لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم طبائع لا تحصى، وقد روى قصة عجوز صالحة وهي أم لعدد من الأبناء، وكانت تمدح أحد اولادها كثيراً وترتاح إذا زارها أو تحدث معها مع أن بقية أولادها يبرون بها ويحسنون اليها، لكن قلبها مقبل على ذلك الولد الذي ذكر أن المشكلة أن إخوانه لا يعرفون طبيعة أمه، فإذا جلسوا معها صاروا عليها ثقلاء، أما عن نفسه فيشرح أنه يتعامل مع أمه على أنها كبقية العجائز تحب الحديث حول النساء، واخبار من تزوجت وطلقت، وكم عدد ابناء فلانة، وأيهم أكبر، ومتى تزوج فلان فلانة، وما اسم أول اولادهما؟ إلى غير ذلك من الأحاديث التي يعتبرها هذا الولد غير مفيدة لكنها تجد سعادتها في تكرارها وتشعر بقيمة المعلومات التي تذكرها لأننا لن نقرأها في كتاب ولن نسمعها في شريط ولا تجدها في شبكة الانترنت فتشعر أمه وهو يسألها أنها تأتي بما لم يأت به الآخرون فتفرح، وإذا جالسها حرك فيها هذه المواضيع لتبتهج ويمضي الوقت وهي تتحدث. أما إخوانه فلا يحتملون سماع هذه الأخبار فيشغلونها بأخبار لا تهمها، وبالتالي تستثقل مجلسهم وتفرح بهذا الولد.
نعم، أنت إذا عرفت طبيعة من أمامك وماذا يحب وماذا يكره استطعت أن تأسر قلبه، ومن تأمل في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس وجد أنه كان يعامل كل شخص بما يتناسب مع طبيعته، في تعامله مع زوجاته كان يعامل كل واحدة بالأسلوب الذي يصلح لها. عائشة رضي الله عنها كانت شخصيتها انفتاحية فكان يمزح معها ويلاطفها، وقد ذهبت معه مرة في سفر وفي رحلة العودة وعندما اقتربوا من المدينة قال صلى الله عليه وسلم للناس: تقدموا عنا فتقدم الناس عنه حتى بقي مع عائشة وكانت جارية حديثة السن نشيطة البدن فالتفت إليها وقال: تعالي حتى أسابقك فسابقته وركضت وركضت حتى سبقته، وبعدها بزمان خرجت معه صلى الله عليه وسلم في سفر بعدما كبرت وسمنت حملت اللحم وبدنت فقال صلى الله عليه وسلم تقدموا فتقدموا ثم قال لعائشة تعالي حتى أسابقك فسابقته فسبقها فلما رأى ذلك جعل يمازحها ويضرب كتفيها ويقول: هذه بتلك هذه بتلك. بينما كان يتعامل مع خديجة رضي الله عنها تعاملاً آخر، حيث كانت تكبره في السن بخمس عشرة سنة.
ومع أصحابه كان يراعي ذلك فلم يلبس أبا هريرة عباءة خالد، ولم يعامل أبا بكر كما يعامل طلحة، وكان يتعامل مع عمر تعاملاً خاصاً ويسند اليه أشياء لا يسندها إلى غيره.
نعم، لكل واحد من الناس مفتاح تستطيع به فتح أبواب قلبه وكسب محبته والتأثير فيه وهذا تلاحظه في حياة الناس. أفلم تسمع زملاء عملك يوماً يقولون: المدير مفتاحه فلان، فلماذا لا تجعل مهاراتك مفاتيح لقلوب الناس، لتكون رأساً لا ذيلاً؟ نعم كن متميزاً، وابحث عن مفتاح قلب أمك وأبيك وزوجتك وولدك. اعرف مفتاح قلب مديرك في العمل وزملائك. ومعرفة هذه المفاتيح تفيدنا حتى في جعلهم يتقبلون النصح الذي يصدر منا لهم إذا احسنا تقديم هذا النصح بأسلوب مناسب، فهم ليسوا سواء في طريقة النصح بل حتى في إنكار الخطأ إذا وقع منهم، فلنغير أسلوب تعاملنا مع الناس مع ما يتناسب مع شخصياتهم لنكسبهم.