فاسيلي كاندنسكي .. شاعرية التجريد

الفنون غذاء البصر
02:32 صباحا
قراءة 6 دقائق
الشارقة: غيث خوري

يعد فاسيلي كاندنسكي (1866- 1944) أحد رواد الفن التجريدي، عبر اشتغاله وتنظيره الفني الذي سعى من خلاله إلى التخلي عن التصوير التماثلي والطبيعي، وجعل المشاعر والأحاسيس الداخلية العمود الفقري والقيمة الأساسية في العمل، مؤسساً لشعرية تجريدية مفعمة بالعاطفة بعيداً عن قبضة التشخيص.
دأب كاندنسكي في أعماله على بناء أسس جديدة شكلاً ومضموناً في التعاطي مع الفن، منعتقاً من سطوة التصوير الطبيعي الذي ساد قروناً طويلة في أوروبا، باحثاً عن تكوين بناء جمالي حر يخاطب العواطف والمشاعر والأحاسيس، بناء يستمد قوته من الدهشة الطفولية البدائية عند الإنسان، فالفن التجريدي ولد في لحظة وجد ودهشة، كتلك اللحظات التي يقف فيها الإنسان أمام شيء رائع الجمال في الطبيعة مثل الغروب، حيث تتسرب الألوان والأضواء إلى نفسه فتتشبع بها، وتغمره بسعادة عجيبة وفرح لا حدود لهما، دونما حاجة إلى التفكير. إنها سعادة مجردة عن الموضوع قوامها الخطوط والألوان والأشكال والأضواء.

يحدد كاندنسكي رؤيته الفنية في كتابه «نظرات عن الماضي»، بالقول: «يزداد يقيني يوماً بعد يوم بأن الرغبة الداخلية للفنان، هي التي تحدد الشكل، وأن الانفصال بين مجال الفن ومجال الطبيعة يقوى يوماً بعد يوم، حتى أنني أرى أن كلاً منهما منفصل تمام الانفصال عن الآخر.. لقد علمت أن موضوعات الطبيعة كانت تفسد رسومي».
بدأت النظرة التجريدية للفن تنتشر ويقوى عودها، مع مدرسة «الفارس الأزرق» التي ضمت العديد من الفنانين المجددين، الذين اتفقوا على ضرورة منح المشاعر أهمية قصوى في تجسيد العمل الفني، وقد كان كاندنسكي أحد أقطاب هذه المدرسة رفقة صديقه فرانز مارك، وهما من أوجدا اسم الفارس الأزرق، حيث كانا يحبان الأزرق لأنه لون السماء، ورمز الانطلاق الروحي، وكان مارك يحب الخيول، مغرماً بتصوير حركتها الرشيقة في معظم لوحاته، بينما أحب كاندنسكي الفرسان، وهكذا جاء الاسم عفو الخاطر يحمل في طياته صفة الرمزية والتجديد الذي كانا يبحثان عنها.
ظهرت حركة «الفارس الأزرق» عام 1909، خلال معرض أقيم في ميونخ، وعرض فيه عدد من الفنانين رسومهم التجريدية لأول مرة، وأصبحت هذه الحركة محط الأنظار إلى جانب المدرسة التكعيبية التي مثلها عدد من الفنانين في طليعتهم بيكاسو وبراك. وقد حددت حركة الفارس الأزرق مميزاتها الرئيسية في بيانها الأول الذي يقول: «نريد أن نعطي أسلوباً جديداً لنظرتنا إلى الأشياء. نريد أن نصور الإدراك الداخلي منفصلاً عن الواقع، أن نرسم النفس البشرية في أعمق مشاعرها.. لقد كان الواقع يحول بيننا وبين ذلك. كان الرسام يقف أمام الموضوع وهو مرغم على أن يتقيّد به، والحقيقة أن غاية الفن ليست في تصوير الأشياء، بل في تصوير إدراكنا النفسي لها، ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا توجهنا إلى الداخل.. إذا صورنا الزمن كما نحسه في أعماقنا، لا كما تمثله لنا الحجوم والأبعاد في العالم الخارجي».
حاول كاندنسكي خلق لغة خطاب جمالية جديدة لدى المتلقي تختلف عن لغة القراءة والتفاعل السائدة في الفن التشكيلي، ساعياً إلى تحرير نفسه كفنان وتحرير المتلقي في الوقت ذاته، بحيث يكون لكل منهما قدرته وخياله الخاص في تلقي العمل الفني، وهنا تتضح أعمق خصائص الفن التجريدي عبر تاريخه، وقد أوضح د. محمود أمهز في مؤلفه «الفن التشكيلي المعاصر» أن التجريد في الفن ينطوي على مفهومين يلازمانه على الدوام، الأول هو رفضه المنطق الصوري المحاكاتي بما فيه من وشائج مادية واقعية وتبعيات أدائية أكاديمية، بهدف الإعلاء من حرية الفنان في التعبير دلالياً عن ماهيات الأشياء لا كما هي في الواقع، وبالتالي تثبيت هوية الفنان ورؤيته الفلسفية لهذه الأشياء والموجودات، والثاني هو استقراء الجوهر عبر ملاحظة ذهنية تأملية مستفيضة، ذلك أن البحث الجمالي الصادق هو ما يشيد الحقائق بصفاء ذهني وروحي عالٍ.
انقسمت تجارب كاندنسكي مع الرسم التجريدي إلى ثلاثة مراحل، أطلق على أولاها تسمية «انطباعات»، وقد حول فيها المظاهر اللونية للموجودات إلى إشارات تصويرية مع الإبقاء نوعاً ما على أوجه التشابه مع الواقع المستل منه، أما الثانية فقد سميت ب «ارتجالات» وتخلى فيها نهائياً عن تجسيد الأشكال معتمداً على شعوره الداخلي والصرف في بناء وتنسيق أعماله الفنية، وسميت المرحلة الثالثة ب «تكوينات» وهي عبارة عن منجزات جمالية تعبر عن عوالم الشعور الباطني والعقل، وتفصح عن هيمنة عاطفة ووجدان متّقدين يحولان الخطوط والألوان والأشكال إلى موسيقى.

تمثل لوحة «الفارس الأزرق» 1903، إشارة واضحة إلى أسلوب كاندنسكي اللاحق، ويظهر في اللوحة فارس يمتطي حصانه عبر مشهد طبيعي اعتيادي، حيث تتضح الصلة الأسلوبية مع أعمال الانطباعيين مثل كلود مونيه، وخاصة في تباين الظل والنور على التلال في الخلفية، إلا أن غموض شكل الفارس على ظهر الحصان عبر مزج الألوان معاً يتنبأ باهتمام كاندنسكي بالتجريد، وقد كرر كاندنسكي استخدام الفارس والحصان في عدد من أعماله اللاحقة، حيث كان هذا الموضوع بالنسبة له دلالة على مقاومته للقيم الجمالية التقليدية. ومن تلك اللوحات «غنائيّ» 1911، التي تصور راكباً على الحصان بوضعية الفارس، وهي ملونة بأربعة ألوان: الأحمر، والبرتقالي، والأسود، والأبيض، وتتكون أرضية اللوحة من اللون الأبيض رُسمَ فوقها الفارس وفرسه بخطوط أساسية.

في عمله «تكوين 2» يصف كاندنسكي إحساسه إزاء قرية صغيرة تحتوي مجموعة فرسان وهم يعدون بكل اندفاع، تحيط بهم أشجار وبيوت عدة وقد جسدت هذه العناصر عبر تضاد وتجاور لوني وتناغم بهيج. وبدت في هذه اللوحة بوادر الانفصال عن التعبيرية المحضة في التصوير باتجاه تجريدية شعرية متفردة.
ازداد وضوح وعمق منهج كاندنسكي الفني في عمله «تكوين 5» الذي أنتجه سنة 1911، فبين المساحات اللونية المشرقة والخطوط السوداء القوية، يصور عدداً من القوزاق مع رماحهم، وقوارب، وشخصيات تتسلق مرتفعاً، وقصراً فوق التل، وبينما يشير القوزاق إلى فكرة المعركة والحرب، نجد الشخوص والأشكال الهادئة على يمين اللوحة تلمح إلى السلام والخلاص.. ففي محاولة تطوير نمطه التجريدي وإلغاء وجود أثر مشخص في اللوحة، حول كاندنكسي الأشياء إلى رموز تصويرية، مخفضاً من جملة الإشارات والرموز المحيلة إلى العالم الخارجي، مستهدفاً أبعاداً أكثر روحية في الفن، وهو ما يوضحه في كتابه «حول ما هو روحي في الفن» إذا يقول: «الفن هو موسيقى النفس البشرية، سواء كانت ألحاناً أم بناء أم تصويراً.. وفن التصوير هو إبداع يخلق به الخيال من اللون رؤيا العالم بأسره.. كان الفنانون يرسمون قديماً بضرورة خارجية. كانت الأشياء تفرض عليهم أن يرسموها. أما فن التصوير الحق فإنه يلجأ إلى الإبداع بصورة داخلية».
بدأ كاندنسكي بتنفيذ سلسلة عوالم صغيرة في سنة 1922 بعد وصوله إلى مدينة فايمر الألمانية، وهي عبارة عن اثني عشر تكويناً منفذاً بتقنية الحفر (طباعة حجرية، طباعة خشبية وطباعة معدنية) تشير كل منها إلى عالم مصغر بذاته، ومن تلك الأعمال نجد لوحة تمثل منظراً طبيعياً ملوناً وهي منفذة بتقنية «الليثوغراف» ولا يأخذ هذا العمل من المنظر الطبيعي إلا اسمه، إذ تبدو الأشكال مختزلة ومبسطة إلى حد التجريد المطلق، واكتفى كاندنسكي في هذه اللوحة بالإيحاء عن الطبيعة دون الإفصاح التفصيلي عنها، فبدت أشكاله يكتنفها الغموض. وفي لوحة أخرى نجد قارباً وأشرعة ممثلة بخطوط بسيطة سواء كانت منحنية أم دائرية أم مستقيمة، وتشهد هذه التكوينات على خيال كاندنسكي المتألق في إعادة صياغة الطبيعة والواقع برؤية تشير إلى التوتر النفسي الداخلي لحظة الإحساس بالجمال، فالخطوط المائلة والدوائر والحلقات استعارها من المذهب الفني المسمى «التفوقية» الذي أنشأه الفنان الروسي كازيمير ماليفتش، الذي كان يرسم دوائر سوداء على خلفية بيضاء، ثم مربعات سوداء على خلفية بيضاء إلى أن بلغ غاية الصفاء والنقاء اللوني عندما رسم مربعه الشهير «مربع أبيض على خلفية بيضاء».
وفي أعماله المتقدمة نجد لوحة بعنوان: «عدة دوائر» رسمها كاندنسكي سنة 1926، وكان قد بلغ الستين من عمره، وهي تمثل بحثه الطويل عن الشكل الأمثل للتعبير عن الفن الروحي، وكانت هذه اللوحة جزءاً من تجاربه مع الأنماط الخطية في الرسم، وتظهر اهتمامه بالشكل الدائري، فالدائرة بالنسبة له هي توليف بين أعظم المتناقضات، حيث تضم المركزي واللامركزي في شكل واحد وفي توازن خلاب، إضافة إلى أن كاندنسكي اعتمد على الاحتمالات التأويلية للدائرة في خلق شعور بالانسجام الروحي والعاطفي داخل عمله.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"