شعرت ريم بالقهر عندما فرض عليها والدها الزواج من رجل بسيط في كل شيء، فكان منزله صغيراً وراتبه متواضعاً وهو وخجول كثيراً، كما أنها كانت صغيرة على الزواج فهي بالكاد بلغت السادسة عشرة، لماذا يا والدي تفعل بي هكذا؟ سألته، أنا ابنتك الوحيدة، دعني أشبع منكم، من عطفك . . من حنان والدتي ومحبة أشقائي، ثم إنني أريد أن أكمل دراستي وأعمل، صحيح أن أحوالنا المادية ليست ممتازة، لكنها جيدة فأنا في حياتي لم أشعر بأنني في حاجة إلى شيء أو محرومة من شيء نعيش حياة لا بأس بها، ثم إن معظم فتيات اليوم متعلمات ويصلن إلى مراكز مهمة . قال لها وهل تعتقدين يا ابنتي أنني أريد أن أزوجك لأنك عبء علي لا سمح الله؟ فأنت نور عيني وفلذة كبدي، أنت وحيدتي وحبيبة قلبي، وإن كنت قد طلبت منك الزواج من رجل ثري عندها لك الحق أن تفكري بأن والدي يريد أن يرتاح من عبئي حتى باعني، وقد حصل هذا الشيء مع الشاب الذي أراد الزواج بك منذ عام، فهو كان من الأثرياء لكنني رفضته بالرغم من ذلك .
أعلم بأنك فتاة رائعة الحسن والجمال، وعشرات الشباب يتمنون أن يرتبطوا بك، لكن ليس هذا الذي أريده لك، ولا لي، فأنا أريد أن أموت وأنا مطمئن عليك، ولم أكن أفكر في أن أزوجك الآن، ولو كان من سيتقدم لك يملك الملايين، لأنني لم أفكر طوال حياتي في المال والثروة، ها أشقائي كما تعلمين قد أخذوا كل شيء وأعطوني القليل لأنني كنت صغيراً ولا أفهم، فهل طالبتهم يوما حاشا لله، فأنا غني بكم وبحياتنا المتواضعة، لكنها سعيدة، أنا فقط أفكر في مستقبلك، فسيف رغم راتبه القليل فإن في قلبه الكثير من المحبة والعطاء والفرح والتقوى، وكرامته فوق كل شيء سيحافظ عليك ويكرمك، لن يهينك بكلمة أو يتزوج عليك، وأنا أحببته منذ أن رأيته على بابنا، فهو كما ترين هادئ طيب، ثم إنه لا يزال شاباً يعمل ويكمل دراسته، إنه إنسان طموح وبالطبع سيتقدم في عمله حالما يحصل على شهادته عندها يصبح كل شيء أفضل، أنا معك في كل ما قلته يا أبي، لكن طيبته وخجله الزائد، وخوفه من الكلام حتى لا يجرح أحداً وصل حد البلاهة، قال عيب يا ابنتي أن تتكلمي عنه هكذا ثم إن الطيب الآن يصبح أبله في نظركم؟ سبحان الله! حاولت ريم وتوسلت، لكن القرار كان قد اتخذه الأهل، وتم الاتفاق على الموعد، إذن لا شيء تفعله سوى الانصياع، كان زفافهما يقتصر على الأهل والأقارب المقربين وبعض من الجيران، ليذهبا بعدها إلى إمارة بعيدة نوعاً ما لقضاء شهر العسل في فندق على الشاطئ لأسبوع، عادا بعدها إلى منزله المتواضع . كانت ريم حزينة جداً على وضعها، حتى في أثناء تصوير فرحها لم تبتسم سوى بضع مرات، حيث كانت تطلب منها المصورة أن تضحك أو تنظر إلى باقة الورد الحمراء التي أرسلها المعرس وتبتسم، لكن ماذا تفعل؟ يجب أن تتأقلم مع وضعها الجديد، فإذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، كانت قد ابتاعت أثاثاً جديداً وستائر وسجاداً وأدوات للمطبخ قبل أن تتزوج، فهذا المنزل كان فارغاً تقريباً لأنه كان يعيش فيه وحيداً، لأنه أراد أن يكون قريباً من مكان عمله وجامعته، كان يذهب في عطلة نهاية الأسبوع إلى منزل والديه ليقضي الوقت معهما، وفي فترة الخطوبة اهتمت هي ووالدتها بكل شيء ليصبح المنزل جاهزاً قبل زواجها، وعندما عادت من شهر العسل، أكملت ما كان ينقص مثل الورود، الشموع وما إلى ما ذلك من إكسسوارات، فشعرت بأن المنزل أصبح مقبولاً نوعاً ما، لكنها لم تكن تمضي كثيراً من الوقت فيه، كانت تشعر بأنها مسجونة بين أربعة جدران، فتذهب لتمضي النهار عند أهلها وعند المساء يأتي زوجها لاصطحابها، وبعد مرور ثمانية أشهر على زواجها، مر زوجها وأخذها كالعادة إلى المنزل، لكنه توقف ليملأ خزان السيارة بالوقود، ثم قال لها لأنهيه دقيقة عند زميلي في العمل حيث يجب أن آخذ منه ملفاً مهماً لأنهيه الليلة حتى أقدمه غداً، وهكذا فعل، فوصلا إلى البيت بعد نحو الساعة، وما إن فتحت الباب حتى شهقت فقد كان البيت ممتلئاً بالشموع المضاءة، والأرض مفروشة بأوراق الورد، فقالت الله إنه شيء رائع متى فعلت هذا؟ وما هو السبب؟ فقال غداً عيد ميلادك، وقد أحببت أن أكون أول من يقول لك كل عام وأنت بخير، ثم قدم لها علبة مخملية حمراء قائلاً لم أجد شيئاً أغلى منه معنوياً لأقدمه إليك ففتحت العلبة لتجد بداخلها سلسلة ذهبية تحمل القرآن الكريم، فرحت جداً بها وشكرته على كل شيء، قال لا هناك شيء بعد، هيا ادخلي إلى غرفة الطعام، ففعلت وعندما أضاء النور صرخت من الفرح إذ وجدت والديها وأشقاءها مجتمعين على المائدة، فهناك أنواع متعددة من الطعام، تناولا الطعام وأطفأت الشموع وتلقت الهدايا من أهلها، استيقظت صباحاً وهي تبتسم، فقد كانت المفاجأة التي جهزها لها سيف رائعة أسعدتها جداً، كما أنه طلب إليها أن تتصل بزميلاتها في المدرسة وبعض من قريباتها لتحتفل أيضاً معهن بعيد ميلادها، لكن فرحة الأمس لم تدم كثيراً إذ إنهن عندما أتين ورأين أين تسكن فوجئن وقلن لها، مسكينة يا ريم، كيف قبلت بهذا الوضع؟ أساساً كيف قبلت أن تتزوجي منه؟ فأنت جميلة وصغيرة وكان سيتقدم لخطبتك شبان أحسن منه بكل شيء، كما أنك كنت أذكى واحدة في الفصل، ولو أكملت دراستك لكنت أصبحت شيئاً مهماً . حزنت وقالت بعد تنهيدة من قلبها، لم يكن الأمر بيدي، فعندما يقرر الأهل شيئاً لا نستطيع الرفض، كما أن والدي أطال الله في عمره اقتنع به وشعر بأنه يناسبني، فأنا كما تعلمن وحيدته، وكان دائماً يخاف أن أتزوج بشاب يعذبني أو يهينني، وقال إن المال لا يهم فهو عاقل وهادئ، فقلن حسناً دعينا ما شعر والدك، ولنترك المنزل وصغر مساحته أخبرينا عنه هو، كيف يعاملك؟ كيف يتصرف معك؟ قالت الله حقاً إنه إنسان طيب جداً ويحبني، لا أطلب منه شيئاً إلا ويحضره، لا يخرج من المنزل ويتركني وحدي في المساء، بل يسهر معي نتناول العشاء سوياً سواء في المنزل أو بالمطعم، كما أنه بالرغم من كل شيء يفهم في اللباقة وأصول التعامل، أي أنه يسحب لي الكرسي في المطعم لأجلس، يترك لي حرية اختيار المكان والطعام، يأتيني غالباً بالهدايا كالعطور والورود، وإذا شعر بأنني حزينة يحاول المستحيل ليجعلني أضحك، إنه فعلاً طيب، وأخبرتهن ماذا فعل لها في الليلة الماضية، لكنني للأسف لم أحبّه بعد، فهو ليس فارس أحلامي، فقالت لها واحدة منهن لماذا هل لفارس الأحلام مواصفات غير تلك التي تكلمت عنها؟ إذا كنت يا صديقتي تقصدين الشكل والمال، فهذان الشيئان لا يحسبان، إذ إن شكله ممكن بحادث ما أن يتشوه، والمال أيضاً يتبخر بلحظة، وأنا شخصياً اعتقد بأنك محظوظة بزوج مثله لا يقول لك لا على شيء ويحاول بشتى الطرق أن يسعدك، فارضي بقسمتك بل اشكري الله عليها، أنت تعرفين شقيقتي أمل، اذهبي وانظري كيف تعيش، الذي يراها يقول إنها تعيش بنعيم بكل ما للكلمة من معنى فزوجها وسيم للغاية، معه من الأموال ما لا يعد ويحصى، لكنها تعيش معه بجحيم لا يطاق، فطباعه شرسة، يضربها عند أقل هفوة مهما كانت صغيرة، ترده اتصالات على هاتفه بعد منتصف الليل، فعلمت أنه يعرف واحدة غيرها، بعد أن بحثت بهاتفه ووجدت رسائل منها، كانت تشك في البداية، وبعدها تأكدت، كما أنه يبقى أغلب الأحيان خارج المنزل، يسهر كل ليلة مع رفاقه حسب قوله، ليعود ورائحته عابقة بدخان الشيشة والله أعلم ماذا يفعل أيضاً، لكنها قررت أن تلعب دور الغافلة والغبية، ودائماً تردد أمامنا أنها كانت تتمنى لو أنها اقتنعت من والدي ولم تصر عليه، يا ليتها تزوجت من الذي اختاره لها، لكنها أحبته على الفور عندما رأت وسامة شكله وطوله، سيارته وماله، فلم تصدق أن واحداً مثله تقدم لها بالرغم من جمالها وثقافتها، وعدم حب واقتناع والدي وشقيقي به، بسبب كبريائه وطريقة جلوسه، كلامه عن نفسه وسخريته من الناس، لكنهما احترما قرارها وها هي الآن تأكل أصابعها ندماً، فهو لا يهمه أحد إلا نفسه، حتى أولاده لا يعلم عنهم شيئاً، سواء عن دراستهم أو في حياتهم العامة، لا يزورنا في المنزل إلا في المناسبات، هذا بعد إصرار منها على ذلك كانت سابقاً تتضايق جداً من هذا الموضوع خاصة عندما يقول لها في وجهها ومن دون خجل إنه لا يحبنا، فقلنا لها إذا كان لا يسأل عن أولاده وعنك فهل سيسأل عنا؟ لذلك لم تعد تهتم فهي تأتي لرؤيتنا مع الأولاد كل يوم وهذا يكفيها ويكفينا، قررت مرات عدة أن تتركه، لكنها لم تستطع لأنها وأبناءها قد تعودوا على نمط معين من الحياة، من السيارات الفخمة والهواتف المتحركة الصرف من دون حساب خاصة هي، كأنها تنتقم لنفسها وكرامتها المهدورة معه بتلك الطريقة، يعني أنهما يتبعان أسلوب خذي ما تريدين واصمتي، وهي افعل ما تريد، لكن هات ما عندك، تقول إنها قد أمنت آخرتها ومستقبل أبنائها حتى إذا تركها يوماً فلن تسأل كيف ستكمل، قالت ريم مسكينة، الله يعينها، لا والله إن سيف نعم الرجل، فأخلاقه عالية واحترامه لي ولعائلتي فوق كل شيء، فنحن نزورهم كل يومين تقريباً، يجلس إلى والدي وأشقائي يتسامرون ويضحكون، يحب والدي جداً ويقول له أنا الآن فقط بدأت أشعر بأنني لم أعد يتيماً فأنا اعتبرك والداً لي مكان الذي توفي، أطال الله بعمرك، وينادي والدتي أمي، لا، أنا لا استطيع أن أعيش مثل شقيقتك، لقد جعلتني أشعر بعد سماع قصتها بأنني فعلا أعيش نعيماً لم أشكر الله عز وجلّ عليه فقالت أخرى: اصبري يا حبيبتي فأنت لاتزالين في بداية الطريق، مع الأيام سيتبدل، مثله مثل غيره، فأنا لم أسمع لغاية اليوم عن واحدة تزوجت وكانت سعيدة، فهن دائمات الشكوى من أزواجهن وإهمالهم لهن، حتى شقيقي الذي مات وعاش حتى تزوج الفتاة التي أحب، أعطهم سنة واحدة بالكثير فترين كيف يتبدلون، تدخلت الثالثة قائلة، أنا لا أوافقك الرأي فهناك الكثيرات من المتزوجات سعيدات ولهن أعوام طويلة مع أزواجهن فلم يتبدلوا، هناك الشواذ نعم، لكنهم الأقلية، وليسوا القاعدة، وافق الجميع على كلامها، عندها فقط شعرت ريم بأنها محظوظة بزواجها من سيف، بعد أن كانت تشعر بالغبن، المهم أنهن جلسن يضحكن وهن يذكرنها بما كانت تفعل في المدرسة من مقالب مع المدرسات والزميلات، لقد كانت تعج بالحياة سعيدة لا تفكر بالغد، لكنها شعرت بأنها قد أصبحت ناضجة بفترة قصيرة، أصبحت مسؤولة عن زوج وبيت، ذهبت صديقاتها من عندها بعد قضاء اليوم بكامله، فقامت تنظف البيت وترتبه قبل أن يأتي زوجها، شعرت بأنها ستراه للمرة الأولى، خاصة بعد ما فعله بالأمس وبعد النقاش الذي دار بينها وبينهن، قررت أن تبدل أسلوبها معه وتحاول أن ترى الأشياء الجيدة فيه والتي هي كثيرة، سوف تحبه مع الوقت، فالحب معاملة واحترام، استقرار وهدوء بال وشعور بالأمان وليست كلمة أحبك تقال والسلام، الحب ليس قهراً وعذاباً، بكاء وشقاء، ألماً في القلب ودمعة في العين، لا تنجري خلف ما ترينه من أفلام عاطفية، هذا ما كانت تقوله لها والدتها، فقالت بالفعل إن كلامها صحيح، وبعد قليل اتصل بها زوجها ليسألها إن كانت زميلاتها قد ذهبن أم لا ليعود إلى المنزل، فقالت لقد ذهبن تعال، فتح الباب ودخل كالعادة بكل هدوء، ملقياً السلام عليها وفي يده باقة من الورود الحمراء ودب أحمر كبير، قالت ضاحكة ما هذا يا سيف، لا تزال تعيش أجواء العيد، سوف تفسدني هكذا، ولن أرضى بأقل، قال أنا أردت أن أعتذر إليك، أجابت عن ماذا؟ قال لأنك بالطبع شعرت بالإحراج أمام صديقاتك من بيتنا الصغير، فأنت تستحقين أفضل منه بكثير، لكنني أعدك بأن أعمل ليل نهار لتأمين منزل يليق بك وحياة أفضل من التي نعيشها الآن . وضعت الورود من يدها واقتربت منه لتأخذه بين ذراعيها وتبكي، فوجئ بما فعلت لأنها كانت المرة الأولى التي تحضنه فيها، لكنه قلق من بكائها فسألها: ما سبب هذه الدموع يا غاليتي هل قلن لك شيئا أحزنك؟ قالت أبداً، إنها دموع الفرح، لا تغضب مني لما سأقول، لكنني اليوم فقط أحببت فكرة زواجي بك، اليوم فقط عرفت كم أنا محظوظة لأنك زوجي، حتى هذا البيت الصغير أصبحت أراه قصراً جميلاً، اليوم فقط شعرت بأنك جعلتني أسعد امرأة في العالم، أشكرك يا سيف على كل ما بذلته وتبذله من أجلي، أشكرك لأنك اخترتني لأكون زوجتك وأتنعم معك بهذه الحياة السعيدة، وأنا هذه المرة من سيعطي وعوداً، فأنا أعدك يا زوجي الحبيب أن أحبك وأقدرك كل يوم أكثر من الذي قبله لأنك إنسان رائع وتستحق التقدير والحب والاحترام، سامحني إن قصرت معك في الماضي لكنني سأعوّض كل شيء، وفت ريم بوعودها، حيث أصبحت مثالاً يحتذى عند الجميع، وبالطبع حقق لها سيف جزءاً كبيراً من أحلامها بعد أن تخرج وأصبح يعمل في شركات عدة خبير محاسبة، أنجبت منه ولدين رائعين، ابتاع لها منزلاً واسعاً في إحدى العمارات صحيح أنه يسعى لأكثر من ذلك، لكن مع الوقت، المهم أنهما سعيدان، كانت تشكر والدها كل يوم على اختياره لسيف ولنظرته المستقبلية الصائبة، فهي بالفعل بين أيد أمينة جداً، أصبحت تحبه كثيراً، وترى فيه فارس الأحلام الذي تحلم به كل فتاة.