حظي علم الهندسة باهتمام علماء الحضارة الإسلامية الذين انطلقوا برؤية فاحصة ناقدة من كتاب الأصول الهندسية لإقليدس بعد ترجمته إلى العربية مرتين: الأولى في عهد الرشيد وتسمى الترجمة الهارونية والثانية أيام المأمون وتسمى الترجمة المأمونية، وتعامل علماء المسلمين مع كتاب الأصول وألفوا حوله شروحا وشكوكا ومنهم من ألف على نسقه وابتكر مسائل هندسية جديدة لا يزال بعضها يعرف حتى الآن باسم أصحابها، مثل مسألة ابن الهيثم التي اكتشفها عندما بحث انعكاس الضوء بطرق هندسية. كما يقرر المؤرخون لعلوم الرياضيات أن المعالجات الهندسية الإقليدية التي قام بها علماء المسلمين هي التي أدت إلى تطور علم الهندسة المستوية وأدت إلى ظهور الهندسة اللاإقليدية الجديدة التي يعتمد عليها في دراسة الفضاء الطبيعي وتفسيرات النظرية النسبية بعد أن تطورت على لوباتشكوفسكي الروسي وريمان الألماني في القرن التاسع عشر الميلادي.
وأهم ما يميز الهندسة في العصر الإسلامي إنها لم تقتصر على الجانب النظري البحت القائم على فرض الفروض والبرهنة عليها وفق منهج استنباطي أصيل، ولكنها أيضا هندسة عملية تطبيقية تستخدم لتعيين مساحات الأراضي وحدودها لتقدير الخراج، وتحديد مساقط الخطوط على الأرض لضبط عمليات البناء، وبناء القصور والمدن والجسور والمساجد وغير ذلك مما يلزم الناس في حياتهم فقد أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببناء عواصم جديدة في الأقاليم المفتوحة حسب خطط معينة مثل الكوفة في العراق والفسطاط في مصر. كما أمر بمسح أراضي السواد (جنوب العراق) وغيرها مما فتح على المسلمين لتحديد خراجه. وهندسة الزخرفة كانت معروفة أيضا ويشهد على ذلك القصور الأموية والمساجد المزخرفة.
وهناك من علماء المسلمين من كرس جهده الأكبر للتخصص في الهندسة مثل الحسن بن الهيثم الذي اهتم بالهندسة النظرية والتطبيقية معا، فعرف بالمهندس وألف كتبا ورسائل منها كيفية استخراج ثمة القبلة في جميع أنحاء العالم وكتاب علم الهندسة والمثلثات وحساب المعاملات وكتاب ما تدعو إليه حاجة الأمور الشرعية من الأمور الهندسية.
ويصنف كتاب أبي الوفاء البوزجاني (ت388ه/ 998م) بعنوان ما يحتاج إليه الصانع من علم الهندسة ضمن الكتب المتميزة في مجال الهندسة التطبيقية في الحضارة العربية الإسلامية، أما كتابه بعنوان فيما يحتاج إليه الكتاب والعمال وغيرهم من علم الحساب فيتوجه به إلى جميع الفئات المتعلمة والمبتدئة، ويقدم موضوعات تهم الحاكم والإنسان العادي في الإدارة والحياة اليومية، ويدعم هذا التوجه تجريد مسائل الكتاب من البراهين، ويعلل البوزجاني عدم وجود براهين بقوله: لئلا يطول ويفوت تناوله وتمل طرائقه، ويكشف البوزجاني في هذا الكتاب عن الفرق بين مساح السلطان ومساح القضاة فيقول: ومساح السلطان أيده الله، يتساهلون في القبضات والأصابع (وهي وحدات قياس الأطوال) ويجعلونها كسورا من الذراع، ويسقطون ما كان أقل من قبضة، ويجبرون ويقيمون القصبة التي هي الباب مقام الواحد، وينسبون إليها ما كان أقل منه على التقريب. أما مساح القضاة فسبيلهم ألا يسقطوا من القبضات والأصابع شيئا، ويحققا فيما يعملون من أعمال المساحات. ويلاحظ هنا أن البوزجاني بهذا التفريق يكشف عن عدالة القضاء ونزاهته المطلقة التي تهدف لإعطاء كل ذي حق حقه، وعن اللامبالاة والتي كانت من سمات بعض مساح السلطان في ذلك الزمان!
ويبرز في مجال الهندسة أيضا الإخوة الثلاثة محمد وأحمد والحسن أبناء أحد منجمي بلاط المأمون ويدعى موسى بن شاكر (عاشوا في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي). حيث كان مصنفهم الرئيسي المعروف باسم كتاب معرفة مساحات الأشكال أحد الجسور التي انتقل بها التأثير اليوناني إلى بغداد، حيث أدخلوا عليه إضافات جديدة وأصيلة وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية على يد جيرار الكريموني، وعن طريق هذه الترجمة استطاع علماء الغرب، من أمثال فيبوناشي وروجر بيكون وغيرهما، أن يعرفوا الأفكار الأولى الخاصة بالرياضيات العالمية. وعن طريق بني موسى هؤلاء تعرف الغرب اللاتيني أيضا على مسائل هندسية عديدة، مثل تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام، وطريقة استخراج الجذور التكعيبية بأي عدد تقريبي مطلوب، وغير ذلك من المسائل الشهيرة في الفكر الهندسي.