علي جعفر العلاق: الشعر في خطر

03:58 صباحا
قراءة 5 دقائق

حوار: محمدو لحبيب

حين يتعثر الشاعر بالضوء قد ينير مساحة الشجن الواسعة في شعره، الدكتور علي جعفر العلاق الشاعر والناقد العراقي المعروف يعانق النور فيرسل قارئه مباشرة إلى عمق انشغالاته، وإلى تفاصيل شجنه المرتبط بوطنه وبأمته، وبالهموم الأدبية التي تشغله كناقد يمارس كتابة الشعر من دون أن تفقد لغته رصانتها وجزالتها المنسجمتين مع بعض في تناغم كامل، تماماً كما انسجم الشعر والنقد عنده فأفاد وأمتع في كليهما.
حصل العلاق على دكتوراه في النقد والأدب الحديث من جامعة إكستر البريطانية سنة 1984 وكان موضوع أطروحته هو «المشكلات الفنية في شعر البياتي: دراسة نقدية مقارنة»، ثم عمل في التدريس في عدة جامعات عربية، وله دواوين وكتب نقدية عديدة «الخليج» التقته فحاورته حول آخر أعماله، وحول بعض الإشكاليات النقدية الحديثة، وتالياً نص الحوار:

كيف ترى المشهد الشعري العربي ؟
- المشهد الشعري العربي يجسد لحظة راهنة تبعث على القلق الشديد وتدعو إلى المراجعة، فهو مشهد يخالطه الكثير من النفاق والكثير من الادعاءات، والكثير من «الشلليات»، وفي الغالب من يشغل الواجهة في مشهدنا الشعري، هم أناس لا تحلق بهم مواهبهم بقدر ما يوصلهم ذكاؤهم وقدرتهم على التبشير بالذات، والتسويغ لفتوحاتهم «الشعرية»، والمسؤول عن ذلك أمور عديدة، من بينها النقد الذي لم يعد مواكباً للعملية الشعرية كما ينبغي، وأصبحت تحركه الشلليات والدوافع الشخصية، وأصبح يكتب عن النصوص لا بدافع المحبة الحقيقية والتبشير بالجمال، بل ليرفع هذا ويضع ذاك من الشعراء.
من ناحية أخرى صارت بضاعة الشعر مستسهلة، ووضعه في خطر، وكأنه لم يعد موهبة، فإذا كنت تمتلك الذكاء، وقادراً على إقامة علاقات تسوقك إعلاميا، و لديك صلات بمنابر النشر وبالمسؤولين عن المهرجانات، ستصبح إذاً شاعراً، ومع ذلك كله لدينا شعراء حقيقيون ولا تملك إلا الإعجاب بهم، لكنهم يتناقصون إلى درجة محزنة، ومن يحتلون الواجهات هم ناس لا يمتلكون الموهبة.
يقال إن الشاعر في كل مرحلة من سيرورته الشعرية هو كائن متجدد، نريد أن نعرف آخر الجديد في محطتكم الإبداعية الحالية؟
-آخر ما صدر لي في الشعر هو مجموعة بعنوان «طائر يتعثر بالضوء» الصادر عن دار فضاءات في عمان، وآخر ما صدر لي في النقد - أو ما يقارب النقد«هو كتاب صادر عن دائرة الثقافة في الشارقة بعنوان «الحلم والوعي والقصيدة» وهو مجموعة مقالات في الشعر وما يجاوره، ولدي الآن في الطريق إلى النشر كتاب نقدي، هذا فضلًا عن الأعمال الشعرية التي صدرت في عمان وفي القاهرة في مجلدين.
ولا يخلو عام يمر من ديوان أو كتاب نقدي مني أو من آخرين عن تجربتي.
في مجموعتكم «طائر يتعثر بالضوء»، أشرتم لعدة موضوعات تعتبر سمة ملازمة أو غالبة في شعركم كما يرى النقاد، من بينها علاقتكم بالمكان، كيف يمكن أن تفكك للقارئ تلك الصلة المتميزة بالمكان ؟

- يرتبط المبدع عموماً وليس الشاعر فقط بالمكان ارتباطا قويا وحميما، وإذا أخذنا الشعر القديم مثالا تبرز هذه الثيمة بشكل واضح، فتبين تعلق الشاعر بالمكان، وتجسد ذلك الوتر الراعف من الحنين الدائم الذي يسكنه.
أنا وكمعظم العراقيين عانينا من تشظيات المكان، فتبعثرنا في أماكن عديدة من العالم، أحس أنني كمن يهوى ويعيش عمره كله باحثا عن مرتكز لقدميه، وأقول في إحدى قصائدي: «أكنت كمن مضى وعاد؟/ أضاع الحسنيين معاً؟/ لم يلق منفاه في المنفى،/ ولا وطنه؟»
لا أنا منفي ولا أنا مقيم وهذه الثيمة تتشظى في كل شعري خاصة في قصائد المجموعة الأخيرة والتي سبقتها كذلك، فالإبداع العراقي كذلك يتبعثر ويتشظى والكل في ترقب للمجهول، المكان العراقي ككتلة فيزيائية هي أيضا تتعرض للتشظي وتنزف دما كل يوم، وذلك المكان كفكرة ماورائية تتعرض للتجريح الدائم، لذا لا غرابة أن يلعب المكان دوراً كبيراً في قصائدي، وأستطيع أن أقول كما أشار إلى ذلك أيضا العديد من النقاد، أن شعري كما يفترض في كل شعر آخر هو صراع محتدم بين ما الذي يشغلك كشاعر في لحظة ما بالتحديد، وكيف تعبر عن تلك اللحظة؟
في نفس المجموعة الآنفة الذكر تعبر في قصيدة بعنوان «عيون المها» عن انتفاء الأمل في الضوء خارج النفق، هل يتسق هذا مع روح الشاعر التي عادة تكون أقرب للتفاؤل من الآخرين بحكم التصاقها بالخيال أكثر من قسوة الواقع؟
- هناك فرق بين أن يقف الشاعر مغنيا وسط المأساة دون سند موضوعي يغذي هذا الأمل لديه، وبين أن يدرك ويعي ماهو فيه من تمزق حقيقي، لكن دون أن يغلق الأفق كاملا، أنا أؤمن أن العراق والوطن العربي عموما يمر بمحنة استثنائية في هذه الفترة، لم يسبق له في التاريخ أن واجه مثيلها، فلا أستطيع أن أغني إلا بصوت جريح مكتوم لا يسمعه إلا الضحية، دون أن أغلق باب الأمل نهائيا، أنت حين تقرأ مجمل قصائدي، مثلا في «حصاد عراقي»، أقول: «أرض يشب الندى والنار في غدها/‏‏‏‏أرض مهدمة ضاعت/‏‏‏‏أرض يعمرها الحمقى فما حصدت عبر القرون /‏‏‏‏ إلا أخطاء سيدها».
فبرغم النار التي تشتعل في الأرض ثمة ندى يقف مجاوراً لهذه النار، أنا لا أقفز على الحقيقة فأصطنع أملا لا وجود له، لا بد للأمل أن يرتكز على نسق موضوعي يمده بالحياة، أما إذا غنيت في مقبرة فلا تستطيع أن تخلق لحظة من الوهم أنهم أحياء، عليك أن تقاوم هذا صحيح، لكن لا مهرب لأغنيتك من أن يشوبها هذا الجرح وهي تتفاءل بأن ثمة نهاية ستكون في صالح الشاعر.
هذا يقودنا إلى توصيفك لمهمة الشعر، فهناك قصيدة لك بعنوان «طبقات الشعراء» تحدد فيها أنواع الشعراء، من يمكن أن يستحق صفة الشاعر حاليا بالنسبة لك؟
- جميل منك أن ذكرت هذا المثال الشعري «طبقات الشعراء»، ففيها أفترض أن ثمة حالات أربع على ضوئها يتحدد الشعراء، وهذا بالمناسبة ليس تحديداً نقدياً، وإنما هو لحظة شعرية، فأنا منحاز للطبقة الأخيرة، أي ذلك الشاعر الذي يغني للحلم، والذي يقدس العشب ولا يقدس الطاغية، ربما أنت معي في أن الشعراء ما زال معظمهم يتوزعون على الطبقات الأخرى، فمنهم من مات كمدا، ومنهم من هاجر وغاب، ومنهم من مازال يغني في مزرعة الحاكم، وأنا أرى أن الشعر في كل تاريخه هو ارتطام بين طموحين فردي، وجمعي، لكن ما يفصل بين هذين التصنيفين أن الفردي قد يخلص لفردية منعزلة عن الناس، والجمعي قد يتخلص نهائياً من فرديته، فيعطي قصيدته للعام والشائع والمألوف، أنا لست مع هذين التصنيفين حقيقة، ولا أحتفي كثيراً بالنبرة الفردية إذا لم تكن مشوبة بشيء من الوجع الجمعي، لا على المستوى النقدي ولا على المستوى الشعري.
هل تعتبرون أن الشاعر الذي يتخصص في قصائد الغزل والحب أو الأغراض الذاتية هو من ضمن التصنيفات الثلاثة الآنفة الذكر عندك؟.
بداية لا يمكن حصر الشعر في الكتابة للشأن العام، فالشاعر الذي يتغزل بحبيبته مثلا يمتهن صناعة الجمال، وحين تصنع كشاعر لحظة من الجمال فأنت تسهم في صناعة تاريخ الذائقة، وهو من أقوى وأهم ما يمكن صنعه لشعب ما، فالشعوب التي تخلت عن ذائقتها لا يجدي معها علاج، وحين نقول صناعة الجمال فنحن لا نتحدث فقط عن الجمال الإنساني العاطفي، بل كل تجليات الجمال.
وعلينا أيضا أن نقول إن كثيرين يكتبون مثلا في الغزل لكن ليسوا كنزار قباني، وكثيرون يكتبون في الشأن العام لكن ليسوا كالجواهري مثلا، فالقصيدة تعتمد على لحظة موازنة بين الدائم وبين الظرفي، فتلك التي تتغنى بالشعب وبطموحه وتشهد على محنته، إذا كانت تركز على الظرفي فهي قطعاً ستذهب مع الريح، ولن يبقى منها شيء لأنها مرهونة بمناسبة، والشاعر الحقيقي هو الذي يرصد ماهو دائم وما يصلح للرجوع إليه في تسجيل وجدان الشعب، يمكن أن تطبق هذه القاعدة على الشعر الغزلي وعلى غيره.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"