عام الحزن.. وفاة أبي طالب وخديجة

مواقف نبوية
02:13 صباحا
قراءة 6 دقائق

نشأ الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في بيت عمه أبي طالب، الذي تكفل بحمايته من بطش قريش وأذاها، فلطالما دافع عنه ودفع عنه أذى المشركين؛ لكنّ قريشاً أخذت تضيق على النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حتى كتبوا تلك الصحيفة الظالمة، وحبسوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في شعب أبي طالب ثلاث سنوات إلى أن سعى بعض الناس في نقض هذه الصحيفة فرجع بنو هاشم وبنو المطلب إلى مكة.
وما إن خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من شعب أبي طالب حتى تتابعت عليه المحن والأحزان.. فقد مات عمه أبو طالب، الذي كان يدافع عنه وينصره.. فعن علي- رضي الله عنه- قال: أخبرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بموت أبي طالب، فبكى ثم قال: «اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه». ولم تكن المصيبة في موته فحسب؛ بل كانت المصيبة في أنه مات كافراً مع أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يتابعه بالدعوة حتى آخر لحظة من عمره.

مات ولم يقلها

جاء في كتاب الشيخ محمود المصري «ليلة في بيت النبي- صلى الله عليه وسلم-»، عن المسيب- رضي الله عنه- قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فوجد عنده أبا جهل، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». (متفق عليه)
فقال أبو جهل وعبدالله بن أبى أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم، وهو على ملة عبدالمطلب؟ وأبى أن يقول لا إله إلا الله.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ». (سورة التوبة الآية 113). وأنزل الله- تعالى- في أبي طالب مخاطباً رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ». (سورة القصص الآية 56)
وعن العباس بن عبد المطلب- رضي الله عنه- قال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (متفق عليه).
لما مات أبو طالب وجدت قريش فرصة كبيرة لإيذاء النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد مات الذي كان يدافع عنه.. فقام واحد من سفهاء قريش وألقى التراب على رأس النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب».
وكانت وفاة أبي طالب في رجب سنة عشر من البعثة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر.

رحيل النصيرة المؤمنة

ما كاد النبي- صلى الله عليه وسلم- يخلع ثوب الحزن على عمه حتى فجع بموت زوجته وشريكة عمره خديجة- رضي الله عنها- التي نصرته وبذلت نفسها ومالها لنصرة هذا الدين.. وكانت نعم الزوجة.
وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ ذاك في الخمسين من عمره.
وحزن النبي- صلى الله عليه وسلم- لموتها حزناً شديداً فلقد كانت الزوجة الصابرة المخلصة التي آزرته طوال حياته، وبذلت من أجل نصرة هذا الدين كل غال ونفيس فلم يستطع النبي- صلى الله عليه وسلم- أن ينساها أبداً، وكان يحمل لها وفاء يعجز القلم عن وصفه. فها هو الحبيب- صلى الله عليه وسلم- يثني عليها ويقول: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». (متفق عليه)
ولم يتزوج النبي- صلى الله عليه وسلم- امرأة قبلها أبداً.. بل ولم يتزوج عليها حتى ماتت. فعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «لم يتزوج النبي- صلى الله عليه وسلم- على خديجة حتى ماتت».

مواساة من جبريل

وجاء فى طبقات ابن سعد عن حبيب مولى عروة قال: « لما ماتت خديجة حزن عليها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأتاه جبريل- عليه السلام- بعائشة في مهد فقال: يا رسول الله هذه تذهب ببعض حزنك، وإن في هذه لخلفاً من خديجة، ثم ردها، فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يختلف إلى بيت أبي بكر ويقول: يا أم رومان استوصي بعائشة خيراً واحفظيني فيها، فكان لعائشة بذلك منزلة عند أهلها ولا يشعرون بأمر الله فيها، فأتاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بعض ما كان يأتيهم، وكان لا يخطئه يوم واحد إلا أن يأتي بيت أبي بكر، منذ أسلم إلى أن هاجر، فيجد عائشة متسترة بباب أبي بكر تبكي بكاء حزيناً، فسألها فشكت أمها، وذكرت إنها تولع بها، فدمعت عينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فدخل على أم رومان فقال: يا أم رومان ألم أوصك بعائشة أن تحفظيني فيها؟. فقالت: يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنها بلغت الصديق عنا وأغضبته علينا. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: وإن فعلت. قالت أم رومان: لا جرم، لا سؤتها أبداً.
وجاء كتاب «مواقف حزن فيها الرسول- صلى الله عليه وسلم-» لمجدي محمد الشهاوي: أخرج ابن مروديه عن ابن عباس قال: اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأبو البختري في نفر من قريش، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه حزناً شديداً، فأنزل الله: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا» (سورة الكهف الآية 6).

صبيحة ليلة الإسراء

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فقعدت معتزلاً حزيناً». قال: فمر عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: ما هو قال: «إنه أسري بي الليلة». قال: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس». قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: «نعم». قال: فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه. قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نعم». فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي هلم، قال: فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.. قال: حدث قومك بما حدثتني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أسري بي الليلة». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس». قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: «نعم». قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً، قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال - أو عقيل- فنعته وأنا أنظر إليه وكان مع هذا نعت لم أحفظه». فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب.

سيدات نساء أهل الجنة

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون». (رواه الترمذي)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون» (رواه الطبراني)

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"