عقد الصيانة

عالم متجدد
01:34 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. عارف الشيخ
من العقود المستحدثة في زماننا ما يسمى بعقد الصيانة وله صور وأشكال عدة، ويقول عنه فقهاء العصر بأنه عقد معاوضة بمعنى أن طرفاً يلتزم بإصلاح شيء أو تجديد شيء خلال مدة معلومة، وفي المقابل يلتزم الطرف الآخر بدفع عوض معلوم متفق عليه مقابل الصيانة.
ومن صور عقد الصيانة:
1- أن يقوم مقاول الصيانة بالعمل فقط وربما مع تحمل بعض المواد التي جرت العادة أن تكون على المقاول، وفي هذه الصورة يعد عقد الصيانة عقد إجارة على عمل، وعقد الإجارة يكون العمل فيه معلوماً والأجرة معلومة أيضاً.
2- عقد صيانة مشروطة في عقد البيع على البائع لمدة معلومة، ومثل هذا العقد جمع بين بيع وشرط وقد أجازه الفقهاء.
3- عقد صيانة مشروطة في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر، وهذا العقد جمع بين الإجارة والشرط أيضاً، وقد قال الفقهاء بأن الصيانة إذا كانت ضرورية لكي يتم استيفاء المنفعة من العين المؤجرة، فإن مالك العين يلزم بالصيانة شرعاً من غير اشتراطها في العقد.
وإذا لم يكن يتوقف عليها استيفاء المنفعة فلكل منهما أن يشترط بالاتفاق بين الطرفين أو لا يشترط.
وبالمناسبة فإن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في المؤتمر الحادي عشر المنعقد في البحرين بتاريخ 14-19 من نوفمبر عام 1998 أقر هذه الصور التي ذكرناها لعقد الصيانة.
وتطرق العلماء المعاصرون إلى أهمية عقود الصيانة في هذا العصر الذي بدأ بالثورة الصناعية وانتهى اليوم بعصر الكمبيوتر، أضف إلى ذلك أننا نعيش ثورة اقتصادية عجيبة يشتد التنافس فيها بين من يقدم خدماته بشكل أرخص، ومن يقدم بشكل أكثر جودة، والآلات الحديثة تلعب دوراً في هذا وذاك.
ومن ثم فإن الحاجة ماسة إلى عقود تلزم كل طرف بما هو مطلوب منه، وفي الوقت نفسه لم تعد آلة البناء أو النقل أو الصنع آلة بدائية، بل تطورت إلى آلات ثقيلة وسيارات وطائرات ومكائن عملاقة وعمارات وأبراج ومصاعد وغيرها، منها ما تعمل في المجالات الصحية ومنها ما تعمل في المجالات الأمنية ومنها ما تعمل في مجالات أخرى خدمية.
هذه الآلات كيف يتصور أن تقدم خدماتها إذا لم نقم بصيانة دورية لها؟ والصيانة لا تكون إلا من أهل الاختصاص وهم الفنيون، والفنيون لا يقدمون خدماتهم إلا بعوض مالي، إذن لا بد من عقد عمل بينهم وبين الملاك: ملاك العمارات، ملاك المصانع، ملاك البواخر والطائرات وغيرها.
ومن هنا فإن الفقهاء لكي يوجدوا تكيفاً فقهياً لهذا العمل ربطوا الموجودات اليوم في حياة البشر بالكليات الخمس الضرورية التي يجب علينا أن نحافظ عليها، بمعنى أنها داخلة في مقاصد الشرع الضرورية، وحفظ المقاصد الشرعية الضرورية يقول عنها الإمام الشاطبي يكون بأمرين:
1- ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها.
2- ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع، ونحن اليوم نلحق عقود الصيانة بهذا الأمر لأنها ضرورة، وقد قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا».
نعم.. والدين الإسلامي الحنيف لم يكن يوماً ما جامدا بل مرنا وميسراً، وهو يقدم الحلول لكل المشكلات، لكن ليس بشرط أن توافق كل تلك الحلول كل رغبات الناس، ونحن نعلم أن الناس ينزعون إلى الشر أكثر من الخير بحكم طبائعهم المركبة من الشهوات، وقديماً قيل: كل ممنوع مرغوب، ومن هنا فإن مخالفة النفس والهوى مقصد من مقاصد الشريعة أيضاً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"