عدوان محدود الأهداف على غزة

02:10 صباحا
قراءة 8 دقائق

من دون مقدمات عملية من الجانب الفلسطيني، أقدمت إسرائيل على خرق التهدئة غير المعلنة في قطاع غزة، التي توسطت فيها مصر في أغسطس/ آب من العام الماضي، بتصعيد نوعي، تقصد إسرائيل من ورائه استدراج ردود فعل فلسطينية بما تيسر من سبل الرد المتوافر لدى فصائل وجماعات المقاومة .

إسرائيل دأبت على خرق التهدئة الهشة القائمة، وفي معظم المرات كان الرد الفلسطيني محدوداً ومحسوباً، ولا يصل إلى مستوى، توفير الذرائع التي تسعى دولة الكيان إليها .

وإذا كانت إسرائيل غير مهتمة بالذرائع والمبررات، ذلك أنها تواصل دورها كدولة احتلال وعدوان، فإنها هذه المرة، تدعي أن ثمة مجموعات في غزة تخطط للقيام بعمليات عسكرية، من دون أن تتوقف عن سرد معزوفتها الممجوجة بشأن تضخم الترسانة العسكرية لحركة حماس وفصائل المقاومة في القطاع .

كان استهداف الأمين العام الجديد للجان المقاومة الشعبية الشيخ زهير القيسي، ومساعده محمود الحنني، يوم الجمعة الماضي، بعد أن قامت باغتيال الأمين العام السابق كمال النيرب واثنين من مساعديه في أغسطس/ آب من العام الماضي، مقصوداً، وينطوي على استفزاز كبير، لا تحتمل معه لجان المقاومة الصمت أو الصبر من دون أن تقوم بالرد خاصة أن هذه اللجان ليست محكومة بأفق سياسي وحسابات تمنعها من الرد .

ولأن رد لجان المقاومة الشعبية قد لا يكون كافياً لاستدراج أعداد كبيرة من الصواريخ الفلسطينية، أتبعت عملية اغتيال قادة اللجان باغتيال عشرة نشطاء من حركة الجهاد الإسلامي، خلال 12 ساعة فقط، ثم تعلن المصادر العسكرية الإسرائيلية أنها تخوض حرباً مفتوحة على الجهاد الإسلامي .

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن هذا التصعيد النوعي، من شأنه أن يحرج حركة حماس، التي تتحمل المسؤولية وتدير السلطة في قطاع غزة، وتبدي حرصاً واضحاً على الالتزام بالتهدئة وضبط أي ردود فعل فلسطينية ضمن الحدود التي لا تؤدي إلى انفجار الوضع . في هذه الحالة لا ترغب حماس في أن تجد نفسها في مواجهة من سيبادر للرد على العدوان الإسرائيلي، ولكنها أيضاً لا تستطيع الانخراط لتوسيع الرد الفلسطيني، وسيترتب عليها إعادة الإمساك بزمام المبادرة، فيما إسرائيل توغل في عدوانها واستفزازها .

ويقول عوكل: ربما كانت إسرائيل تسعى لتحقيق أحد أهدافها في خلق حالة من التناقض بين حركتي الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية على خلفية طبيعة وحدود الرد على العدوان، لكنها على الأرجح محاولة للاصطياد في مياه عكرة، حيث من المستبعد أن يقع مثل هذا التناقض، إلى الحد الذي يثير القلق على الأوضاع في قطاع غزة .

ولأن العدوان الإسرائيلي النوعي، هذه المرة، لم يكن محمولاً على ذرائع إطلاق صواريخ فلسطينية على إسرائيل، فإن التساؤل يكبر بشأن حجم هذا العدوان، وتوقيته، خصوصاً أنها اتخذت إجراءات، بإخلاء المستوطنات على مسافة معينة (تراوحت بين 7 إلى 40 كيلومتراً) من قطاع غزة .

في الواقع فإن هذا التصعيد محدود، ولا يتصل بالحرب التي تحضر لها إسرائيل منذ بعض الوقت وتشمل جبهات متعددة، بقدر ما إنه محاولة لتسخين الوضع في المنطقة، وفحص طبيعة وحجم الردود العربية عليها، خصوصاً في ما يتصل بمصر في أول تصعيد نوعي بعد فوز جماعة الإخوان المسلمين بانتخابات مجلسي الشعب والشوري المصريين .

لقد حدد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي طبيعة العدوان حين أعلن أنه أعطى توجيهاته للجيش لتوجيه ضربة قوية للقطاع فيما اعترف وزير الدفاع الإسرائيلي أن العدوان سيستمر بضعة أيام .

من الواضح أن جيش الاحتلال الإسرائيلي بحاجة إلى تنشيط عملياته الخارجية حيث أمكن والممكن هو ضد قطاع غزة، لتعزيز مكانته، ودوره الحاسم في حماية أمن ووجود إسرائيل، في مواجهة الوزارات المدنية ومنها المالية التي لا ترى ضرورة للاستجابة وتلبية الموازنات العالية التي طلبها الجيش . على أن المسألة لا تقف عند هذه الحدود، فقد جاء توقيت العملية مباشرة بعد عودة رئيس وزراء دولة الكيان بنيامين نتنياهو من زيارة للولايات المتحدة، بغرض حضور المؤتمر السنوي لمنظمة إيباك اليهودية الأمريكية، وخلال هذه الزيارة مارس ابتزازاً قوياً وملحوظاً على الإدارة الأمريكية من بوابة الرغبة الإسرائيلية المستعجلة في استخدام القوة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي .

لهذا فقد ارتفع مزاد الحديث عن الخيار العسكري، حيث انساقت الإدارة الأمريكية وراء التهديدات الإسرائيلية لإيران، وبدا وكأنها بصدد تغيير خياراتها لمواجهة الخطر الإيراني، ولكن ليس قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي ستجرى قبل نهاية العام الجاري .

لذلك اتسمت تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالتشدد في تقديم موقف حاسم بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وأنها ستبادر إلى القيام بواجبها قبل أن تبلغ إيران هذا الهدف . تصريحات أوباما جاءت بمثابة الوعد الذي ينتظره نتنياهو الذي يعرف من أين تؤكل الكتف الأمريكية، ولذلك فإنه أبقى الباب مفتوحاً على إمكانية توريط الولايات المتحدة في الوقت غير المناسب لها، حين قال إن توجيه الضربة العسكرية لإيران لن يتم خلال أيام وأسابيع ولكنه لن يتأخر لسنوات .

في هذا الاطار قد يكون هذا المناخ الحربي، شجع نتنياهو على ارتكاب عدوانه على قطاع غزة، ضامناً الغطاء الأمريكي من ناحية، وفي محاولة لتهيئة مناخات المنطقة لما هو قادم من ناحية ثانية .

ومن الواضح أن إسرائيل تقوم بضربة وقائية تخديرية هدفها تقديم رسالة واضحة للفلسطينيين من أنها لن تسمح بنجاح المصالحة الفلسطينية ذلك أن الانقسام يشكل أحد أهم الإنجازات التي حققتها إسرائيل منذ العام 1948 كما سبق للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس أن قال .

نضيف إلى ذلك، بحسب عوكل، أن هذا العدوان، يبعث رسالة ساخنة للرئيس محمود عباس الذي يحضر لتقديم رسالة لنتنياهو وقادة العالم، جوهرها لا يؤدي إلى استئناف المفاوضات، بسبب السياسة الإسرائيلية، لكنها تؤدي غرض فضح السياستين الأمريكية والإسرائيلية إزاء عملية السلام، الأمر الذي أزعج الإدارة الأمريكية التي طالبت عباس بالامتناع عن تقديمها، إذاً جملة من الأهداف تقاطعت لتحديد توقيت هذا التصعيد الإسرائيلي المفاجئ والاستفزازي الذي يحتاج من الفلسطينيين إتمام مصالحتهم ووحدتهم قبل كل شيء .

ويتفق الكاتب عاطف أبو سيف مع عوكل في رؤيته التحليلية للتصعيد الإسرائيلي، ويقول ثمة جملة من المفاجآت في التصعيد الإسرائيلي الأخير . فرغم الحديث الإسرائيلي المتكرر عن احتمالات التصعيد، إلا أن التركيز الهجومي الإسرائيلي انصب في الأشهر الأخيرة على إيران وسلاحها النووي المحتمل حيث بات الظن سائداً بأن ثمة طائرات إسرائيلية رابضة في انتظار التعليمات للانقضاض على المفاعلات النووية الإيرانية . وكان تراشق الحديث عن غزة يتم بعبارات قليلة من دون أن يعني هذا أن إسرائيل رمت غزة خلف ظهرها أو حساباتها . فالحديث عن تطوير الفصائل في غزة لقدراتها الصاروخية واستجلاب معدات هجومية مهربة عبر الأنفاق من عتاد الجيش الليبي المنحل بات فكرة شائعة وراسخة . وهو ما استوجب الحديث في الكثير من المرات عن التدخل لردع أية فرصة لتحويل هذا العتاد إلى تهديد للمستوطنات والمدن حول قطاع غزة . رغم ذلك كان الهجوم بحجمه وتوقيته وسرعته مفاجئاً . فإسرائيل اغتالت 15 فلسطينياً في قرابة 24 ساعة، وتابعت ذلك بغارات جوية مكثفة ليزداد عدد الشهداء، بمعدل مرتفع ويكاد يكون الأعلى نسبة منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع في يناير/ كانون الثاني ،2009 كما أن شدة القصف وتنوعه يذكر المواطن بتلك الليالي القاسية في شتاء 2008 2009 . هذا يجب ألا يعني بأن عدوان إسرائيل على غزة توقف يوماً واحداً فهي لم توقف الاغتيالات لحظة وهي جاهزة للتدخل حين تحين الفرصة المناسبة ويتوفر لديها هدف ثمين من رجال المقاومة بجانب رغبتها المستمرة في فحص مستويات الرد الفلسطيني ومنسوب وانسيابية تدفق الصواريخ على الغلاف الاستيطاني حول القطاع في حالة التصعيد .

وعليه يمكن وضع هذا التصعيد المفاجئ، كما يحب البعض، ضمن دائرة حالة القياس الإسرائيلية . إن إسرائيل لم تنفض يدها من غزة، وهي لم تدر ظهرها لحديقة بيتها الخلفية . فهي لم تفعل أكثر من اقتلاع الأشجار في هذه الحديقة وواصلت تصويب بنادقها ومدافعها وبوارجها وتحليق طائراتها فوقها . تكمن الرغبة الإسرائيلية في البحث عن أفضل السبل لإدارة العلاقة مع غزة .

لقد قدم الانقسام لإسرائيل فرصة نادرة وثمينة في إدارة علاقتها مع الفلسطينيين . تزامن هذا مع التراجع الكبير في السياسة الإسرائيلية عن أية إمكانية للتقدم في عملية السلام . لقد أدركت أطياف السياسة الإسرائيلية أن ثمة استحقاقاً على إسرائيل دفعه إذا استمرت في التفاوض وأن غاية أي مفاوضات لا يمكن أن تكون، إلى الأبد، المفاوضات ذاتها . بعبارة بسيطة فالدولة الفلسطينية المستقلة التي ينشدها الفلسطينيون خطر استراتيجي على مصالح إسرائيل الحيوية لذا لا يمكن السماح لهم باستقلال في الضفة الغربية وقطاع غزة فضلاً عن جملة الاستحقاقات الأخرى . من هنا كانت طاولة المفاوضات كلما شهدت المزيد من الحوارات والنقاشات والوساطات تشهد تراجع الاحتمال الحقيقي لتحقيق الغاية النهائية لعملية السلام والمتمثلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة . وظهر أن الحاجة الإسرائيلية تكمن في إدارة العلاقة مع الفلسطينيين وليست حل الصراع سياسياً . لأن إدارة الصراع تعني التهرب من الاستحقاقات السياسية المترتبة على أية عملية سياسية .

وبرأي أبو سيف فإن الانقسام وفر مادة خصبة من أجل تعزيز هذا النهج الجديد، حيث أمكن لإسرائيل إخراج النصف الجغرافي والكياني الثاني للدولة الفلسطينية المنشودة (قطاع غزة) من دائرة الجدل العام حول مستقبل التفاوض ومكنها من خلق آليات خاصة للتعامل مع غزة . وهي آليات أسهل مثلاً من التعامل مع الضفة الغربية التي يوجد فيها قيادة سياسية تبحث عن حقوق سياسية يؤازرها العالم ويضغط على إسرائيل من أجلها . وربما كان استحقاق سبتمبر/ أيلول (التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة لنيل الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة)، الذي كان رغم ما قد يقال عن النتائج، وهو واحد من أهم الهجمات السياسية الفلسطينية، خير مثال على ذلك . إدارة العلاقة مع غزة لا تقتضي أكثر من الحفاظ على قواعد اللعبة مع الحكام الجدد فيها . لقد بات واضحاً لإسرائيل بأن حماس لن تكون معنية بأي حال بتصعيد قد يهدد وجودها في غزة لذا فهي أثبتت خلال السنوات الماضية أن بإمكانها لجم فصائل المقاومة ومنعها من التصعيد . مدركة من ذلك، أن إسرائيل من فترة لأخرى ترغب في التأكد من أن قواعد اللعبة لم تنتهك . بالمقابل فإن إسرائيل هذه المرة لا ترغب في التصعيد غير المقنن كي لا تفلت السيطرة على الميدان من يدها . وهذا تحديداً ما قد تقوم به حماس حتى لو قامت بالرد ببعض الرشقات الصاروخية وتعرض بعض أفرادها للاغتيال، فهي لا تريد أن تجد نفسها في سيناريو لا تتحكم فيه بمنسوب التصعيد الفلسطيني .

وعليه فالأمر ليس مفاجئاً بهذا المعنى . ثمة إدراك للخط الفاصل بين الحرب والنشاط الحربي، بين الهجوم الواسع والتصعيد . بالتأكيد ما يحدث هو تصعيد لكنه، ما لم تطرأ تغيرات جوهرية على قواعد اللعبة، سيبقى مجرد تصعيد آخر . السياق الآخر الذي لا يمكن أن يفوتنا في هذه القراءة هو ربط التصعيد الميداني في غزة بحالة المصالحة . إن تتبعاً سريعاً لمنسوب التصعيد الإسرائيلي والرد الفلسطيني يكشف هذه العلاقة الطردية بين التصعيد والمصالحة: فكلما تقدمت المصالحة ارتفع مستوى التصعيد من جانب دولة الكيان .

ربما استدعى كل ذلك الاقرار بأن أولى اولويات الحالة الوطنية الفلسطينية هي إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة وتطوير برامج نضالية مشتركة تتناغم في ما بينها من أجل الحد على الأقل من خسائرنا أمام إسرائيل وتقرب من فرص تحقيق بعض من تطلعات أبناء شعبنا .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"