تمكن علماء غربيون في تطور طبي مهم للغاية من ابتكار عقاقير تملك المقدرة على معالجة سرطان الجلد بطريقة ناجعة . وقد برهن العلاج الجديد عن فعاليته الهائلة عند تجربته على مرضى سرطان الجلد الميلانوما، لكن الخطوة الأكثر أهمية التي أظهرتها تجارب هذا الدواء هي إمكانية استخدامه لدحر أنواع أخرى من السرطان .
قال أحد العلماء إن الأمر المذهل هو تمكن الباحثين من الحديث لأول مرة عن إيجاد علاج ناجع لأنواع عدة من السرطان، فيما أشار عالم آخر إلى التجارب التي أجريت على مرضى سرطان الكلى والرئة باستخدام هذا العقار والتي كانت مشجعة للغاية على حد قوله .
وقال العلماء إن نسبة السدس من مرضى يعانون بشدة نمطاً مميتاً من سرطان الجلد، يعالجون الآن بهذه العقاقير، وثمة إمكانية لإنقاذ أكثر من نصفهم بتوليفة دوائية جديدة .
ويقول العلماء الذين أعلنوا عن هذا الكشف أمام المؤتمر الأوروبي للسرطان الذي عقد مؤخراً في أمستردام، إن هذا التطور المذهل سينقذ حياة آلاف المرضى المصابين بسرطان الجلد في مراحله المتقدمة، والذين يموتون في العادة خلال أشهر من تشخيص إصابتهم، مضيفين أن العلاج الجديد الذي يحمل آمالاً واعدة لملايين البشر حول العالم الذين يعانون حالات مميتة، يتضمن توليفة من نوعين مختلفين من عقار يعيد تشغيل أو شحن الجهاز المناعي . الأول هو عقار يرفوي (Yervoy) أو إيبيلوموماب ipilmumab ، ووفقاً للدراسة التي عرضت أمام المؤتمر فقد عولج 17% من المرضى بهذا العقار بمفرده، والذي يطلق عليه أيضاً اسم آي بي آي (ipi) .
ويرى العلماء أن مرضى كثراً ربما أكثر من النصف يمكن معالجتهم إكلينيكياً بدمج هذه العقار بالعقار الثاني وهو ما يعرف بمضاد PD 1 ، والذي يعرف بمقدرته على تفكيك وتقويض دفاعات خلايا السرطان .
وقال البروفيسور اليكساندر إيجرمونت المحاضر في معهد غوستاف راوسي في فرنسا: إن الميلانوما المستفحلة قد تصبح مرضاً قابلاً للعلاج لدى أكثر من 50% من المرضى خلال فترة تراوح بين 5 و10 أعوام .
ويقول الأطباء إن كتل الجلد الخبيثة أو الشامات يمكن نزعها قبل تفشي السرطان، لكنها إذا لم تزل وبالتالي تمدد السرطان لأعضاء أخرى، فإن فرص النجاة الطويلة الأمد، تقل كثيراً . وفي هذه المرحلة المتأخرة، يخبر الأطباء المرضى بتضاؤل فرص بقائهم على قيد الحياة لفترة طويلة .
وفي الوقت الراهن، يتمكن أقل من ربع المرضى من العيش لمدة عام أو أكثر .
ويثق البروفيسور إيجرمونت بإمكانية استرخدام هذه العقاقير المناعية الجديدة لمعالجة مجموعة واسعة من الأورام السرطانية المستفحلة . ويقول: هذه العقاقير ستسهم في مساعدة عدد كبير من الناس . فالتقارير الواردة من تجارب على مرضى مصابين بسرطانات كلى ورئة كانت مشجعة للغاية، مشيراً إلى أنه في إحدى تجارب سرطان الرئة التي تم فيها استرخدام عقاقير مضاد PD 1، تقلصت الأورام كثيراً لدى 25% من المرضى الذين كانت حالتهم سيئة للغاية ولم يستجيبوا للعلاج الكيماوي .
وذكر العلماء أن تجارب العلاج بالعقاقير الجديدة تمارس الآن على مرضى سرطان البروستاتا والأمعاء والثدي أيضاً .
ومن جانبه، قال البروفيسور ستيفن هودي، المحاضر في معهد دانا فاربر لعلاج السرطان في بوسطن، إنه حصل على نتائج مشجعة عند دراسته لفرص النجاة لدى 5 آلاف من مرضى الميلانوما الذين وضعوا على تجارب العلاج بعقار ريفوي .
وأضاف أنه كان يتوخى الحذر عند استخدام العقار لكنه وصف التقدم الذي احرزه في الأونة الاخيرة بانه تحول نموذجي .
وأضاف أن نجاح الجيل الجديد من العقاقير يعني أن بعض المصابين بسرطان الجلد ربما يعانون مرضاً مزمناً لا وفاة وشيكة .
وكانت أجهزة الرقابة الدوائية الأمريكية قد أقرت عقار يرفوي في عام ،2011 ووصف بأنه أحدث انفراجة في علاج هذا النوع من السرطان الأكثر فتكاً، وأصبح أول عقار يسهم في زيادة فرص نجاة المصابين بالميلانوما .
وينشط العقار الجهاز المناعي للجسم لمكافحة السرطان، وفي المتوسط أسهم العقار في التجارب الأولية في إطالة عمر المريض نحو أربعة أشهر، غير أن 20 في المئة من المرضى أظهروا استجابة أطول للعقار .
وقدم هودي للمؤتمر بيانات جديدة من أكبر وأطول دراسة للمرضى الذين عولجوا بعقار يرفوي أظهرت أن البعض ربما يعيش لفترة تصل إلى عشر سنوات .
يذكر أن وكالة الغذاء والدواء الأمريكية منحت موافقتها قبل عامين على عقار يرفوي أو إبيليموماب في ظل افتقار العقاقير المتوافرة إلى القدرة على علاج سرطان الجلد في حال انتشاره في الجسم .
ومنذ عقود عدة ظل علماء السرطان، يسعون إلى ابتكار عقاقير تعين الجهاز المناعي على محاربة السرطان، بيد أن العلاج المناعي كان حتى وقت قريب، يسير في طريق مسدود .
ويقول العلماء إن غالبية التجارب فشلت لأنها ركزت على شيء خاطئ، وهو تنشيط خلايا تي T المقاومة للسرطان، بدلاً من تفكيك وتقويض دفاعات الأورام .
وأوضح البروفيسور إيجرمونت قائلاً: انتهت جميع هذه المحاولات حينما وجهت جدار الدفاع . نحن بحاجة إلى هدم هذا الجدار لمهاجمة الورم، وهو الأمر الذي يفعله العقار ريفوي ومضاد PD 1 بطرق مختلفة، الآن تغيرت قواعد اللعبة .
ويرى علماء بريطانيون أن العقاقير الجديدة مشجعة للغاية، بالرغم من تشديدهم على أن الوقت ما زال مبكراً .
وأوضح البروفيسور بيتر جونسون، مدير الأبحاث الإكلينيكية في مؤسسة أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة: منذ فترة طويلة، كنا نعتقد أننا إذا تمكنا من حمل الجهاز المناعي على إحداث ردة فعل إزاء الورم، فعلى الأرجح سنحصل نتائج فعالة طويلة الأمد، لأن الجهاز المناعي مصمم للبقاء مدى الحياة . ومن الرائع أن نراه يعمل .
وقال الدكتور جيمس لاركن الذي يعمل في مستشفى رويال مارسدن بلندن، إن عقار ريفوي أضفى بمفرده تحسناً كبيراً على مرضى في تجارب علاجية سابقة . وأضاف قائلاً: حينما تتمدد الميلانوما نحو أعضاء أخرى، تعد تقليدياً غير قابلة للعلاج، ولذا تعد تجارب العقاقير الجديدة مهمة للغاية .
وأضاف: من الصعب أن ندرك أننا تمكنا بالفعل من معالجة مرضى، لأننا بحاجة إلى الانتظار لكي نرى ما إذا كانوا سيلقوا حتفهم بسبب شيء آخر . بيد أن جميع بيانات عقار ريفوي الجديد تشير إلى حقيقة مفادها أن المريض إذا استرجاب للعقار وظل حياً بعد ثلاثة أعوام من تلقيه للعلاج، فعلى الأرجح يمكن اعتباره قد تعافى من الناحية الإكلينيكية .
ويعمل الدكتور لاركن حالياً على تجربة يدمج فيها عقار ريفوي مع مضاد PD 1 ، وأشار لاركن إلى أن النتائج الأولية، أظهرت تقلص الورم بمستويات كبيرة للغاية .
وقد أظهرت النتائج الأولية التي عرضت خلال العام الجاري تقلص الأورام بأكثر من 50% لدى 11% من المرضى الذين وضعوا على عقار ريفوي، وبنسبة 41% على المرضى الذين وضعوا على مضاد PD 1، بيد أن نسبة التقلص ارتفعت إلى 53% لدى المرضى الذين تلقوا العقارين معاً .
ووصف البروفيسور بول وركمان المحاضر في معهد أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة، المعززات المناعية بأنها اختراق حقيقي، مضيفاً: أعتقد أننا سنملك المهارة اللازمة لإطالة أعمار المرضى ب ،5 و10 أعوام ومعالجتهم في النهاية . ويعد سرطان الجلد من الأمراض التي لا يمكن علاجها إذا وصل إلى مرحلة متقدمة، ورغم سهولة علاجه من خلال الجراحة خاصة في حالة التشخيص المبكر له، فإنه كثيراً ما يمتد المرض إلى العقد الليمفاوية أو الرئتين أو الكبد أو حتى المخ . وكلما تأخر علاج الورم، بات أصعب .
وبمجرد انتشار الورم لا تستطيع طرق العلاج المعروفة مثل العلاج الكيميائي بعقاقير مثل داكربازين أو تيموزولومايد أو سيسبلاتين سوى تقليصه أو إضعافه بشكل مؤقت، لا علاجه تماماً .
وبمرور السنوات، أوضحت الكثير من الدراسات أن العلاج المناعي الذي يتم من خلاله تحفيز الجهاز المناعي في جسم الإنسان يمكن أن يساعد على الحد من انتشار سرطان الجلد .
وكان بروتين الإنترفيرون الذي يحفز وظيفة الجهاز المناعي يستخدم لعقود عدة عقب العمليات الجراحية في محاولة لتقليل احتمال عودة المرض مرة أخرى . كذلك تم اختبار قدرة الإنترفيرون على الحد من انتشار السرطان، لكن وُجد أن تأثيره لا يمتد إلى أكثر من بضعة أشهر .
وقام المعهد القومي للسرطان بالترويج لطريقة جديدة لتحفيز الجهاز المناعي باستخدام إنترلوكين 2 الذي ينشط خلايا في الجهاز المناعي، تسمى خلايا تي التي تستطيع أن تهاجم الخلايا السرطانية . وكان تأثيره يستمر لفترة أطول، لكن ثبتت سمية العقار .
وقد ظهر عقار يرفوي الذي يستخدم كوسيلة جديدة لتحفيز الجهاز المناعي . وتم التوصل إلى تركيبة العقار باستخدام جسم مضاد يضعف بروتينا يسمى الخلية الليمفاوية التائية السامة للجين المضاد 4 (cytotoxic T-lymphocyte antigen 4) CTLA-4 . ويحفز هذا الجسم المضاد وظيفة الجهاز المناعي مما يسمح للجسم بمقاومة خلايا سرطان الجلد على نحو أكثر فاعلية مما يحد من انتشارها في أنحاء الجسم .
وفي آخر تجربة تم إجراؤها على مرضى من ضمنهم مرضى لم يتعاطوا علاجا لسرطان الجلد من قبل، وُجد أن نصف المرضى الذين تناولوا عقار يرفوي تمكنوا من مواجهة المرض لمدة عشرة أشهر، أي أكثر من الذين لم يتناولوا العقار ولم يستطيعوا التصدي للمرض بأربعة أشهر . لكن استجابة الكثير من المرضى الذين حقنوا بهذا العامل للورم دامت لأشهر، وهو ما لم تثبته التجارب المختبرية السابقة . لكن لا تزال هناك حاجة إلى إجراء المزيد من التجارب للوصول إلى أفضل طرق لاستخدام هذا العامل . لكن تعتقد إدارة الغذاء والدواء أن هناك فرصة كبيرة للحصول على تصريحها بتداول العقار .
ومن الأبحاث الأخرى الواعدة في مرض سرطان الجلد الأبحاث التي تجرى في مجال الجينات الورمية التي تسبب مرض السرطان . فقد ثبت في بعض الحالات وجود صلة بين سرطان الجلد وطفرة الجين الورمي السرطاني الذي يسمى B-RAF . وقد توصلت شركات عدة تعمل في مجال الأدوية إلى عقاقير تضعف من عمل ذلك الجين الورمي وتستطيع الحد من انتشار الخلايا السرطانية لفترة طويلة .
ومن الأعراض الجانبية المثيرة للفضول وتستعصي على التفسير إصابة المرضى الذين يتناولون هذه العقاقير بأنواع أخرى من السرطان تسمى سرطانات الخلايا القشرية التي يتطلب علاجها تدخلاً جراحياً .
وتعد هذه النتائج أكبر تقدم ملموس في علاج المرحلة المتأخرة من سرطان الجلد منذ عقود، فقد دامت استجابة المرضى المصابين بالمرض للعقار لفترة طويلة . واستطاع بعض المرضى العيش لفترة أطول بصحة جيدة بفضل العقار .