ليلة مباركة جعلها الله عز وجل خيراً من ألف شهر وأنزل فيها القرآن الكريم دستور المسلمين الخالد وجعله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .
إنها ليلة القدر التي ينتظرها ويتطلع إلى فضلها وعظمتها وأجرها وثوابها ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .
فكيف كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستقبل هذه الليلة المباركة ويحتفي بها؟ وماذا كان يفعل فيها؟ وبماذا نصحنا أن نفعل؟ وكيف يستقبل المسلم هذه الليلة وما الذي ينبغي أن يحرص عليه فيها؟
هذه التساؤلات وغيرها نحاول الإجابة عنها في السطور التالية:
يقول د .حامد أبو طالب أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: من أعظم فضائل شهر رمضان المبارك، ومن أبرز مزاياه اشتماله على ليلة القدر التي مدحها الله عز وجل في قرآنه الحكيم بقوله: إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر . وقد سميت هذه الليلة بهذا الاسم لعظم قدرها، وسمو شرفها، إذ هي الليلة التي نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، لأجل إكرام أمة ذات قدر .
ثواب جزيل
وقد علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن المسلم يزداد قدره وثوابه عند الله، إذا ما أحيا تلك الليلة بالعبادات والطاعات وتقرب إلى خالقه بكل ما يستطيع من أعمال الخير .
وأخبرنا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن الخالق عز وجل جعل فضل هذه الليلة يفوق فضل ألف شهر من غير شهر رمضان بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم، ولأن العبادة فيها أكثر ثوابا وأعظم قبولا من العبادة في أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر، والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير باعتبار الزمان والمكان، وإخلاص النية، وحسن الأداء، ولله تعالى أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص بفضائل متميزة، والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا، ويمكن أن يراد منه التكثير، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى فضلاً آخر لهذه الليلة المباركة فقال: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر أي: ومن مزايا هذه الليلة المباركة أن الملائكة وعلى رأسهم جبريل عليه السلام ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض، بأمره تعالى وإذنه، وهم جميعا إنما ينزلون من أجل كل أمر من الأمور التي يريد الله تعالى إبلاغها إلى عباده ومن أجل البركات التي تحفهم، فنزولهم في تلك الليلة يدل على شرفها وعلى رحمة الله تعالى بعباده .
وقوله سبحانه وتعالى: سلام هي حتى مطلع الفجر بيان لفضل آخر من فضائل هذه الليلة بمعنى أن هذه الليلة يظلها ويشملها السلام المستمر، والأمان الدائم لكل مؤمن يحييها في طاعة الله تعالى إلى أن يطلع الفجر، أو هي ذات سلامة حتى مطلع الفجر، أو هي سالمة من كل أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر .
وقد اختص الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، برؤية ليلة القدر واختص سبحانه الأمة الإسلامية بهذه الليلة المباركة، التي أنزل فيها القرآن الكريم وجعلها خيرا من ألف شهر، وكشف الله تلك الليلة لرسوله الكريم وأنساه موعدها المحدد حتى يجتهد المسلمون في العبادة خلال العشر الأواخر من رمضان .
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى تخاصم رجلان من المسلمين فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت عني، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة والمقصود برفعت، أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد أنسي ميقاتها تحديدا .
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر .
وفي رواية عن ابن عمر أيضا قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي . . .
تحري الليلة المباركة
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، وفي سابعة تبقى، وفي خامسة تبقى .
وواضح من الأحاديث التي لم تحدد ميقاتا محددا لليلة القدر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أراد حث الصائمين على الاجتهاد في العبادة خلال الأيام العشرة الأخيرة من رمضان، وأخبر من غلبه الإرهاق والتعب أن يتحراها في السبع الأواخر من رمضان وإن لم يستطع أن يداوم على العبادة المكثفة في العشر الأواخر .
وقد حث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسلمين على التماس ليلة القدر وإحيائها كي يحظى المسلم بالثواب الجزيل الذي أعده الله تعالى لعباده القائمين الصائمين، وفي الحديث الصحيح قال، صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .
وفي رواية أخرى: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومعنى الحديث أن من صام رمضان وقامه تصديقا بوعد الله وحكمه وطلبا للأجر والثواب، لا رياء ولا سمعة، غفر الله له ذنوبه المتقدمة، وحفظه من الذنوب المتأخرة، فلا يقع في كبيرة، وتظل عناية الله تشمله وتسدد خطاه .
وقد التمس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة القدر في العشر الأول من رمضان فلم يصادفها، ثم التمسها في العشر الوسطى فلم يصادفها، وأخيرا بلغ أصحابه بوقوعها في العشر الأواخر، بل حددها بأنها في الوتر من العشر، وهناك حديث نبوي يؤكد أن رسول الله صادف هذه الليلة وأخبر بها أصحابه ثم أخفى الله أمرها عنهم ليجتهدوا في العمل الصالح طوال العشر الأواخر من رمضان طمعا في أجرها وثوابها . وقد وجهنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى تحري هذه الليلة طوال العشر الأواخر من رمضان .
علامات مميزة
وينصح د .أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر بضرورة الاهتداء بهدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الاستفادة من شهر رمضان كله والعمل بتوجيهاته الكريمة في إحياء العشر الأواخر من رمضان، فقد نقلت إلينا السيدة عائشة رضي الله عنها أنه، صلى الله عليه وسلم، كان إذا دخل العشر الأخيرة أحيا الليل وأيقظ أهله وَجدّ وشَدّ المئزر .
ويضيف: لقد حظي شهر رمضان بخير عميم، وبارك الله سبحانه وتعالى جميع أيامه ولياليه، وأفاض فيه من الخير والمثوبة والفضل والمرحمة ما جعله موسما للعبادات، يتنافس فيها المسلمون على فعل الخير لعلهم يرحمون . وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يكون لبعض أيام الشهر العظيم منزلة خاصة لما ورد فيها من فضل وإنعام على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وعلى المسلمين، ومن أبرز معالم الفضل فيه ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن والتي كرمها الله تعالى وأجزل فيها العطاء وجعلها خيرا من ألف شهر، وكيف لا وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن هديا للناس؟
وعن علامات ليلة القدر يقول د .هاشم: لهذه الليلة العظيمة أمارات وعلامات ومعظمها لا يكون إلا بعد مضي تلك الليلة، ومن هذه العلامات طلوع الشمس على صفة معينة، وهي أنها لا شعاع لها، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه ليلة القدر طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة .
ويحذر د .هاشم من تصديق بعض الخرافات والمعلومات الخاطئة المتداولة بين عامة الناس حول ليلة القدر وعلاماتها ويقول: ليست ليلة القدر كما يزعم بعض الناس كوكبا يضيء، أو جائزة مالية يتلقفها صاحب الحظ، وإنما ليلة القدر هي ليلة مباركة جليلة ينبغي على المسلم أن يقيمها بسائر أنواع العبادات كما كان يفعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم .