتاماً رغم وجودهم وسط آبائهم وأمهاتهم .
عبث تربوي
كيف ترى الدور التربوي للمدارس التي أصبحت منظومة متنافرة متعددة التوجهات وليس لها أساس واحد مشترك؟
- ما يحدث في التعليم العربي نوع من العبث والعك التربوي الذي يوصلنا إلى تدمير منظومة التربية بشكل ليس له مثيل في العالم الذي يحترم نفسه، فمثلا مرحلة التعليم الأساسي تهدف إلى توحد الهوية لدى أبناء كل دولة في السنوات الدراسية الأولى التي تتشكل فيها عقلية الطفل . أما في عالمنا العربي فنجد مدارس حكومية عامة وخاصة وتجريبية ولغات وأجنبية ودينية وغيرها من التصنيفات التي تختلف من دولة لأخرى حسب التنوع الطائفي والعرقي واختلاف المستوى الاقتصادي، فقد تحول التعليم إلى سلعة ترتبط جودتها بمن يدفع أكثر ولا عزاء للفقراء الذين ليس لهم إلا التعليم الرديء الذي لا يؤهل خريجه لسوق العمل لأن المبدأ الحاكم فيه على قد فلوسك تتعلم .
ما خطورة هذه المنظومة التربوية الممزقة على مستقبل الأجيال؟
- خطورتها أنها تخرج أجيالاً متنافرة ذات هويات مختلفة وثقافات متناقضة وهذا يخلق نوعاً من الازدواجية والانفصام في شخصيات أبناء المجتمع الواحد فهذا يعتز بلسانه العربي إذا كان تعليمه دينيا وذاك يعتز بلسانه الأجنبي الذي يرى من خلاله أنه ذو عقلية مستنيرة قادرة على التعامل مع الغرب المتقدم ومستحدثات العصر ومن المتفق عليه تربوياً أن اللغة وعاء الثقافة وبالتالي فإن من يدرس بالفرنسية سيكون اعتزازه بالثقافة الفرنسية ومن يدرس باللغة الإنجليزية سيعتز بالثقافة الإنجليزية، بل إن من يدرس بالإنجليزية باللهجة الأمريكية سيكون انتماؤه للثقافة الأمريكية وهكذا سنجد خواجات من أبناء جلدتنا ثقافتهم وهويتهم مختلفة عن عامة الشعب .
بصفتكم عالماً تربوياً، كيف ترصدون تدني لغة التخاطب في الشارع والأسرة ومؤسسات التعليم بل في المجتمع كله؟
- من المؤسف أن هناك تراجعاً في مستوى اللغة وأسلوب التخاطب حيث دخلت على اللغة ألفاظ رديئة وبذيئة لم نكن نسمعها من قبل فإذا بها تتحول إلى أسلوب خطاب عام حتى في وسائل الإعلام وليس الشارع فقط، من دون أن يتم استهجان أو استنكار هذا التراجع والتدني في مستوى اللغة وأسلوب التخاطب، وللأسف فإن هذا الانهيار اللغوي وصل إلى داخل الأسرة فلم يعد التخاطب بين أفرادها فيه احترام، بل إن من يحاول أن ينمق لغته أو يزينها بالألفاظ الجميلة يكون مثاراً للسخرية والاتصاف بالرجعية ويقال له إنه يتكلم بالفصحى وكأنها جريمة يجب أن يتبرأ الإنسان العربي منها مع أنه في الحقيقة إذا كنا أسوياء يجب أن يفتخر ويعتز بها لأن كرامة البشر من كرامة لغتهم وخاصة إذا كانت لغة القرآن التي هي أكرم لغة، بل إنها لغة أهل الجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبوا العرب لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي .