كان سعد بن أبي وقاص من شجعان قريش ومن أدهى دهاتها . وكان إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته . وكانت بيده إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، كما ذكرنا . ودخل مكة إلى جانب رسول اللّه . وقد عرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرهف الحس . إذ كان سعد كثير البكاء من خشية اللّه . وكان إذا استمع للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في صفوف المسلمين ويعظهم، فاضت عيناه بالدمع لشدّة تأثره . إذ كانت عاطفته الجياشة لا تمنحه فرصة للسكينة والهدوء .
ويروى أن سعداً رضي الله عنه دخل المسجد مرة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان هناك مجلس فيه سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي . واتجه سعد للصلاة . وفي أثناء صلاته سمع أعرابياً يقول: #187;أتحلق الفلجة (غير العرب) كأنهم من الأوس أو الخزرج؟#171; . فاضطرب سعد لذلك، وتعجل في صلاته . فلما انتهى منها، ذهب للرجل وصاح به يعنفه وقال له: يا عدو نفسه، كيف تقول ذلك لأصحاب رسول اللّه . أو لم تعرف أن الإسلام سوّى بين البشر؟ وجرّه إلى رسول اللّه شاكياً له أمره . فعظم ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم وجمع المسلمين وخطب فيهم قائلاً: #187;أيها الناس، إن الرب واحد والدين واحد وأبا البشرية واحد . ومن أسرع به عمله لم يبطئ به نسبه . ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه#171; .
أوليات سعد
يعد سعد بن أبي وقاص من المعمرين . ولهذا كانت له علاقات قوية ومديدة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع الخلفاء الراشدين . وفي الحقبة النبوية، طالت وقفات سعد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وطال نضاله عنه وعن الإسلام . ويتحدث المؤرخون عن أوليات تنسب إلى سعد بن أبي وقاص، وقف فيها وقفات إسلامية شهيرة، لم يقفها أحد قبله .
ومن تلك الأوليات (الوقفات)، أنه كان أول من أسال دماً في الإسلام، عندما تصدّى لعبد اللّه بن خطل وهو يهزأ بالمسلمين في شعب من شعاب مكة، ومعه أبو سفيان والأخنس بن شريم، وكان مع سعد رضي الله عنه، عمار بن ياسر وسعيد بن زيد وعبد اللّه بن مسعود . فلم يحتمل سعد بن أبي وقاص العدوان، فتناول عظمة قريبة منه، وضرب بها عبد اللّه بن خطل فأسال دمه . وكان ذلك أول حدث من نوعه في الإسلام، فاشتهر عن سعد بن أبي وقاص أنه أول من أسال دماً في سبيل اللّه .
كذلك من أوليات سعد أنه خرج ضمن سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابع، لاستطلاع أخبار قريش . وواجهت السرية جماعات من قريش، تحرشت بالمسلمين وأرادت العدوان عليهم . ولم يقبل سعد رضي الله عنه أن يتراجع أمام تعالي رجالات قريش . وسرعان ما أعد سهامه وأطلقها على المعتدين . فكان ذلك أول من رمى سهماً في سبيل اللّه . وقد ذكرنا عن عائشة رضي الله عنها أن سعد بن أبي وقاص كان يحرس النبي ليلاً من دون انتباه منه صلى الله عليه وسلم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحسن منه ذلك، فيدعو له وينام مطمئناً .
قتال الفارس للراجل
وفي غزوة بدر، أبلى سعد بن أبي وقاص بلاءً حسناً . ويتحدث عن ذلك روى عبد اللّه بن مسعود فيقول: رأيت سعداً يقاتل يوم بدر قتال الفارس للراجل . أي أنه كان يتعالى على خصمه في القتال . أما في غزوة أحد، فقد ثبت سعد بن أبي وقاص مع النبي صلى الله عليه وسلم وجلس أمامه، يحميه بنفسه ويرد عنه الأعداء . وكان سعد يصيح آنذاك: اللهم سهمك فارم به عدوك . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت سعداً فيقول: اللهم استجب لسعد . اللهم سدد رميته وأجب دعوته#171; .
وفي وقعة أحد، شاهد سعد بن أبي وقاص مالك بن زهير وهو أحد المشركين يضرب في المسلمين ويقتل منهم . فترصد له سعد وضربه بسهمه فقتله على الفور . كما شهد سعد بن أبي وقاص غزوة بني قريظة . وكان من خيرة الأبطال . وقد نال منهم حتى ألزمهم بالاستسلام . أما في يوم حنين، فقد كان سعد بن أبي وقاص يحمل إحدى رايات المهاجرين . وقد ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم عندما اضطرب بعض المسلمين، ومنوا بالهزيمة في بداية الغزوة .
وطيلة الحقبة النبوية، كانت ملازمة سعد للرسول صلى الله عليه وسلم متصلة من أول العهد بالإسلام، حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . إذ كان قريبه نسباً، حيث التقى نسبه بنسب السيدة آمنة بنت وهب، أم النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكرنا، في زهرة . وكذلك كان من بين العشرة المبشرين بالجنة . تماماً كما كان أحد الأبطال المسلمين الأوائل، الذين واجهوا الباطل بكل قوة وانتصر للنبي صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن الإسلام والمسلمين .
أمير هوازن
وفي خلافة أبي بكر في الحقبة الراشدية، تميز سعد بن أبي وقاص عن جميع أقرانه بقدراته العسكرية وبطولاته في الحرب والسلم . ورأى فيه أبو بكر رجلاً قديراً أيضاً في الشؤون الإدارية . ولذلك سارع إلى اختياره عاملاً على هوازن . وكانت قبيلة هوازن حديثة العهد بالإسلام . وكانت قد اشتركت مع ثقيف بالطائف، في الصراع ضد المسلمين . ويمكن لنا أن نفهم أن اختيار سعد عاملاً على هوازن، أتى نتيجة تفكر وإدراك من أبي بكر، بأن مثل هذا العمل على هوازن، إنما يحتاج إلى قدرة عسكرية وقدرة إدارية تجتمعان معاً في شخص واحد من المسلمين، وفي إرادة واحدة . وقد وجد أبو بكر اجتماع هاتين القدرتين: العسكرية والإدارية في شخص سعد بن أبي وقاص فكان أن أمر بتوليه عاملاً على هوازن .
وفي خلافة عمر بن الخطاب، وقد كانت أطول مدة من خلافة أبي بكر، رأينا دور سعد بن أبي وقاص معه طويلاً ومهماً . إذ بينما كان المسلمون في المشورة بعد وفاة أبي بكر، وافى عمر كتاب من سعد بن أبي وقاص، وكان عامله على صدقات هوازن . فانتبه إليه بعض المسلمين، وقد كان عمر في صدد انتخاب أمير على أهل النجدة لحرب فارس، وقال لعمر رضي الله عنه: قد وجدته . قال عمر فمن . قال أحدهم: الأسد عادياً . قال: من هو؟ قالوا: سعد . فأرسل إليه عمر، فقدم عليه، فأمره على حرب العراق، وانتدب معه الناس .